بعد"أبو التركمان"جاء دور"أبو الكازاخ". ومنطقة آسيا الوسطى ما زالت تدهش العالم بوصفات لتبجيل الزعماء ووضعهم فوق كل قانون، حتى غدت مدرسة في هذا المجال لبلدان كثيرة تتفنن في البحث عن"وسائل قانونية"لتخليد قادتها ومنحهم حصانة أبدية. الحل جاء هذه المرة من كازاخستان. فقد صوت برلمان الجمهورية بالإجماع أمس، على تعديل دستوري يمنح الرئيس نور سلطانوف نزاربايف لقب"زعيم الأمة"مع كل ما يتبع ذلك من ميزات وامتيازات. القانون الجديد يحول الرئيس الكازاخي الذي يتربع على عرش البلاد منذ عام 1991 إلى شخص فوق كل القوانين ويلفه بهالة من القداسة. فهو يعفيه من تحمل تبعات أي قرارات سياسية اتخذت في البلاد، على مدار عقدين أمضاها في الحكم حتى الآن. والأهم أن القانون يمنح نزاربايف 70 سنة حصانة أبدية حتى لو غادر مقعد الرئاسة، فلا يمكن ملاحقته جنائياً على جرم ارتكب خلال فترة حكمه أو بعدها، ولا يحق لأي سلطة بموجب القانون اعتقاله أو توقيفه أو المطالبة بمثوله أمام جهات قضائية حتى في قضية إدارية، مثل مخالفة سير. لكن هذه ليست كل الامتيازات التي يحصل عليها"زعيم الأمة"بموجب القانون الجديد، فالقانون المثير يتضمن بنداً واضحاً يعتبر الاعتداء على الزعيم أو تهديد حياته"جريمة إرهابية"، ويقضي بملاحقة جنائية وعقوبات حازمة لكل من تسول له نفسه"تمزيق صور الرئيس، أو التفوه بكلمات فيها تطاول على شخصه أو محاولة تشويه سيرته الذاتية". باختصار فإن خطأ صغيراً - حتى لو كان غير مقصود - في كتابة تاريخ ميلاد الزعيم المفدى سيكلف صاحبه ثمناً باهظاً. والقانون الجديد سيغدو سارياً بعد تذييله بتوقيع الرئيس الذي نقل مقربون عنه أنه بتواضع عظيم"تمنى على معدي مشروع القانون عدم المضي في تقديمه إلى الهيئة الاشتراعية"، ما يعني أن الرجل الذي كان طلب بالتواضع ذاته من أنصاره أخيراً عدم المبالغة في احتفالات عيد ميلاده السبعين، أراد أن يؤكد أن هذه رغبة ممثلي الشعب وليست رغبته الخاصة. علماً أن ممثلي الشعب المقصودين هم أعضاء البرلمان المكون كله من حزب الرئيس"نور وطن". ولفت معارضون في كازاخستان إلى أن لائحة"الجرائم"التي يحصن القانون الجديد الرئيس ضد الملاحقة بموجبها تكاد تكون مطابقة ل"اللائحة التي تلاحق الحكومة القيرغيزية الجديدة الرئيس المخلوع كرمان بيك باكايف بموجبها"، في إشارة مباشرة إلى أن الهبة الشعبية التي أطاحت الأخير أثارت مخاوف زعماء في منطقة آسيا الوسطى ودفعتهم إلى البحث عن سبل لضمان أمنهم في حال تغيرت أحوالهم ووجدوا أنفسهم مطاردين ومطلوبين للعدالة. لكن أنصار"زعيم الأمة"نفوا صحة ذلك، وقال أحدهم: نعمل على إعداد مشروع القانون منذ الخريف الماضي. وبصرف النظر عن دافع الخوف من تكرار السيناريو القيرغيزي فإن عادة تخليد الزعماء غدت تقليداً سارياً منذ سنوات طويلة في منطقة تعيش على التناقضات بين الدول الكبرى بحكم موقعها الاستراتيجي المهم لروسيا وللولايات المتحدة والصين. واللافت أن عناصر كثيرة تجمع بين زعماء المنطقة، فكلهم كانوا قياديين في الحزب الشيوعي عند تفكك الدولة العظمى، وكلهم خلعوا مرة واحدة عباءة الشيوعية وارتدوا بزات التحرر الوطني وغدوا زعماء قوميين يلعبون على وتر نزعات العزة الوطنية المتصاعدة. ويجمع بين زعماء المنطقة أيضاً، سجل حافل يكاد يكون موحداً في قمع المعارضة وسحق محاولات التمرد والتضييق على الصحافة، حتى أن منظمة"مراسلون بلا حدود"أدرجت أسماء كل زعماء المنطقة على لائحة"أعداء الصحافة في العالم"التي صدرت أخيراً، وضمت بالإضافة إلى زعماء آسيا الوسطى اسمي رئيس الوزراء الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الشيشاني رمضان قاديروف. وقال معارض كازاخي تحدثت إليه"الحياة"هاتفياً أمس، إن نزاربايف"يمشي على خطى الرئيس التركمنستاني الراحل صابر مراد نيازوف"الذي منح نفسه لقب"أبو التركمان"الذي رفعه فوق كل قانون، وأحكم سوراً فولاذياً حول بلاده منع تطورها لعقدين كاملين، وأصدر قوانين غريبة فرض من خلالها على التركمانيين كيف يلبسون أو يقصون شعورهم ولحاهم، وأموراً كثيرة أخرى. وزاد المعارض الكازاخي أن زعماء المنطقة الحاليين"لم يعتبروا من تجارب زملائهم... فالرئيس القيرغيزي السابق لاجئ في بيلاروسيا ومطلوب لقضاء بلاده، و"أبو التركمان"لم تكد تمضي شهور بعد رحيله في عام 2006 حتى ألغى طبيبه السابق الذي غدا خليفته كثيراً من القوانين التي سنها، وأصدر قراراً بهدم تماثيله التي ملأت مدن البلاد". نشر في العدد: 17206 ت.م: 14-05-2010 ص: الأولى ط: الرياض