يجوز وصف فيلم «راشيل كوري: ضمير أميركي» للمخرج الفلسطيني المقيم في مدينة رام الله يحيى بركات، بفيلم الضمير المستتر. فهو كما واضح منذ كادراته الأولى التي تمتد على مدى ثمانين دقيقة، (وهو وقت طويل نسبياً لفيلم وثائقي)، لا يخضع نفسه لمتطلبات البث الفضائي «المتزمتة». إنه يتناول قضية الناشطة الأميركية راشيل كوري التي لقيت مصرعها في مواجهة جرافة إسرائيلية كانت تقوم بهدم بيوت فلسطينيين في رفح. وباستثناء كلام تمهيدي للسياسي الفلسطيني بسام أبو شريف، عن أحوال المتضامنين الدوليين مع القضية الفلسطينية، فإن ما ستقع عليه كاميرا بركات، في رفح أو في الضفة الغربية، أو في لوس أنجليس، سيكون بمثابة مقدمات لعملية استقصاء ومسح لرأي عام متشكل من حول قضية كوري، أضعناه نحن بجدارة نحسد عليها، إذ لم نوفق في الحديث عنها أو عن مأساتها، حتى من باب إنساني أولى دخلت هي منه، ببطولة تستحق عنها دزينة أفلام. ويجيء فيلم يحيى بركات (بعد فيلم أول للسينمائية سيمون بيتون جاء قوياً، بل تحفة فنية وسياسية) ليسد نقصاً عربياً، وإن لم تكن هذه وظيفته بالدرجة الأولى، فهذا عمل مؤسسات، وحتى الجهتان الممولتان للمشروع الفلسطيني للمرئي والمسموع (مؤسسة عبدالمحسن القطان والاتحاد الأوروبي) تقدمتا بدعمهما، كما ينبّه المخرج بركات من دون أن يعني ذلك مسؤوليتهما عن محتوى الفيلم، وهذا يدفع بدوره للتساؤل عن جدوى وجود مؤسسات اعلامية فلسطينية وعربية، لا تقوم هي بملء هذا الفراغ، باعتبار أن قضية الناشطة الأميركية كوري تستحق الوقوف عندها، فهي ثغرة في جدار «الضمير الأميركي» المحصن على هوى اسرائيل كما يعبر عن ذلك الديبلوماسي الأميركي ادوارد بيك، وهو يتحدث للكاميرا عن مأساة راشيل كوري. قلق وتساؤل بالطبع لا يفوت يحيى بركات أن يوظف «مواجهته» للأميركي في حصن داره بكاميرا متحركة وقلقة ومتسائلة، وبخاصة في لقائه بغريك وساندي كوري، والدي الضحية الأميركية، وبرموز سابقين في الحكومة التي لم تكلف نفسها عناء السؤال عن مصير مواطنة أميركية مفجع، لا بل إن البعض في هذه «الأميركا» اعتبر أن راشيل لاقت ما تستحق جراء وقوفها إلى جانب الفلسطينيين في معركتهم المصيرية مع عدو استطياني شرس. ومهما يكن، فإن استطلاع طفولة وحياة الشابة الأميركية، وقرارها المصيري الشجاع بالعيش إلى جانب الجهة الأضعف في هذه المعركة، ربما يغير من بعض فرضيات علم النفس – ربما –، فليس صحيحاً دائماً أن الطفل يبدأ باكتشاف العالم من خلال ألعابه. هذا ما لا ينطبق على راشيل ابنة العشرة أعوام التي «أرادت أن تقتني قطة للمناسبات الحزينة»، كما تخبرنا ساندي الأم. لا بل إن الأب المفجوع بابنته يتحدث عن طموحات الصغيرة بأن تصبح شاعرة أو معلمة باليه، أو أول رئيسة تكون امرأة للولايات المتحدة الأميركية. يمكن القول إن فيلم بركات ينطوي على أهمية وثائقية بالغة الدلالة، فهو يؤرخ للحظات درامية فالتة من منطق تفسير اللحظة التاريخية نفسها التي أودت بحياة هذه الناشطة الأميركية، لا بل هو لا يلتفت إليها، بقدر سعيه المتأجج، وانصرافه الكلي وراء معاينة العجز والعطب اللذين أصابا هذا الضمير، فها نحن نقف قبالة هايدي ابشتاين، إحدى ضحايا المحرقة النازية، وهي تروي للكاميرا رحلتها «المحفوفة بالمخاطر» الى الضفة الغربية حيث يقيم فيها كما يخبرها الجندي الإسرائيلي على الحاجز «فلسطينيون متوحشون سيقومون بشطرها إلى نصفين عندما يعرفون بهويتها». وتكتشف ابشتاين أن الضحية إنما هي متمثلة بهذا الجندي المستجلب من الشتات الذي تحول إلى جلاد. وأن من وقع يوماً ضحية النازي، ها هو يقوم من الباب نفسه بممارسة الاضطهاد على شعب، لم يتعد في الواقع حدود مطالبته بحريته واستقلاله. لا يتوقف الفيلم عند حدود مطالبة الضيوف بتقديم شهادة مفعمة بالحب والتقدير لراشيل كوري، فهذا ليس شأنه، فهو مشغول بإراحة الغشاوة عن عيونهم، وفي هذا قد يبدو أننا أمام مغالطة كبيرة في هذا الشأن، إذ كيف يمكن الاستعانة بمتعاطفين مع قضية لها خصوصية مثل القضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه إزاحة غشاوة تاريخية عن عيون هؤلاء سببها الإعلام الموجّه في الدرجة الأولى، والذي غطى على أخبار الضحية لحساب الجلاد؟ حتى عندما كانت تخطئ بعض المحطات الأميركية كما يخبرنا بيك «المحبط والمصاب بصدمة» وتستضيف فلسطينيين، ولو لمدة سبع دقائق، كان يختفي أرشيف هذه اللقطات مباشرة بعد بثها، وكأنها لم تكن. محاكاة مأساة «راشيل كوري: ضمير أميركي» محاولة فلسطينية جادة في محاكاة مأساة هذه الناشطة الانسانية، نجح المخرج يحيى بركات في توقيعها، والتشديد على رمزية الجرافة (9 د)، التي غمرت «جسداً بالتراب»، يعتقد سائقها، وهو يقوم بتقديم شروح مملة لزميل له، عبر اللاسلكي بأن صاحب هذا الجسد قد مات. الجسد لم يكن صلباً، ما يحيل مباشرة إلى جسد إنساني متقشف ومحطم الأضلاع، وكأن شفرات الجرافة الحديد، تتحول إلى شيفرات مغذية لفاشية جديدة فالتة من عقالها، لعبت راشيل كوري في حياتها ومماتها دوراً كبيراً في كشفها وتعريتها أمام الضمير الأميركي (المستتر) الذي تقول عنه مواطنة أميركية صديقة لكوري، إن عملية قتلها جاءت بتمويل من دافع الضرائب الأميركي نفسه. هذا كشف أولي لا يمكن القفز عنه، ولكن لا يمكن الوقوف عنده، فسائق الجرافة كما يقول، لا يتلقى أوامر بالتوقف في مثل هذه الحالات، وبالتالي هو يستمر بالإطباق على ضحاياه ما أمكنه، ما دامت المعركة قائمة.