شهدت العاصمة الفرنسية أخيراً، معرض الملابس الجاهزة للمرأة والرجل، وقد خصص أحد أقسامه المهمة"أنترفيليير"INTERFILIERES للقماش وتفاصيل صنعه ومدى أهميته في حياتنا اليومية ومقوماته الاقتصادية والتنبؤات المختلفة في شأن مستقبله. وناقشت إحدى الندوات الإعلامية في هذا القسم من المعرض، أسباب لجوء صناعة الأزياء الى إثارة الصرعات الموسمية في كل عام جديد. فوراء هذه الظاهرة التي تثير اهتمام كل منا في شأن معالم أناقتنا اليومية، تختبئ مئات التجارب العلمية التي تخوضها المختبرات المتخصصة، وعلى رأسها مختبر"إمبا"الأوروبي الذي اكتشف أن تغطية الوبرة بالمعدن، قد يغير من معالم تصنيع الزي في المستقبل القريب، علماً أن تطبيق هذا الاكتشاف بدأ فعلاً في ميادين الزي الرياضي والطبي والعسكري. واستناداً إلى ذلك، راح بعض دور الأزياء يفتح المجال في صورة تجريبية فقط حتى الآن، أمام زي المستقبل، من طريق تقديم بعض الموديلات في تشكيلاتها الحديثة، المصنوعة كي تطابق أحدث ما توصلت إليه التكنولوجيا الخاصة بالملابس. وتأتي النتائج العلمية التي يضعها مختبر"إمبا"تحت تصرف الجميع دليلاً قاطعاً على أن الموديلات الغريبة التي قد نشهدها لدى بعض دور الأزياء، ستشكل موضة المستقبل أو على الأقل جوهر هذه الموضة. فلا شك في أن الأسلوب الذي ستستخدم بها هذه الموضة لاحقاً، يعود إلى كل مبتكر وكل دار، ولا عجب في أن تقوم ماركة تبحث عن الدعاية الصاخبة، بوضع سحابة اصطناعية فوق رأس إحدى عارضاتها وفي شكل قبعة ينزل منها المطر بمجرد الضغط فوق زر معين. لكن ملخص الدراسات التي أجراها المختبر المذكور، لا يدور حول الاستخدامات الطريفة للتقدم العلمي، بل هو عبارة عن سرد مفيد لما سنشهده في السنوات القليلة المقبلة إذا اتفقت المصانع المختلفة على تطبيق المبادئ التي تنص عليها هذه الدراسات، طبقاً للفائدة الاقتصادية. فالمسألة، كالعادة، تدور حول الفائدة المادية ولا شيء سواها. وعموماً، إن التقدم العلمي في ميدان التكنولوجيا والمسمى"نانوتكنولوجيا"بمعنى أنه يأخذ في الاعتبار واحد في المليون من الملليمتر كمقياس للدراسة توصل إلى نتيجة تفيد بأن تغليف أي وبرة عادية بغطاء معدني، يزيد من فاعلية هذه الوبرة في مجالات عدة، مثل الحماية ضد الصدمات الخارجية القوية والشحنات الكهربائية والحرارة والبرودة والتلوث والميكروبات والبقع وأشياء كثيرة جداً. وإذا كانت اكتشافات مختبر"إمبا"تبدو مستقبلية، فإنها تستمد مضمونها من الأساليب المستعملة في الماضي القديم جداً، وتحيي مهارات فرسان أيام زمان، عندما كانت الجيوش تحبذ ارتداء الملابس المعدنية لحماية المحارب ضد الصدمات الخارجية من سيوف أو خناجر أو حربات العدو. وبما أننا تقدمنا علمياً، لم نعد نحتاج إلى ارتداء سترات مصنوعة من المعدن الثقيل حتى نحمي أنفسنا ضد الصدمات أو التلوث، كما أننا لا نتعرض لمواجهة الغزو بالسيوف في حياتنا اليومية. وبالتالي، يمكننا الاكتفاء بأزياء مصنوعة من وبرة تركيبية مغلفة بالمعدن ومعالجة بالبلازما من أجل تحسين فعاليتها، حتى نحمي أنفسنا ضد الجراثيم والصدمات الكهربائية والبرودة والحرارة، وأيضاً الضربات إذا تعرضنا إليها في حالات استثنائية. وإذا أخذنا في الاعتبار الصديريات المضادة للرصاص التي تستخدمها قوات الشرطة مثلاً، اكتشفنا أنها مصنوعة من وبرة مغلفة بمعدن الكفلار، والمعدن هو الذي يؤدي مهمة الحماية، مثلما تحمي الخوزة رأس العسكري في أثناء المعارك الحربية. والمثال الأخر الذي يمكننا التعرض إليه، هو بعض الثياب التي يرتديها الأطباء في أثناء ممارستهم العمليات الجراحية، فهذه الملابس مصنوعة من وبرة مغلفة بالمعدن حتى تحمي أصحابها من الميكروبات والتلوث. والكثير من الملابس التي يلجأ إليها محترفو الألعاب الرياضية، وحتى الهواة في حالات معينة، مصنوعة بالطريقة ذاتها كي تمنع مرور الحرارة أو البرودة الفائضة عن حدها وتحافظ على درجة الحرارة المرغوب فيها أصلاً، لكنها تتمتع بانسيابية تمنع أي مادة من الالتصاق فوقها، وبالتالي الماء والبقع والجراثيم وكل ما ذكرناه سابقاً. ولو كانت ابتكارات موضة المستقبل، تبدو بالتالي عبارة عن مجرد توسيع لما هو موجود الآن في الطب والرياضة، فإنها في الحقيقة أعمق من ذلك بعض الشيء. إذ تأخذ في الاعتبار عنصري المرونة والكلفة، وتسعى إلى تسخير ما لا يتعدى الميادين المهنية المحترفة، في خدمة الجمال والأناقة والموضة على نطاق واسع جداً، ما يتطلب دراسة اقتصادية دقيقة وشاملة، قبل أن تقدر الماركات المتخصصة اللجوء إليها بطريقة عادية ودائمة. وخلصت الندوة الى ان دور الموضة بدأت تمعن النظر في هذه الأساليب، وتستعد لمواجهة ضرورة اتباعها في مستقبل قريب جداً، بدليل قيام ماركات معينة بتقديم موديلات مستقبلية تصورية في المعارض الكبيرة المتخصصة، وبينها"معرض الملابس الجاهزة للمرأة والرجل"في باريس.