تحوّلت جلسات المجلس النيابي اللبناني العامة لمناقشة البيان الوزاري لحكومة الوحدة الوطنية الى سجال بين رئيس المجلس النيابي نبيه بري وحليفه"حزب الله"من جهة، وبين نواب الأكثرية حول ما يجب أن يقال أو لا يقال سياسياً وحول إمكان ذكر"حزب الله"أو عدم ذكره في مداخلات نواب الأكثرية، في سابقة خضعت للاجتهادات وسببت سجالاً إضافياً بين الجانبين. واغتنم نواب الأكثرية وخصوصاً نواب كتلة"المستقبل"و"اللقاء النيابي الديموقراطي"وبعض النواب المسيحيين من قوى 14 آذار، المناسبة لإثارة المواضيع الخلافية ومسألة استخدام السلاح في الداخل لتوجيه انتقادات لاذعة الى"حزب الله"والمعارضة على مواقفها السابقة وعلى ما سموه"اقتحام بيروت"في أيار مايو الماضي. وتدخل بري ونواب"حزب الله"مرات عدة أمس لشطب عبارات ورد فيها اسم"حزب الله"، ما أدى الى احتجاج متكرر من نواب في الأكثرية ومفاده ان اسم الحزب لم يأت في سياق كلام ناب بل في سياق سياسي عن السلاح وصدامات أيار. راجع ص 5 وبلغت الحدة بين الجانبين ذروة جديدة في جولة مساء أمس حين تدخل النائب من"حزب الله"علي عمار رافعاً الصوت ضد كلمة النائب أحمد فتفت الذي دعا الى فتح كل الملفات المتعلقة بكل الميليشيات وكل الحروب وسأل عن سبب"منعنا أن نذكر اسم شخص أو حزب"وانتقد حلفاء إيران. وهاجم عمار فتفت واضطر بري الى إسكاته وهدده بإخراجه من الجلسة بعدما رفض السكوت. ومن وقائع الجولة المسائية أمس قول فتفت"إن المشكلة ليست مجرد بيان حكومي وكلام وتخوين وتهويل، بل هي مشكلة ثقة"، معتبراً ان"اعادة بنائها تتم بالالتزام بالاتفاقات وتعهدات الطائفوالدوحة والبيان الوزاري، وحتى الآن ليس هناك ما يطمئن في هذا الموضوع". وأضاف:"إعلامياً التخوين قائم، والقمع والتهديد المبطن قائم، واستعمال السلاح لم يردع حتى الآن في طرابلس وغيرها. أين الالتزام؟ قبول الآخر يفترض البعض بقبوله هو، من دون أن يكون عليه هو قبول الآخر، وقبول الآخر يعني قبول النظام الديموقراطي ونتائج الانتخابات وما ينتج عنها من أكثرية تحكم وأقلية تعارض، وتعني قبول الوطن وقرارات مواطنيه واحترام دستوره من دون تأويل أو انفراد في التفسير أو فرض وجهة نظر بقوة الموقع السياسي فلا تعطيل للحياة السياسية في قبول الآخر، ولا إقفال للمجلس النيابي ما يقارب السنتين، ولا تعطيل للحياة الاقتصادية، ولا احتلال للساحات وإقفال الطرق وحصار المؤسسات ولا فرض رأي بقوة السلاح أياً كان". وتابع فتفت:"قبول الآخر تعني احترام الآخر والاعتراف حين نخطئ والاعتذار حين نتنكر لتعهداتنا لا أن نستكبر". وأوضح أن"الجروح عميقة عميقة"، معتبراً أن"المصالحة تعني ان نتصارح من دون مواربة وان نقبل مسبقاً ان رأينا صحيح يحتمل الآخر وان الرأي الآخر خطأ يحتمل الصواب". وتابع:"بعض ما سمعناه في هذه القاعة وبعض محاولات القمع الاعلامي والسياسي والعسكري لا توحي ان البعض يريد مصالحة حقيقية بل اننا امام طرح كثير الشبه بما كنا نحذر منه، تفكير شمولي إلغائي للآخر السياسي. هذا تفكير مرضي لم ولن ينجح في لبنان وسنقاومه ما دمنا نعمل في الشأن العام". وقال فتفت:"لن تبنى ثقة دون نزع هذا السلاح او أي سلاح موجه الى الداخل"، وزاد:"ولن تبنى ثقة ان لم يكن على رأس الأجهزة الامنية وتحديداً في الجيش من يوحي بالثقة للمواطنين جميعاً وليس لطرف دون آخر، من لم يزج اسمه لا أمنياً ولا مخابراتياً في امور حامت حولها شبهات سياسية". وقال بري لفتفت بعد نهاية كلمته:"قلت اننا ظننا ان البعض قد اتعظ. وقلت ان رأينا يحتمل الخطأ. إن شاء الله تكون أنت تطبّق الاثنين الأمرين". لكن نائب"حزب الله"علي عمار طلب الكلام مذكراً بأن في النظام الداخلي"هناك مادة تجيز لأي نائب في حال التعرض لشخصه او حزبه او لمعتقده ان يتصدى دفاعاً عما يمثله من رمزية". وقال:"نشكر الاستاذ فتفت الذي أعطانا دروساً في التحريض والتهويل والشحن. أنا الشمولي العسكري العفيف النزيه أريد أن أتحدث بالنظام. هؤلاء نحن معتادون عليهم. هم لسان حال الأميركي والاسرائيلي". بري:"هذا الكلام مرفوض". فتفت:"هذا أكبر دليل على ما قلته". عمار:"هذا صدى شاي مرجعيون. هذا كوندوليزا رايس". فتفت:"هذا الكلام لا ينفع". بري:"كلامك مرفوض. ارتاح". فتفت:"عيب عليك يا علي عيب". بري موجها كلانه الى عمار:"ممنوع أن تتكلم مجدداً. سأضطر الى إخراجك من القاعة". لكن الاخير ظل يتحدث وتدخل النائب علي خريس والنائب علي حسن خليل لتهدئته. وبعد كلمة للنائب وليد خوري تحدث النائب مروان حمادة في اختصار"منعاً للتشبيح الكلامي بعدما شهدناه من تشبيح أمني". وقال حمادة:"قناعتي بوجوب وحدة الدولة مؤسسات وسلاحاً لن تتبدل، ولا أقبل بالتسوية الملتبسة التي جاءت في البيان الوزاري". وأضاف:"كأن الأغلبية ممنوعة في لبنان إن لم تكن من شمولية معينة أو تحت وصاية معينة". ورأى ان"ساعة الحسم لم تدق في ساحات بيروت أو على أبواب الجبل أو في طرابلس أو حتى في الدوحة، كما ظن البعض، بل ستدق في الربيع المقبل الانتخابات النيابية". وأكد ان"العدالة الدولية ستطبق حتماً على المجرمين"، وطالب بأن يتم الالتزام بالمحكمة ذات الطابع الدولي لمحاكمة المتهمين في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري. ورأت النائب نائلة معوض أن"البيان الوزاري أخذ في الاعتبار التطورات التي حصلت منذ تموز 2005 وطبعاً استخدام"حزب الله"لسلاحه في بيروت والجبل وغيرهما، في مواجهة اللبنانيين وحرماتهم وحريتهم ونظامهم الديموقراطي الحر". قاطعها بري قائلاً:"سأشطب التعرض". قالت:"اشطب ما تريده. أنا كنائب وكمواطنة حرة أريد أن أعبر عن رأيي". وتدخل النائب مصباح الأحدب قائلاً:"ما قالته إنه حصل اعتداء في الشارع وهذا صحيح وواقع وحصلت معارك، لا نستطيع نكران وقائع هذا غير مقبول". لكن معوض أعادت تلاوة العبارة، فقال بري"تشطب العبارة"، وواصلت من دون توقف، وقالت:"إن اتفاق الدوحة أعادنا جميعاً إلى كنف الدولة". وقالت إنها لا تعطي"الحق لأي فئة من اللبنانيين لتخرج عن مرجعية الدولة ووحدتها وإجماع اللبنانيين لتتفرد بالمقاومة وبقرار السلم والحرب... إلا أن رفض"حزب الله"وحلفائه إضافة عبارة"في كنف الدولة"وهي ليست إلا إعادة تأكيد لمبدأ مرجعية الدولة وكذلك بعض مواقف أزلام 8 آذار، يجعلنا نتوجس من محاولة الالتفاف على البيان الوزاري ونخشى استمرار"حزب الله"في منهجية الدولة على حساب الدولة"، واعتبرت ان"الخلاف هو على استعمال"حزب الله"وحلفائه الإقليميين ملف مزارع شبعا كذريعة لضرب مقومات الكيان اللبناني". بري:"تشطب من المحضر". وزادت معوض:"الخلاف ان"حزب الله"وحلفاءه يتهموننا بالأمركة والصهينة لمجرد رفعنا شعار لبنان أولاً ولمجرد تمسكنا بالتزام لبنان بالشرعية العربية والعروبة المعتدلة والمنفتحة على العالم". فقال بري:"إلى هذه الدرجة أصبحت مع العروبة... سأقنع"حزب الله"ليصبح معك". وواصلت:"لا العروبة المزعومة التي تصدر السلاح والإرهاب وتنتهك سيادة الأوطان". وتابعت:"يغطون بصمت مريب ذهاب حليفهم السوري الى سلام منفرد مع اسرائيل واستجداء مباركة الولاياتالمتحدة خلافاً للتضامن العربي، كما يغطون بصمت مريب ادعاء النظام الإيراني المعلن بالتواطؤ مع أميركا". وقاطعها بري:"أنت تتهمين المعارضة بأنهم إيرانيون وسوريون لماذا؟". ثم تلا نص المادة 75 من النظام الداخلي التي تقول ان للرئيس حق منع الخطيب من متابعة الكلام إذا تفوه بعبارات نابية بحق أحزاب المجلس أو كتلة أو أحد النواب أو اللجان. وقال:"من أول الكلام تقولين"حزب الله"وحلفاؤه... يمكنك أن تقولي المعارضة أو أي شيء، من دون ان نهين بعضنا بعضاً لأنه في النهاية لا بد من لقائنا والحوار آت. لا بد من اللقاء. ما هو الحل الآخر؟ أعطوني ما هو الحل الآخر؟". وقالت معوض:"إن سلاح حزب المعارضة الذي كان مفترضاً ان يكون سلاحاً مقاوماً قيل لنا إنه لن يوجه أبداً الى الداخل، لم يعد في الواقع على تماس مع اسرائيل بعد صدور القرار 1701. هذا السلاح أصبح سلاحاً ميليشيوياً شمال الليطاني في وجه المؤسسات الإعلامية الحرة وفي وجه كرامة الناس وممتلكاتهم وكما لم نقبل بالماضي بأن تمر طريق القدس من جونيه فإننا نجزم ان طريق مزارع شعبا لن تمر في بيروتوطرابلس وعكار". رعد وبعد كلمة للنائب سليم عون من"التيار الوطني الحر"، تحدث رئيس كتلة"الوفاء للمقاومة"محمد رعد الذي كان أول من يتحدث من"حزب الله"بعد 4 أيام من المناقشات، وقال:"ما فشل الاسرائيليون وأسيادهم الأميركيون في تحقيقه في تلك الحرب الفاشلة لن يتاح لأحد تحقيقه بالمناورات الملتبسة، وشعبنا ملتزم خيار المقاومة ومؤمن بصدقية سلاحها ورجالها وقادتها على رغم كل التشكيك وحملات التحريض. والمقاومة هي للوطن كله ولأن بيروت عاصمة الوطن وعاصمة العروبة والإباء ولها رمزية خاصة كانت المقاومة صارمة وحازمة حين التزمت وفرضت على العدو أثناء الحرب معادلة عسكرية حمت بموجبها بيروت من الاستهداف". أضاف:"بعض الزملاء استخدم في حديثه عن أحداث بيروت مصطلح"غزوة"والبعض مصطلح"احتلال"اما ان يشطب هذان المصطلحان واما مضطر لأروي رواياتنا عن بيروت". لكن بري قال له:"لم أشطبهما، تفضّل". وقال رعد:"بيروت التي لا نحمل في لبنان إلا الحب والاخوة لأهلها ساءهم ما ساءنا في 5 أيار يوم صدر القراران غير المأسوف على شبابهما وما كان أحد ليقبل في 7 أيار إلا بوأد سريع لفتنة إطلاق النار على عزل أعقبه إطلاق نار مستأجر وكأنه أريد من تلك الفتنة ان ترتسم في أحياء بيروت وزواريبها خطوط تماس وتراشق نيران مستمراً وكان هو التخريب المريب الحقيقي والهتك الذي لم نقبله ورفضناه لأهلنا في بيروت". وأوضح أن المقاومة"ضنينة بكل قطرة دم ان تسقط إلا في مواجهة العدو الصهيوني وهي ستبقى كذلك والذين يتحدثون عن إخلال بالتزام ان سلاح المقاومة لا يستخدم في الداخل لا يركبوا على ظهر المقاومة ويطلقوا النار عليها". واعتبر ان"الأزمة التي مرت علينا جميعاً طوال الفترة الماضية مريرة"، وأشار الى اتفاق الدوحة ورأى انه يأخذ طريقه الى التنفيذ. وأمل"أن نتمكن جميعاً وبارادتنا الوطنية الجامعة ان نستكمل ما اتفقنا عليه من بنود وصولاً الى تحصين بلدنا في وجه التحديات الكبرى في المنطقة، وليس خافياً على أحد الصعوبات والتعقيدات، وتوافر الإرادة الوطنية لدى الجميع يذلل التعقيدات للحل". وقال رعد في بادرة تهدئة للسجال إن نص كلمته كتب قبل سماع الكلمات من الأكثرية"وسنبقى على النص على رغم ما سمعناه. نقول ان علينا جميعاً ان نصدق التزامنا بالتعاون والتفهم المتبادل والتعاطي الإيجابي المنفتح على كل الأفكار والجهود التي من شأنها ان تسهم في إعادة الثقة والاستقرار، وعلى الجميع الانتقال من خطاب الأزمة الى خطاب الحل. من التحفز للاستفزاز الى الحرص على النقاش الهادئ والمسؤول، من استخدام لغة التجريح الى منطق التصويب. وآن الأوان ليقوم كل منا بمراجعة نقدية ذاتية ليعرف هو أين اخطأ وأين أصاب وأحسن". وتابع رعد:"خلال مناقشة البيان الوزاري سمعنا كلاماً بعضه تضمن أفكاراً ومناقشات مهمة وبعضه أثار المواجع فيما عبر بعض آخر عما في الصدور من لواعج ... واستحضر بعض الكلام الهم الانتخابي فمضى ينكأ الجروح ويشكك بفظاظة حتى بجدوى الحوار". وعدد رعد 10 نقاط أكد فيها أنه"أياً تكن الصعاب والمشاكل، التوافق في لبنان ميزة وليس عيباً. خصوصاً على مستوى الخيارات الوطنية". وأكد أن"المنطق الطائفي العصبي يلحق ضرراً كبيراً بالوطن ويسقط أرقى المقاربات السياسية الصادقة ويجوف كل مضمون إيجابي للعمل الديموقراطي وقدرنا ان ننمي في لبنان روح الانفتاح والتسامح الوطني والاعتراف بالآخر كما هو لتصويبه والاعتراف بحقوقه". ورأى رعد أن"الخطر الصهيوني في رؤيتنا ليس خطراً حدودياً فحسب ومن يتصور ان مشكلته مع الكيان الصهيوني هي مشكلة بعض الأمتار قرب مزارع شبعا يكون لا يعرف شيئاً في الصراع ولا بطبيعة الكيان، إنما هو خطر وجودي يهددنا في لبنان والمنطقة". وأكد أن"حماية السيادة اللبنانية واستعادة الأراضي من خلال الرهان على صداقة مزعومة للإدارة الأميركية الملتزمة دعم الكيان الصهيوني وتغطية إرهابه المستمر، هو توهم ورهان على سراب، ومن يريد ان يجرب حظه ليجرب. وقال رعد:"إن خيار المقاومة لتحرير الأرض والدفاع عن لبنان هو الضروري والأجدى وأثمر 3 انتصارات كبرى على العدو". واعتبر أنه"لا يوجد أي تعارض بين المقاومة ومشروع بناء الدولة. بل هناك تناغم وتكامل يحصلان حين نريد. وقد بدآ فعلاً منذ انطلقت الحكومات فور الطائف ولن نواجه مشكلة في هذا الاتجاه". وأشار الى أنه"بعد إقرار الحكومة في بيانها الوزاري بحق المقاومة في تحرير أرضنا لم يعد لإثارة سلاح المقاومة أي مبرر في الوقت الحاضر على الأقل والمستعجل على النقاش أمامه وقت طويل".