أنصحكم أن تمتنعوا عن قراءة الجرائد المحلية والعالمية بما فيها هذه المقالة، فلا شيء يحرض على الكتابة، ما عدا كتابة المصالح، فالقلم هو"الآخر"خضع للمصلحة العامة والخاصة وانكسر. لا شيء يحرض على الكتابة اليوم، الممنوع والمسموح، المعالج حد الاجترار والجديد حد الخيال. نعيد ونزيد ومكانك سر، فلتنهار السوق المحلية، ولتنشب الحروب العالمية، ولأجن مع البقر، واتركني أصاب بأنفلونزا الطيور. الموت جماعي، عزيزي، أين الخوف؟ وإلى أين المهرب؟ لا تقول توعية، تعبت من الوعي، واعية و"مصحصحة"لكن أين النتائج؟ أين الأعمال؟ ظاهرة صوتية كتابية إنشائية نحن، هل لو كتبنا سنمنع الحروب الطائفية والقبلية من العراق إلى لبنان مثلاً؟ هل لو كتبنا سيعم السلام في العالم العربي؟ هل لو كتبنا ستصلح المجاري والشواطئ والمتنزهات؟ ماذا سيحصل؟ لا شيء حروف مجترّة. كل الذي كتبته اجتر الذي قبله، أفكار مستهلكة، لا شيء يتغير، ها أنا أمامك، طوع يديّ الكلمات خاضعة لحصاري الطويل، لا تئن، لا تتمرد على رغم التهامس والتشافه والصراخ أحياناً، إنما تظل أجيرتي. لكن العيب ليس في الكلمات ولا في الأفكار أيضاً، العيب في العمل، في الإنجاز، لأن الحبر لا يستطيع أن ينبض كالدم، ولا تستطيع الحروف أن ترف كالأحاسيس، ولا أحد يستطيع أن يغير ما بأحد إلا أن يغير ما بنفسه بوعي أو لا وعي. فلا تقل نعم أو لا. لا تقل أي شيء. تخيل عالماً عربياً بلا كتاب، فما الذي سيحصل؟ لا شيء. ماذا لو توقفت الآن عن الكتابة، هل سينتبه أحد إلى غيابي؟ هل سأترك فراغاً من نوع ما؟ فراغاً في الزمان أو المكان أو المخيلة متعبة ومتخمة بأخيلة العصر الحديث؟ لن يحصل شيء، أؤكد لك ذلك في غيابي أو غياب أشهر الكتّاب العرب بلا استئذان. فلو كنت نسمة لأحس الروض غيابي، لو كنت عصفوراً لمدت الأغصان أعناقها بحثاً عن خفق جناحي، لو كنت موجة لحاول الشاطئ الإبحار لي، لكنني مجرد كاتبة عربية تجتر كلماتها، ولا فرق بين كاتب عربي وبريد قراء سوى المساحة والصفحات المميزة، فكلنا يتسلى بالكلمات ولا شيء يتغير. حتى كتاب الاقتصاد يستهترون بأموالنا، وما عندهم ما عند جدتي من تحاليل اقتصادية سوى أنهم يتسلون بالأرقام بدلاً من الكلمات، فاكتب أو لا تكتب. اقرأ لا تقرأ. اهرب. ارجع. لا شيء يتغير. وبعدها سنظل مكانك سر. ستظل ظواهر الأغاني الرخيصة والأفلام الهابطة وفضيحة دينا الراقصة ورجم المحصنات وتكريم الفاجرات من دون علاج. ستظل الأمراض متفشية ومعدية ومستعصية من دون علاج، ستظل الرشوة تأشيرة الدخول والخروج وإنهاء المعاملات، ستظل الغربان والفئران والجرذان من دون إبادة، سيظل المؤشر متذبذباً من دون علاج. اكتب لا أكتب. اقرأ لا تقرأ. اهرب. ارجع. ادخل اخرج. لا شيء سيتغير إلا عندما نعمل. ومن الآن وحتى نعمل تصبحون على خير. خلف الزاوية [email protected]