تطرقت في المقال السابق إلى عدد من الأحداث التي وقعت خلال السنوات الثلاث الأخيرة، كالوضع في العراق وسياسة أميركا في المنطقة والإعلام العربي والغربي. اليوم نكمل الحديث عن تلك الأحداث المتناقضة: يتحدث صدام حسين في محاكمته أمام ملايين المشاهدين عن معاناته وتعرضه للإهانة والضرب. اعتقدت أن الذي يتحدث صدام"الشبيه"وليس صدام الرئيس، أي قدرة على التحمّل يملكها هذا الديكتاتور؟ من أين له هذه القوة البشعة كي يقف ويتحدث وينام ويأكل ويشرب بعد هذا كله؟ عندما يفقد الإنسان من يحب فإنه ينهار ويفقد التوازن. وهذا الديكتاتور فقد السلطة وفقد أبناءه مع تشتت عائلته، بل فقد أبسط الأمور التي يملكها أفقر عراقي عاش المذلة إبان حكمه. أجزم أن صدام قرأ عن عظماء التاريخ لكنه لم يفهم ما قرأ. يتوقع الأغلبية أن يصدر حكم إعدام بحق صدام ويتم تنفيذه، وأنا أتوقع أن الحكم سيكون مفاجأة! حتى الآن لم يحضر شاهد واحد في المحكمة يشهد بأنه رأى الأحداث التي نسمع بها منذ أكثر من 20 عاماً على يدي صدام حسين. معظم حديث الشهود لا يدين صدام، وربما يدين من كانوا يعملون تحت أمره. والعجيب أن عدداً من القنوات الفضائية العربية التي تنقل تلك المحاكمة الهزيلة تستمر في تمرير الألاعيب الأميركية من خلال قطع صوت صدام وهو يتحدث أو صوت أحد المتهمين بحجة أن الكلام مناف للأدب، ثم تعتذر تلك القنوات عن قطع الصوت من المصدر. هذا كلام لا قيمة له، وبث المحاكمة بهذا الشكل فيه من الظلم والديكتاتورية والتسييس الشيء الكثير. ومن هنا استطيع القول أن الفضائيات والعربية منها بالذات تمرر ما تريد أميركا إقناعنا به لتحقيق مصالحها. ولو أن تلك الفضائيات رفضت نقل محاكمة صدام على الهواء إذا استمر انقطاع الصوت، لفوتت فرصة كبيرة على أميركا وجعلتها تعيد التفكير في تنظيم تلك المحاكمة، وتحترم عقول المشاهدين وتحديداً العرب منهم. لست أفهم ما معنى قتل الآلاف من العراقيين لإسقاط نظام صدام وإبقاء صدام على قيد الحياة ومحاكمته. ماذا تريد أميركا بالضبط؟ الحكومة الأمريكية انتفخت لدرجة أنها لم تعد قادرة على مشاهدة ما تحت أقدامها، وعليها أن تتوقع التعثر والسقوط في أي لحظة. ولم تستطع الضغط على دول المنطقة من أجل مصلحتها ومصالح الصهاينة إلا عندما وجدت في العالم العربي زعامات تضحي بشعوبها من أجل البقاء في السلطة. لا يغيب عن ذهني الوضع في لبنان وسورية، وكنت كتبت بعد اغتيال الحريري مقالاً نشرته جريدة"الحياة"قلت فيه أن من قتل الحريري هم مسؤولون سوريون ولبنانيون، وأن"أبو عدس"الذي تبنى عملية الاغتيال مجرد كذبة، لست ضارب ودع لكن الأحداث في عالمنا العربي سهلة القراءة لمن يقرأها بواقعية لا بالعاطفة أو بفكر مسيس. ومن يحاول أن يفسر تلك الأحداث مستخدماً مفردات معقدة يستعرض بها أمام القراء، يخفق من قراءة الأحداث قراءة صحيحة، لأن عالمنا اليوم لا يعمل بالطريقة العلمية بل بالطريقة العنترية التي لا تخضع للمنطق. مقتل الحريري شكل ضربة غادرة للبنانيين ومن بعدهم للسعوديين، كونه مواطناً سعودياً ثم ضربة للعالم العربي. وعندما جاء اتفاق الطائف بمبادرة سعودية لإيقاف سيل الدماء في شوارع لبنان، جاء رفيق الحريري رئيساً لوزراء لبنان بدعم سعودي، فأصبح قتله قتلاً للجهود السعودية في المنطقة وقتلاً للسلم وإحياء لسياسة الاغتيالات والغدر وتمجيداً للمجرمين أفراداً وحكومات، ولن يكون في العالم عدلاً ما لم يقدم كل مجرم ليقتص منه، وليس هناك ثقة في المحاكم الدولية ولا المحاكم التي ترعاها حكومات دكتاتورية كي لا تكون نهاية قضية مقتل الحريري كنهاية قضية التآمر على الملك عبدالله بن عبدالعزيز من النظام الليبي الذي ثبت تورطه فيها مثلما ثبت تورطه في مقتل مئات الأبرياء في قضية لوكربي. إلى أن أصبحنا نرى مسؤولين من دول غريبة كانت تتهم القذافي بالإرهاب يصافحونه، ويعقدون معه الصفقات على الملأ. أو كقضية الرئيس الصربي الذي أدين بجرائم إبادة عرقية ثم صدر بحقه حكماً من محكمة العدل الدولية بالسجن 12 عاماً، يعود بعدها لممارسة جرائمه. صفة التسامح مع الأخ العربي"المجرم"لم تعد مجدية، والمثل القائل"أنا واخوي على ابن عمي وأنا وابن عمي على الغريب"انتهت صلاحيته عندما جاءت حكومات عربية تبيع أبناءها بلا ثمن ليقتلوا العربي الآخر ويشتموه على"منبر من لا منبر له". استطاعت أميركا أن تستجلب العربي الصغير إلى صفها لترمي به العربي الكبير لينشغل عن أهدافها"المصهينة"في المنطقة. أصبحنا نرى دويلات عربية مجهرية في عمر الصغار تتحدث بلغة الكبار، وتخون العهد في وضح النهار، وتحدث الفتنة ثم تسأل ما الذي صار! أستطيع أن أنسب لنفسي براءة اختراع في تعديل المثل المشار إليه وأقول:"أنا على أخي وعلى ابن عمي وعلى الغريب"طالما أنهم مجرمون كاذبون، وقد تعودت على أن أبدل قناعاتي عندما تتغير الأمور، ويصعب على المرء تغيير ما يجزم بأنه من الثوابت، ومن الثوابت الدفاع عن كل ما يتعلق بالوطن وردع من يتجاوز حدوده والابتعاد عن سعة الصدر مع من يسيء لنا، فمن يشتم الوطن سواء من أبنائه أو من غيرهم فهو يشتم المواطن ويشتم الدولة ويشتم الأرض، وليس في الدنيا شيء يجعل المرء يحسن إلى من يسيء إليه في هذا الوقت سوى الرأي الذي جانب الصواب وإلا لما استمر الصغار في قذفهم بالحجارة بيت الكبار حتى تخلخلت أسواره! [email protected]