يصور شريط"راشيل"للمخرجة الفرنسية - الاسرائيلية سيمون بيتون الذي قدم في المسابقة الرسمية لمهرجان"افلام الواقع"في باريس مساء أول من أمس، حياة وموت راشيل كوري الاميركية الناشطة من اجل السلام التي قتلتها جرافة اسرائيلية فيما كانت تتصدى لعملية جرف احد المنازل في قطاع غزة. ويمشي الفيلم خطوة خطوة ليحكي في 100 دقيقة الأحداث والظروف التي احاطت بموت تلك الشابة التي جاءت تحمل أملا لفلسطينيي المكان المنسيين من العالم. يطل المشهد اولا على انقاض بيت في رفح، في ما يعرف بمحور فيلادلفيا عند الحدود الفلسطينية مع مصر والذي سعى الاسرائيليون الى تدميره تماماً بحجة الأمن. والفيلم عبارة عن تحقيق متأن يبتعد عن أي نفحة ميلودرامية حيث ينقل في صورة رائعة انجزها الفرنسي جاك بوكان كتابات راشيل التي تعكس ما انطوت عليه روحها وافكارها في الايام التي سبقت موتها في 16 آذار مارس 2003. وطوال فترة اقامتها في رفح لم تتوقف راشيل عن كتابة الرسائل الى أهلها واصدقائها، تطلعهم فيها على الوضع وتدوّن مشاعرها حيال ما يجري لترسم عباراتها التي تقرأها صديقة لها خاضت التجربة ذاتها وماتت راشيل بين يديها مساراً ينتظم الشريط ويربط بين كل عناصره. ويقيم الفيلم ومنذ البداية مواجهة ما بين طرحين: اصدقاء راشيل الذين كانوا معها لحظة موتها، والفلسطينيون المقتنعون جميعاً بأن الجندي الاسرائيلي في الجرافة عمد الى قتلها عن قصد في حين يقول الجيش الاسرائيلي بأنه حادث غير مقصود. وإذا كان الفيلم يسعى ليؤكد أن هذا الجندي الشاب هو ضحية كما راشيل للآلة العسكرية والفكر العسكري الاسرائيلي، فإن الفيلم يبين كم ان الاعلام الاجنبي يهتم لمصير هؤلاء الغربييين في غزة مهملا السكان الفلسطينيين وحياتهم او موتهم. هذا بالذات ما ادركه الناشطون الدوليون من اجل السلام والذين سعوا من خلال تواجدهم بين الفلسطينيين للفت نظر العالم الى ما يجري، متسلحين بهوياتهم الاوروبية او الاميركية وبطريقة لباسهم الحديثة وشعورهم الشقراء. وهذا بالذات ما يلمح اليه الفيلم حين تعلق المخرجة وهي تحاور صديقة راشيل بأن المدني الفلسطيني الذي قتل أمام بيته وهو يدخن سيجارته لن يقوم احد بصنع فيلم عنه. واعربت سيمون بيتون بعد عرض"راشيل"عن املها بأن يكون ما قصدت اليه قد فهم. فهي من خلال تلك الشابة الاميركية ارادت الحديث عن غزة وعن سكان هذا المكان، لكن المخرجة نددت بقنوات الانتاج التي كانت لتحجب عنها الدعم لو كانت طلبت مالا لصنع فيلم عن مدني فلسطيني من ابناء غزة العاديين الذين قتلوا على يد الاسرائيليين. وقالت انها فكرت من مدة طويلة بعمل فيلم عن غزة بالذات. واملت بيتون ان يكون فيلمها قد ساهم في الحديث عن هؤلاء الفلسطينيين المجهولين الذين ماتوا والذين ارادت راشيل ايضاً من خلال حضورها ان تجعل العالم يلتفت اليهم ويتحدث عنهم. واشارت بيتون التي انجزت في الماضي حوالى 15 شريطاً وثائقياً الى ان فيلمها"راشيل"كان الأصعب نظراً للعراقيل التي واجهته، موضحة بأن"كثراً حاولوا وضع العصي في الدواليب لي، ولم يرحبوا بوجود هذا الفيلم وبالتالي فإن كثيراً من الاشياء لم اتمكن من الوصول اليها وتصويرها". لكن المخرجة استطردت"نعم واجهت الكثير من العراقيل لكن حين نرى كل يوم ما يحل بالفلسطينيين اشعر انه من المعيب ان اتحدث عن صعوبة العمل لمخرجة مثلي تعيش في باريس في شقة مريحة ويمكن ان تنال ما تريد من معلومات". وتقول:"لم اكن اريد فيلماً مؤثراً وعاطفياً وانما عمل يحترم ذكرى راشيل التي ارادت بموتها ان يحيا الفلسطينيون". وكان هذا الفيلم قدم اول مرة في مهرجان برلين السينمائي الشهر الماضي ضمن عروض البانوراما الخاصة بالشريط الوثائقي، بينما قدمت سيمون بيتون سابقاً العديد من الاعمال التي تتناول مواضيع الصراع الفلسطيني - الاسرائيلي، كما قدمت بورتريه للشاعر الراحل محمود درويش وآخر عن المفكر عزمي بشارة.