ما جاء في تقرير ميليس بشأن اغتيال الرئيس رفيق الحريري - رحمه الله - شيء معلوم مسبقاً، وأرى أنه لا داعي لتمديد فترة التحقيق في تلك الجريمة، وقول ميليس إن مسؤولين لبنانيين وسوريين متهمون بالتخطيط لاغتيال الحريري، شيء معلوم لدى مرتادي المقاهي وسائقي التاكسي ومعاهد الصم والبكم قبل أن نقرأه في تقرير ميليس، وما ذلك التقرير إلا تحصيل حاصل! سأبدي رأيي حول هذه لقضية... وبكل براءة لا يهمني من يخالفونني الرأي وحتى الذين يوافقونني، طالما أنني لا أعرفهم، المهم أن يصلهم رأيي مثلما وصلني رأيهم رغماً عن أنفي من خلال مطالعتي للصحف ومتابعتي للأخبار التلفزيونية. في مقال سابق نشر في"الحياة"بعد اغتيال الرئيس الحريري بأيام، ذكرت احتمالين بشأن عملية الاغتيال، أحد الاحتمالين أن من خطط لعملية الاغتيال مسؤولون سوريون ولبنانيون، وذكرت أنه ليس بالضرورة أن تكون القيادة العليا أي رئيس الدولة على علم بتلك الجريمة، وأن أبو عدس الذي ظهر في الشريط الذي بثته قناة الجزيرة وتبنى هو وجماعته عملية اغتيال الحريري لم يكونوا سوى تمويه. مثل هذه الأحداث تسهل قراءتها طالما أن هناك مؤشرات ظهرت قبل الحدث وهي معروفة للجميع من خلال اجتماعات الرئيس الحريري وبشار الأسد، والحريري والرئيس شيراك، وما سبق عملية اغتياله من تهديدات. المضحك في الأمر والمخيف في الوقت ذاته أن الأشقاء السوريين واللبنانيين لم يظهروا لنا أحداً من الذين تم اتهامهم بتلك الجريمة في تقرير ميليس، كي يتحدثوا أمام الملأ إما عن اعترافاتهم أو نفيهم ما جاء في التقرير، واكتفوا بشتم التقرير والتشكيك فيه. ما هذا؟ لماذا يصر البعض على مواجهة الواقع بالتملص والمراوغة ومحاولة طمس أعيننا عن مشاهدة الحقائق، نحن لا نتمنى لسورية أو لبنان إلا التقدم والازدهار، ولكن إذا كان بعض الساسة هناك يقدمون مصالحهم الشخصية على أمن واستقرار دولهم بشكل خاص والمنطقة بشكل عام فليذهبوا إلى"الجحيم"، وليس رفيق الحريري من يذهب إلى الجحيم، كما قاله بعض المسؤولين هناك. نحن مع تقرير ميليس إذا كان عادلاً وموصلاً للحقيقية كما بدا لنا، ونحن مع أي تقرير يكشف عن وجهه ويظهر إلى أرض الواقع، ونظرية المؤامرة التي يتحدث عنها البعثيون والقوميون ومن يؤيدهم، ويتم ترديدها في كل صغيرة وكبيرة، أصبحت خيالاً، وتجاوزت الخيال. لم تفد تلك النظرية صدام حسين وأعوانه عندما احتل العراق، على رغم أن السبب المعلن لقيام الاحتلال، وجود أسحلة دمار شامل ولم يثبت ذلك. فكيف إذا ثبت تورط سورية في اغتيال الحريري! عندما اجتاح صدام الكويت، قالوا إنها مؤامرة، وعندما قامت الحرب بين العراق وإيران، قالوا إنها مؤامرة، وعندما ضرب الإرهابيون أبراج منتهاتن بالطائرات، قالوا أيضاً مؤامرة. إذا كنا شعوباً يمكن التآمر عليها بهذه السهولة، فنحن نستحق أن نكون طُعْماً سهلاً في يد الأعداء، ونستحق أن نذل وإذا أصبح بعضنا يؤيد القتلة المجرمين، ويصفق لابن لادن والزرقاوي. ويبكي على مقتل الإرهابي، ويفرح لمقتل المعاهَد والمواطن، ألا يستحق أن يقاد كما اقتيد صدام حسين. هذه العقليات تبدأ من مواطن بسيط مروراً ببعض المسؤولين وتنتهي في رئيس دولة في بعض الدول. لا يستحق الشفقة من لا يساعد على إظهار الحقيقة، وإذا كان ميليس كاذباً، فأرونا كيف، كي نلعنه معكم، أما القول بأن تقريره سياسي ومنحاز فهذا كلام قد يكون مقبولاً في أواسط القرن الماضي وليس في عام 2005 أيها السادة. [email protected]