كان زوار قلعة نزوى يطلون على حفرة عميقة في سطحها المستدير استخدمت سجناً، ينطبق عليه القول إن الداخل إليه مفقود والخارج منه مولود. فالحفرة المظلمة أشبه ببئر. وتغطى الفتحة ليقبع السجين في ظلام دامس، وفي حرارة يعرفها أهل الخليج جيداً خارج الحفر، فكيف في داخلها... لكن تطوير القلعة جعل من السجن معرضاً دائماً، يجد فيه السائح متعة الاستمتاع بالمعروضات في جو أسطوري، غالباً ما تزيده الذكريات مهابة. تلك كانت ذكريات العقود التي سبقت سبعينات القرن الماضي. فقلعة المدينة التاريخية نزوى أخذت شهرتها من كونها كانت مقرّ الحكم حين كانت المدينة عاصمة للبلاد. وسقوط قلعتها في أيدي أي طائفة يعني أن المدينة كلها احتُلت. لذا، فإن البناء الدائري الضخم اكتسب شهرته وسمعته من كونه مقر حكم يجلس فيه أي إمام بعد تنصيبه، وهي أيضاً حائط أخير تتحصن السلطة فيه أو المهاجمون الغزاة... واستمرت أهمية القلعة مع توالي الأئمة على حكم عُمان، علماً أن تاريخها يعود الى القرن السابع عشر للميلاد. وروعي في تصميم القلعة، الجانب الدفاعي عبر فتحات لإطلاق المدافع من أعلى المبنى. وفوق الممرّ الضيق الداخلي للقلعة توجد فتحات علوية لصبّ الزيت المغلي على المهاجمين من الأعلى. واتخذت الإجراءات الدفاعية من الباب الرئيس للقلعة وصولاً الى السطح الذي يعلوه جدار حام، يمكّن المدافعين من إطلاق المدافع عبر كل الاتجاهات. كما بنيت سلالم من أجل القبض على الدخلاء الذين قد يتمكنون من الافلات من قبضة الحراس، فتقطع هذه السلالم حفر عميقة واسعة توضع فوقها ألواح خشبية تتم ازالتها بسرعة عند أي إنذار بوجود دخيل. وهي مخفية وراء الأبواب السبعة القوية في الممر الضيق المظلم المتعرّج الذي يقود الى الحصن. ومن يتمكن من النجاة من حفرة، فإن أخرى ستنتظره! ومع تغيّر الحياة اهتمت الحكومة العُمانية بتطوير الآثار التاريخية، لتكون رافداً للحركة السياحية، بخاصة الأوروبية منها، وما تختزنه من شغف بالموروث التاريخي. وقبل عامين بدأت خطة تحويل قلعة"نزوى"الى نافذة سياحية يطل منها الماضي بفخامة تقدمها مباني القلاع. فالقلعة أشرفت على سير التجارة الداخلية في عُمان، وتطل من مكان مرتفع في وسط المدينة على العمران وما حوله، لتوفر الحراسة اللازمة في عصر الحروب القبلية التي شهدتها عُمان قديماً. ومع انتقال العاصمة منها بقيت القلعة مقراً للوالي، ويجاورها سوق نزوى الشهير والجامع الكبير. وتحولت غرف القلعة الى مجموعة من المعارض الجميلة لورش عمل تقدم الموروث التراثي العماني في شكل أنيق. فصارت 22 غرفة من مخازن القلعة السفلية، متحفاً متكاملاً يحكي تاريخ المكان السياسي والاجتماعي والاسواق الشعبية ومزاراتها السياحية والمقومات الثقافية من فنون شعبية وحرف تقليدية وعادات وتقاليد وملابس. ففي الغرف التي كانت مقرّاً للولاة وأسرهم وخدمهم، يجد السائح مشاهد بصرية تجسد التراث الاجتماعي للمكان عبر الصناعات الحرفية. ويمكن مشاهدة طريقة صناعة الحلوى العمانية الشهيرة والسعفيات وتناول القهوة في جو تراثي أنيق، أضاف الى المكان، زيادة على هيبة تاريخه، مسحة من الجمال والتأمل. وحتى المدافع التي كانت يوماً ما توزع الموت، تحولت الى منحوتات جميلة تثير فتنة التأمل في تاريخ عرفته المدينة. وضمن المدافع هناك مدفعان تاريخيان أحدهما مدفع"فينبانكر"سويدي مصنوع من حديد الزهر يعود تاريخه الى القرن الثامن عشر للميلاد، وهو مثبت على عربة ذات أكتاف. أما المدفع الآخر، فهو برتغالي مصنوع من البرونز ويعود تاريخه الى القرن السادس عشر ومثبت على عربة ذات مهد، وهناك أيضاً مدفع عماني وآخر بريطاني. وتعدّ نزوى من المدن العمانية المعروفة بأنها شهدت مولد كثيرين من الأئمة والعلماء الذين أثروا الحياة العمانية فترات طويلة. وهي تضم مقبرة ضخمة للأئمة. كما تشتهر بسوقها المتخذ شكلاً معمارياً جميلاً حصل تصميمه على جائزة"منظمة المدن العربية للفن المعماري"، ويسيّج الجبل الأخضر جزءاً كبيراً من المدينة.