عبدالكريم بن عبدالعزيز الجهيمان، اسم عريق في ذاكرة السعودية، ورمز من رموز الوطنية والعمل الصحافي الدؤوب. ولد في قرية غسلة من قرى الوشم عام 1333ه، وتعلم القراءة والكتابة على الرمال النقية التي يقول عنها: "كنا نتعلم القراءة والكتابة على رمالنا النقية، وكنا نصنع ألواحاً تنوب عن الورق، وكنا نطلي هذه الألواح بمادة جيرية ونكتب عليها". هذا التعليم البدائي البسيط أنجب شخصية وطنية متميزة مارست العمل الصحافي بامتياز، إذ بدأ بجريدة "أخبار الظهران" في المنطقة الشرقية، وهو تولى رئاسة تحريرها، وكتب فيها مقالات جمعها في كتاب سمّاه "دخان ولهب". وبعد إغلاق "أخبار الظهران" انتقل الى صحيفة "اليمامة" في الرياض وقد أنشأها وتولى رئاسة تحريرها الراحل الشيخ حمد الجاسر. وجمع الجهيمان مقالاته التي كان يكتبها في "اليمامة" في كتاب سمّاه "أين الطريق". ثم اشرف بعد ذلك على صحيفة "القصيم" التي ظل يكتب فيها عموده الشهير "المعتدل والمائل". وللجهيمان الكثير من المؤلفات منها: أساطير شعبية من قلب الجزيرة العربية، الأمثال الشعبية في قلب الجزيرة العربية، آراء فرد من الشعب، ذكريات باريس، رسائل لها تاريخ، مذكرات وذكريات من حياتي... التقينا الجهيمان في الرياض، وكان لنا معه هذا الحوار عن الصحافة والمرأة: لو رجعنا بالذاكرة الى الوراء وتحديداً الى جريدة "أخبار الظهران"، التي كنت تكتب فيها بجرأة، كيف كنت تمارس هذا الدور، وكيف كنت تستطيع أن تكتب بهذه الجرأة؟ - كنا في ذلك الوقت أناساً سليمي النية، نكتب ما لدينا وما يخطر في بالنا من الأفكار التي نرى أنها لمصلحة الوطن والمواطنين. وكان في ذلك الوقت على الصحيفة رقابة من الدولة، تراقب ما ينشر فيها، لئلا ينشر فيها إلا ما يوافقون عليه. لكن كانت علاقتي بأعضاء الرقابة وثيقة ومبنية على الثقة والتجاوب. ولذلك كانوا يغضون النظر عن كثير من الموضوعات. وحازت جريدة "أخبار الظهران" شهرة كبيرة في المنطقة الشرقية وما حولها، حتى أن صحافة البحرين كانت تغبطنا على الجرأة التي نتمتع بها في الجريدة والموضوعات التي نتطرق اليها. وكنا نتعرض لبعض الشؤون السياسية، وإن كان ينقصنا في بعضها التجربة، إلا أنها كانت تصدر عن حسن نية وعن وطنية، وكان لها تأثير في المجتمع، وكان المجتمع يثق بنا وبما نكتب. ولذلك كان على جريدة "أخبار الظهران" إقبال واسع. ما سبب أو ما دافع هذه الجرأة التي أشرت إليها في الكتابة؟ ألم يكن هناك أسلوب آخر لمعالجة الموضوعات من دون الحاجة الى هذه الجرأة؟ - لدي فكرة وهي أن المقال الذي ليس به جرأة قد يمر ولا يؤثر. لا بد من أن يكون في المقال شيء من الجرأة أو القسوة والنقد اللاذع ليكون مؤثراً، ويلفت أنظار المسؤولين لكي يعالجوا الموضوع علاجاً ناجعاً وسريعاً. هل كانت هذه الجرأة هدفاً؟ أم أن هناك هدفاً أبعد من هذه الجرأة؟ - الجرأة كان هدفها الإصلاح ولفت الأنظار الى جوانب النقص، وأنا في الواقع كنت أقول ان النقد لكي يكون مؤثراً، لا بد من أن يكون حاراً جداً أو بارداً جداً. أما النقد الفاتر فلا تأثير له، ولم نكن نستطيع أن نكتب في هذه الموضوعات بأسلوب بارد، فلم يبقَ إلا الأسلوب الحار والأسلوب القاسي. ألم يكن يُنظر الى هذه الجرأة باعتبارها طيش شباب، أو تأثراً بالفكر اليساري؟ - لا، كنا بعيدين من هذه المذاهب المنحرفة، والمسؤولون والمواطنون لم يكونوا يظنون فينا هذا الظن. ولكن، ألا يتعارض ذلك مع عبارتك التي تقول فيها "نحن نقبل الاشتراكية على أنها اشتراكية الإسلام"؟ - أنا أميل إلى الاشتراكية الإسلامية وهي ضد الشيوعية وضد الاشتراكية الوضعية وضد الرأسمالية. فالإسلام وسط، لا هو رأسمالي، ولا هو اشتراكي. ولذلك فمن القواعد الإسلامية تفتيت الثروات، بالمواريث والصدقات والزكاة، والحرص على الجار، وفتح أبواب العطاء لمن يحتاج. كيف كان يتم التعامل مع مقالاتك النقدية، هل كان ينظر إليها باهتمام؟ لا شك في أن النقد له تأثير، حتى لو لم يؤثر سريعاً، فهو سيؤثر في المستقبل. والنقد يتفاعل بين الصحافة والمسؤولين، وبين الصحافة والمواطنين، إذ يشعرون أن هذا الشيء ناقص، ويجب تحاشي النقص الحاصل. كيف كان صدى هذه المقالات الناقدة عند المواطنين؟ - القراء يحبون هذا النوع، ويطربون له ويغبطوننا على هذه الجرأة، وكنا في بعض الحالات ندفع الثمن غالياً. القراء لا يهمهم أن ندفع الثمن أو لا ندفع. القراء يحبون النقد في سبيل الإصلاح وتقويم الأمور غير المعتدلة. كانت عندي زاوية اسمها "المعتدل والمائل"، أعالج فيها بعض الشؤون الاجتماعية والاقتصادية بكلمات مركزة، وكان يقرأها الجميع، حتى إنني سمعت أن أحد كبار المسؤولين يقرأ أول ما يقرأ زاوية "المعتدل والمائل". قرأها مرة من المرات فوجدها كلها نقداً فقال أين المعتدل؟ هذا النقد البناء الذي يهدف الى خدمة الوطن، هل كنت تمارسه من خلال الكتابة فقط، أم كنت أيضاً تلتقي مع المسؤولين؟ - الموضوع الذي أكتبه في الصحف أتحدث به في المجالس عند الكبير والصغير. فأنا إنسان صريح وصادق النية وليست لي مصالح ذاتية. أريد أن أؤدي دوري كصحافي تكون له ثمرة في المستقبل. كيف تنظر الآن الى واقع الكتابة الصحافية؟ - الصحافة الآن أصبحت صناعة، أما في الماضي فكانت ضمير الشعب. وكانت تحمل آمال الشعب وأهدافه ونظرته الى المستقبل. والآن أصبح لدى بعض الموظفين الحكوميين وبعض المسؤولين في الدوائر الحكومية حساسية أكثر من السابق. كانوا في الماضي يتحملون من الصحافي أكثر مما يتحملون الآن، وهذا شيء مؤسف. ولكنني في الأوقات الأخيرة، بدأت أحس أن المسؤولين يرحبون بالنقد وتتسع صدورهم لبعض الكتابات التي تشير الى بعض جوانب النقص. أين ترى الخلل: هل هو في عدم تقبل النقد، أم في الصحافيين. فالبعض يرى أن هناك مساحة من الحرية، لكن المشكلة في الصحافيين أنفسهم، إذ يسيء بعضهم استخدام هذه الحرية ويتصرف بلا مسؤولية. وعلى النقيض نرى كتّاباً يزيّنون الأخطاء ويتملقون من أجل مصالح شخصية، ما رأيك أنتَ؟ - هذا صحيح، فكثير من الكتّاب يتشددون أكثر مما يتشدد الرقيب. انهم يخشون على أنفسهم وقد يتوهمون، ويكون خوفهم نوعاً من الوهم، ولو كان لديهم شيء من الجرأة لما حدث لهم امر. فالمهم أن يمارسوا النقد بأسلوب منطقي وغير جارح. إن الكثير من مجاملات الكتّاب وتركهم بعض جوانب النقد ليست في محلها، وهذا نوع من التقصير. في رأيك، هل هامش الحرية ضيق أم أننا نضيّق ما هو واسع؟ - واقعاً، إن الكثير من الكتّاب يضيّقون على أنفسهم، ويضيّقون المجال الواسع الذي يجب أن تتمتع به الصحافة، خوفاً على مستقبلهم وأنفسهم، وخوفاً من العقوبات التي هم يتوهمونها، على رغم عدم وجودها. مقالاتك التي نشرتها في الصحافة المحلية والتي كان مسموحاً بها في حينه، مُنعت الآن عندما جُمعت في كتاب، ما سبب ذلك؟ - أنا أفسر ذلك قائلاً: "سبحان من يغيّر ولا يتغيّر"، الأشخاص يتغيّرون والنظرة تتغيّر، وبعض الموظفين الصغار يوحون للكبار بأوهام فيأخذونها ويمنعون بعض ما كان مسموحاً به. لكنك لو رجعت الى الكبار لوجدت أن عندهم سعة أفق وتفهماً كبيراً. كنت من المطالبين بتعليم المرأة، وكنت من المدافعين عنها، ماذا بعد كل هذه السنوات التي مضت، هل ترى المرأة في مكانها السليم؟ - لا تزال المرأة في حاجة الى المزيد، فهي نصف المجتمع. وفي رأيي يجب أن يفسح لها المجال في الوظائف والتجارة وقيادة السيارة. فامرأة طبيبة تريد أن تقود سيارة يجب ألا تمنع. فالفتنة مأمونة والحمد لله. وهذا الأمر لو حصل لانتهى كل شيء مثل بقية الأمم. لكن بحسب رؤية البعض إن في قيادة المرأة الى السيارة وإعطائها مجالاً لمزاحمة الرجل مخالفة للتعاليم الدينية، وللعادات والتقاليد! - هذا ليس صحيحاً، فالمرأة كانت تشارك الرجل في الحروب والأعمال التجارية والتعليم والزراعة والفلاحة. ولم يكن هناك فصل بين المرأة والرجل. المرأة لا يحميها إلا دينها وأخلاقها وشرفها. المشكلة أن هناك قطاعاً كبيراً ينظر الى المرأة نظرة دونية، ويرى أن ذكر اسم الزوجة أو الأم عيب. كيف يمكن أن تصحّح هذه المفاهيم وهي تشكل عائقاً كبيراً أمام ما دعوت إليه؟ - لا يتم ذلك إلا من خلال التعليم، وإفهام الناس مكانة المرأة ودورها. وهذا يحتاج الى وقت طويل مع توافر النية في العمل، والاستمرار في إزالة التحجرات الموجودة في بعض الأذهان. إنني آمل أن يكون للمرأة مستقبلاً ودوراً أكبر ودوراً قيادياً أيضاً، ومن خلال ذلك سيطرأ الكثير من التغيير. هل تؤيد الفصل بين رئاسة تعليم البنات ووزارة المعارف؟ - إنني أرى أن يكون تعليم الفتيات منوطاً منذ بدايته بوزارة المعارف، وأن يكون هناك وكيل خاص بتعليم البنات في الوزارة. لأن تعليم البنات لم يقم إلا على أكتاف وزارة المعارف وجهودها، والتعليم واحد. بل إنني أرى أن يكون تعليم الفتيان والفتيات واحداً بعضهم مع بعض خلال المرحلة الابتدائية، ثم يفصلون خلال المرحلة المتوسطة والثانوية. وفي المرحلة الجامعية يجب أن تمحى هذه الفوارق لأن طالب العلم بلغ مرحلة من النضج. يقترح البعض من وجهة نظر تربوية، أن تسند عملية التعليم في الصفوف الابتدائية الأولى الى النساء والفتيات في كل المدارس للذكور والإناث، على اعتبار أن المرأة أكثر حناناً وتفهماً للأطفال! - هذه الفكرة رائعة. فالطفل في المرحلة الابتدائية يحتاج الى عطف ورعاية، وقد تكون المرأة هي الأقدر على أداء هذه المهمة. وأنا أرجو أن تتحقق هذه الفرصة وأن نشاهدها في المدارس.