قبل ثلاث سنوات، غزت الولاياتالمتحدة الأميركية دولة العراق، وسقطت بغداد ونجا الكثير من العراقيين من المواجهة وقتل الكثير من دون مواجهة. اختبأ صدام حسين ومن معه، في ما بعد ألقت القوات الأميركية القبض عليهم، قُتل ابنا صدام حسين عدي وقصي على رغم أنهما كانا يختبئان في منزل، وكان بالإمكان القبض عليهما حيين كأبيهما. لم تشأ القوات الأميركية إبقاءهما، ربما لأن مسرح محاكمة صدام ورفاقه لا يتسع إلا لتسعة أشخاص! من خلال وثائق أميركية عمرها يزيد على 30 عاماً، تتعلق بوضع العراق، تتحدث تلك الوثائق عن تقديم المحافظين الجدد آنذاك دراسة للبيت الأبيض تقضي بضرورة احتلال العراق من أميركا، فالمحافظون الجدد هم أصلاً قدامى، وهذا المشروع تم تقديمه لأكثر من أربعة رؤساء أميركيين، وتم رفضه إلى أن جاء بوش الابن وتبناه. وبالعودة لأحداث العراق، واستطيع أن أسميها ب "ألغاز العراق" لماذا يقوم الزرقاوي وجماعته بتفجير المدنيين العراقيين في الأسواق ومراكز الشرطة والمواقع العامة، أليس العدو الأول لهم هو أميركا بحسب قولهم؟ أليس من المنطق أن يكون التفجير في مقار القوات الأميركية في العراق؟ لماذا يذهب المجاهدون العرب إلى العراق لقتل العراقيين وليس الأميركيين؟ نسمع عن تفجير مركبة أميركية يقتل فيها جندي أميركي واحد، وفي الوقت نفسه نسمح عن انتحاري فجر نفسه داخل سوق شعبية ليقتل العشرات من الأبرياء العراقيين. لو قام المجاهدون "الإرهابيون" بتفجير المواقع الأميركية في العراق لأرغموا الاميركيين على الانسحاب من العراق، وهذا ما لا يريده ابن لادن والزرقاوي وجماعتهما، لأن بقاء الإرهاب وصوته في العراق مرتبطان ببقاء الأميركيين فيه. وأيضاً ترك الأميركيين للزرقاوي يقطع الرؤوس ويفجر الناس، يجعل بقاء القوات الأميركية في العراق أمر ضروري لضبط الأمن الذي لم يضبط بعد. استطاعت أميركا أن تسقط حكومة طالبان في أفغانستان، ولم تستطع إسقاط ابن لادن ورفاقه، واستطاعت أن تسقط حكومة صدام وتخرجه من جحره في منظر مهين، ولم تستطع أن تخرج الزرقاوي من وكره حتى ولو كان يجلس على عرش. بل لم نعد نسمع عن استمرار مطاردة الأميركيين للزرقاوي أو الإعلان عن مكافآت القبض عليه، فقد أدرك الأميركيون أن الإعلان عن المكافآت المجزية قد يقود البعض للإبلاغ عن الزرقاوي كما حدث مع صدام، وهذا يفسد عليهم مخطط البقاء في العراق حتى الوقت المطلوب! إن المسألة بكل بساطة جريمة تاريخية تقودها أميركا من جهة والإرهاب من جهة أخرى، يشاركهما في تلك الجريمة الإعلام العربي وبعض زعماء العالم العربي، والضحية هو المواطن العربي الذي تربت غالبيته على شعارات وكلمات فارغة من القيم والمبادئ والمضمون "قومية، اشتراكية، حرية، ديموقراطية" ليس هناك عدل في هذا الزمن وليست هناك حقيقة نسعى لإبقائها، وما زال إخواننا اللبنانيون يطالبون بالحقيقة في مقتل الشهيد رفيق الحريري، والحقيقة أصلاً معلومة لدى حكومات لبنان وسورية وأميركا، وكلهم يرفض إطلاق سراح تلك الحقيقة المسكينة، وفي الوقت نفسه تطالب تلك الدول الثلاث بإظهار الحقيقة وهي تحت وساداتها. إنها التناقضات والكذب الذي يمارس على جميع المستويات من الفرد حتى الحكومات ابتداء من الكذب والغش في تجارة الأفراد وتعاملاتهم مروراً بالإعلام العربي والغربي وانتهاء بكذب الدول. لقد احتل العراق تحت ذريعة وجود أسلحة دمار شامل، ثم خرج لنا السيد بوش ليغير كلامه من دون احترام للعقل البشري، ليقول أن الاحتلال جاء بسبب ارتباط نظام صدام حسين بالقاعدة، وزاد من وقاحته وقال ان الاحتلال جاء لنشر الديموقراطية والحرية في العراق. ومن ظلم النظام الأميركي وإعلامه إلى كذب وافتراء النظام العربي وإعلامه وعلى سبيل المثال: دولة عربية تنقل لنا قناتها صوت العراقي المظلوم وصوت الفلسطيني المذبوح وصوت العربي الذي يشتكي من ظلم أميركا ووقفوها مع العدو الصهيوني، ومقر تلك القناة يقع في الشارع الخلفي من أكبر قاعدة عسكرية أميركية في الشرق الأوسط، تلك القاعدة التي تنطلق منها الطائرات الأميركية لتقصف العراقيين وهم نيام. سبحان الله... دولة تحتضن قاعدة عسكرية أميركية أسقطت قذائفها صدام حسين ونظامه، ثم بعد ذلك ترسل هذه الدولة أحد مواطنيها ليدافع عن صدام حسين في المحكمة. أعلم أنني أتحدث عن أمور الجميع يعلمها، لكن المشكلة هو أن نقيم حفلة تفرج لتلك الأحداث، ونستمر في إقامة تلك الحفلات التفجيرية من دون القيام بأي محاولة نغير فيها هذا الظلم والمنكر بأضعف الإيمان، بالطبع لا نستطيع أن نغيره باليد ولا أدعو إلى ذلك، فكما قلت مسبقاً انني لست من المناضلين في ساحات الغير، لكن ماذا عن تغيير المنكر باللسان عن طريق وسائل الإعلام وكشف الحقائق وجعل المواطن العربي يفيق من غيبوبته التي لا يزال يغرق فيها وهو يردد "بالروح بالدم نفديك يا ريس"، بدلاً من محاولة تغيير المنكر بالدموع والانبطاح والنفاق! كاتب سعودي [email protected]