كان هذا المثل يطلق على الشعراء وكنا نقول لا بأس، لأنهم غالباً يتحدثون بعاطفة لا بمنطق وبحماسة في جميع الأحوال، سواء كانوا مسرورين أو غاضبين. لكن إذا تحدث شخص يملك النفوذ والقوة والقرار وأطلق وعوداً وردية لا يفي بها، عندها ندرك أن الضعفاء معذورون إذا اخلفوا وعودهم، ولن يجد المظلومون من ينصرهم، إذ لا يوجد من يردع الظالم، والأسوأ من ذلك، في هذا الزمن عندما يكون الحكيم بلا قيمة فعلية إذا افتقد النفوذ والقوة. لماذا؟ لأننا نعيش في عصر القوة العمياء ونفوذ الأغنياء وسحق الضعفاء، هذه المرة لن اسمي الأشياء بأسمائها، ليس خوفاً أو محاباة، ولكن لأن عدد الأسماء يحتاج إلى مساحة أكبر من هذه المساحة وهذه الصفحة، بل من هذه الصحيفة! سأكتفي بالإشارة إلى بعض المواقع التي تندرج منها مئات الأسماء في عالمنا الظالم المظلوم. الغني يعطي وعوداً للفقراء لا يفي بها، بدءاً بالمساهمات وانتهاء بمنحهم ما لا يمكن أن يمنحهم إياه، حتى لو كانت صدقة او زكاة، حرصاً على أن يبقى الفقير فقيراً، فهو يحرص على تطبيق سنة الحياة، أن يوجد فيها فقراء!، والمسؤول يعطي وعوداً لمن هو مسؤول عنهم كي يبقوا تحت رحمته، فإعطاؤهم ما يحتاجونه يفقده إياهم. وإذا فقدهم انتهت حاجة بقائه، فوجودهم من وجوده! ورئيس الدولة يعطي وعوداً لشعبه عن طريق المسؤولين ولا يفي بها، فيجير الشتم لهؤلاء المسؤولين ويبقى هو بعيداً من أفواه الرعية ودعائهم. فهو لا يحتاج الدعاء عليه او له، لعلمه أن الدعاء عليه بالموت كالدعاء له بالحياة. تتواصل هذه الممارسات لنشهدها على مستوى الحكومات، أميركا تعد العالم بأشياء لا تفي بها، بل تعمل عكسها تماماً بكل احتقار للعقل البشري، واقرب شبه لسلوكيات الحكومة الأميركية، سلوكيات غالبية النساء في العالم، فهن عندما يقلن إنهن لن يفعلن ذلك الشيء فهن يخططن لفعله بإصرار، وعندما يقلن إنهن يكرهن ذلك الشيء فهن يكرهن الابتعاد منه. إنها مسألة التلاعب بالألفاظ مع صدق النوايا، كل ذلك تحت ذريعة الغاية تبرر الوسيلة! نأتي إلى سلاح العصر، الإعلام، بعض القنوات الفضائية تشجب وتستنكر في منظر متكرر، تقول لا للإرهاب، من دون تعريف واضح للإرهاب، فهي تمجد بعض الإرهاب وتمقت بعضه، على رغم أن الإرهاب ليس له سوى وجه واحد، كل ذلك بلا مبرر سوى شعار المصالح المشتركة ومصائب قوم عند قوم فوائد. ونضع المجهر على كلمة إعلام، لنرى بين حروفها بعض الإعلاميين الذين إذا امتدحوا شيئاً فهم يسرفون بهدف الإساءة له! وإذا اساءوا لأحد فهم يسعون للتقرب منه، ومن ثم الاستفادة، هل يظن البعض أن الناس ما زالت تسمع وتصدق. ما هذا الدهاء المكشوف، إن النفاق والمجاملات والكذب تلفظ أنفاسها الأخيرة، منذ أن ضرب العراقيون صور صدام حسين وتمثاله بالأحذية، منذ أن هاجمت بعض صحافة الغرب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، لتكشف للعالم عن ملامحها الحقيقية، منذ أن حاربت أميركا حرية الرأي التي تتحدث عن اليهود وتاريخهم الحقيقي وصفقت للرأي الذي يسيء للإسلام ونبيه، وهي تردد"انها حرية الرأي"منذ أن عضت تلك الجماعة يد رفيق الحريري التي انتشلتهم من الخراب فأحرقوها واحرقوا جسده. شيء واحد اعترف به قتلة الحريري من دون أن يرد ذلك الاعتراف في تحقيقات ميلس، وهو أن رجلاً كرفيق الحريري لا يموت إلا بألف كيلوغرام من المتفجرات، هكذا كانوا يرونه أصمد وأضخم من أي جبل. أرادوا تدمير بلد وشعب، فأخطأوا الهدف وذهبوا إلى الرمز، فعاش الشعب وعاش البلد. تلك الأحداث تكفي لأن يدرك العالم أن الحقيقة ليست مرة، بل هي أحلى من الشهد طالما أنها تلقننا الدروس لنستفيد منها لحاضرنا ومستقبلنا، فنبدأ بركل المنافق ومعانقة الصادق، فليس هناك أجمل من التعامل مع العدو بدهاء، ومحادثة الصديق بصفاء، وليكن ذلك من أصغر الأمور إلى أكبرها، بدءاً بالفرد مروراً بالجماعات ووصولاً إلى الحكومات، فالناس في عصرنا الحاضر تموت بلا ثمن، في العراق وفلسطين وغوانتنامو وأبوغريب، وغيرها من المواقع التي ظهرت لنا وكأنها قطعة من جهنم، فلماذا لا نجعل موتنا بأغلى ثمن، بالدفاع عن ديننا وأرضنا وكرامتنا ولو بأبسط السبل. كيف؟ بقول الحقيقة والابتعاد عن الذين يقولون ما لا يفعلون. [email protected] *