فشلت محاولات استدراج مجموعة من الشباب المستظل ببناية ضخمة في شارع الحسن الثاني بالرباط من قيظ تجاوزت درجة حرارته الثلاثين إلى الحديث بجدية عن مشكلة الاحتباس الحراري. تحتبس الحرارة عند جمال عندما يقع في ورطة بلا حل، وعند عبدالجليل عندما يسمع كلاماً لا"يثلج"الصدر، وعند طارق احتبست الحرارة منذ تخرجه من الجامعة عاطلاً عن العمل. أما عند أكثرهم شغباً فالحرارة محتبسة منذ"لوثت"موجة الكليبات والعري"مناخ المغرب النقي المحافظ". حسن الذي يبدو أنه يعلم جيداً عما يتحدث، لإسقاطه المصطلحات المتداولة في هذه القضية على وجهة نظره المشاكسة للاحتباس الحراري، أضاف أن"الغازات السامة"التي بثتها تلك الفضائيات أدت إلى"تغيرات خطيرة"في القيم، جعلت الشوارع العامة فضاء للاحتباس الحراري، بسبب الأجساد شبه العارية وجموح الغرائز والجوارح. ولم تكن المشاكسة الذكية بعيدة عن بؤرة مسببات الاحتباس الحراري البيئي كالإفراط في تشغيل التلفزيون، أمام كثرة الفضائيات كما تشغيل مختلف الأجهزة الكهربائية المنزلية من دون ترشيد الاستخدام. النقاش حول مسألة الاحتباس الحراري مع هذه المجموعة دار لوهلة وفق تصورهم الاجتماعي الذي تجسده انشغالات الشباب اليومية العامة، قبل أن يستسلموا في النهاية لإلحاح السؤال البيئي، ويقولوا رأيهم في الظاهرة الخطيرة التي باتت تهدد بوقوع كوارث طبيعية في المغرب، لن تتأخر أكثر من عقد من الزمن، بحسب خبراء البيئة. وبحكم انتمائه في الماضي إلى جمعية تهتم بالبيئة والتنمية، كان حسن سباقاً في الإدلاء برفضه القاطع لأن تلصق تهمة إيذاء البيئة بالمواطنين البسطاء. ساق من تجربته كناشط بيئي الدليل الذي يصدق في رأيه على سائر المؤسسات والدول التي تتمنى سلامة بيئتها من غير أن تبذل تضحيات، ولخصه في جملة تشبه الحكمة"الجمع بين الحفاظ على البيئة وتحقيق التنمية كالجمع بين الماء والنار". تحدث حسن عن مشاريع تنموية تمت إقامتها في مدينته الصناعية والاقتصادية الدار البيضاء، وخلفت أضراراً بيئية جسيمة منها. وكما لم يتحرك المسؤولون لإلزام المستثمرين بالشرط البيئي، لم يتحركوا عندما صارت مضارها بادية للعيان، وشكاوى المواطنين واحتجاج جمعيات بيئية يتزايد"لأن المسؤولين لا يملكون وسائل الضغط على المقاولين وأصحاب المال والأعمال، ولا يملكون أن تهرب منهم مشاريع التطور والازدهار التي تولّد دينامية اقتصادية واجتماعية، بسبب ممانعة بيئية عقيمة". يكلف التدهور البيئي في المغرب خسارة سنوية تقدر ب 13 بليون درهم. هذا ما تقوله الأرقام الرسمية، في حين أن التقديرات غير الرسمية تشير إلى خسارة تصل إلى 20 بليون درهم أو ما يزيد، وعلى رغم التفاوت بين الرقمين، فإنهما يؤكدان أن المغرب أحد البلدان المهددة بقوة بالآثار الوخيمة للاحتباس الحراري على مستوى المنطقة المتوسطية. وبينما أقر جمال وطارق بعدم معرفتهما ما يعنيه"بالضبط"المصطلح غير الغريب على أسماعهم، قال عبدالجليل الذي يتابع دراسته في الهندسة المعمارية إن استيراد أسلوب الهندسة المعمارية الغربية وتطبيقه دونما اجتهاد، في تضاد تام مع المناخ المعتدل والحار في مدن المغرب، ساهم في الاحتباس الحراري ورفع الحاجة إلى استخدام مكيفات الهواء، من أجل تبريد الأجواء الداخلية في المنازل والمكاتب"الأفران"التي صممها المهندسون الغربيون لتفادي برودة طقس معظم الدول الأوروبية واستقبال أكبر قدر من أشعة الشمس. وخلف ذلك استهلاكاً مفرطاً وعشوائياً للتكييف، وخلق مشاكل صحية، كما أنه"حبس الحرارة"عن العلاقات بين زملاء العمل المعارضين والمؤيدين لاستخدام مكيفات الهواء. وفي ندوة عقدت في الرباط بداية العام الجاري، حذر الخبراء المغاربة من التغيرات المناخية الخطيرة على البيئة: وبدت الصورة قاتمة في المغرب بحلول العام 2020: ارتفاع درجة حرارة الأرض درجة كاملة وامتداد الجفاف وتقلص الإنتاج الزراعي إلى النصف خلال سنة جافة، انخفاض في مصادر المياه بنسبة 15 في المئة. وفي ندوة عقدت بمناسبة اليوم العالمي للتصحر في حزيران يونيو الماضي أكد الخبراء أن التصحر الناجم عن اختلال النظم البيئية نتيجة الاستغلال البشري السيئ يهدد حوالى 93 في المئة من أراضي المغرب، بغض النظر عن 200 ألف كلم مربع يتهددها زحف الرمال. ولا تقل الصورة في الوقت الراهن قتامة، أقله لأنها تؤكد ما ذهبت إليه توقعات الخبراء: المغرب يخسر 20 ألف هكتار من غاباته كل سنة، وغطاؤه النباتي يتراجع سنوياً بمعدل 31 ألف هكتار، واستهلاك الماء الفردي يقترب من نسبة الحد الأدنى، والكثير من الأنشطة الزراعية والصناعية ما فتئت تتلف التوازن البيئي، وتضع المغرب أمام خياره الوحيد: التحرك بفاعلية وحزم، لتنفيذ مختلف التزاماته البيئية، الدولية والوطنية، خصوصاً أنه يعيش حالياً وتيرة نمو اقتصادي مهمة.