بعد البيعة.. عصر جديد في ظل ولي العهد    غاب الجسد وبقي الأثر    أمن وأمان وعقيدة واطمئنان    العاصمة تحتفي بيوم مبادرة السعودية الخضراء    الذهب يرتفع 3 % وسط ترقب المستثمرين لتطورات التوتر في الشرق الأوسط    "البنية التحتية" يصدر "أداء الجهات الخدمية" لفبراير    "الدفاع الكويتية" تعاملت مع 15 طائرة مسيرة خلال ال24 ساعة الماضية    سلطات الاحتلال تواصل الإخلاء القسري بحق الفلسطينيين في القدس    العدوان الإسرائيلي على لبنان أوقع 1142 قتيلاً و3315 جريحاً    الأخضر (B) يخسر ودية السودان    ولي العهد يبحث مع زيلينسكي التصعيد العسكري.. ويتلقى اتصالًا من مودي    حسام حسن: لم أتوقع الرباعية    مكة المكرمة تسجّل أعلى «كمية أمطار»    وزير الصحة يثمن جهود الهلال الأحمر    مطر الخير يعم المملكة    رحلة في أفياء الشعر والشعراء    حين يكبر الأطفال ويصغر العيد    "الثقافة" تطلق الزمالات السعودية البريطانية للأبحاث الثقافية    أكثر من 366 مليون مشاهدة لمحتوى "دينية الحرمين" الرقمي في رمضان    خطيب المسجد الحرام: احذروا آفات اللسان    إمام المسجد النبوي: لا تبطلوا الأعمال الصالحة بالمعاصي    "سدن" توقّع مع مستشفى الملك خالد الجامعي    نجاح استخراج «سماعة جوال» من معدة رجل بمجمع الدكتور سليمان الحبيب الطبي بالعليا    رئيس جمهورية أوكرانيا يغادر جدة    1.7 تريليون أصولاً احتياطية للمركزي السعودي    توسع محتمل للصراع.. غارات إسرائيلية تستهدف منشآت نووية إيرانية    جامعة الإمام عبدالرحمن تعايد منسوبيها    الساهر يحتفل بزواج حاتم    ديوانية خوجه تقيم حفل معايدة    من 4 إلى 6 أسابيع.. مسؤول أمريكي: سقف زمني للحرب وتجنب «نزاع طويل»    وسط استمرار العمليات العسكرية.. تقديرات أمريكية: الاتفاق مع إيران قد يتأخر رغم الحراك الدبلوماسي    "النقل" تتيح التعاقد لنقل البضائع للغير مؤقتاً    موجز    وزارة الدفاع ونظيرتها الأوكرانية توقِّعان مذكرة ترتيبات في مجال المشتريات الدفاعية    الاتحاد يعين نور والمنتشري مستشارين لشؤون كرة القدم    الهلال يطالب «الآسيوي» بإشراك «نونيز» أمام السد    إنتر ميامي كرمه بمدرج يحمل اسمه.. ميسي يحارب استغلاله في المنتجات المقلدة    نائب أمير منطقة تبوك يعزي وكيل إمارة المنطقة في وفاة شقيقته    أزمة المفكر الفرد في عالم مراكز التفكير    خاص: "محمد نور" يستهل مهامه في الاتحاد بصلاحيات فنية وإدارية واسعة        حرب تتشظى إقليميا والخليج يفرض معادلة الردع    العويس يعود للصقور    انطلاق مهرجان الشعوب في الجامعة الإسلامية بالمدينة    الدفاعات السعودية تعترض 3 صواريخ وسقوط 4 في مياه الخليج ومناطق غير مأهولة    الاحتفاء بيوم مبادرة السعودية الخضراء    قمة أولوية ميامي تختتم أعمالها بجلسات حول إستراتيجيات الاستثمار وسباق المعادن الحرجة    الأمطار تنعش هوايات الشباب في رحلات الأودية والكثبان الرملية    642 حالة ضبط جمركي خلال أسبوع    نائب أمير نجران يلتقي رؤساء المحاكم بالمنطقة    رئاسة الشؤون الدينية تصدر جدول البرنامج العلمي الدائم بالمسجد الحرام لشهر شوال 1447ه    أمير نجران يلتقي رئيس المحكمة الجزائية وعددًا من القضاة بالمنطقة    شراكة أكاديمية بين جامعة الرياض للفنون وجامعة جيلدهول للموسيقى والدراما    بلدية الظهران تحتفي بعيد الفطر بفعاليات ترفيهية مميزة    «التخصصي» ينجح في إجراء عملية سحب القولون ب «سونسن»    مختص: قياس الضغط المنزلي أدق من قراءة العيادة    شاشة الهاتف تسرع ظهور الشيب والتجاعيد    "إفتاء عسير " يهنئ عضو هيئة كبار العلماء بعيد الفطر المبارك    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



الفرنسية ليزا كليكمان ميزراكي في "أناشيد مراكش" . كتبت قصائدها الأولى في الخامسة والستين بوحي من كافكا
نشر في الحياة يوم 07 - 04 - 2007

عن "الوراقة الوطنية" في مراكش صدرت الترجمة العربية لديوان "أناشيد مراكش" للشاعرة الفرنسية"ليزا كليكمان ميزراكي، في ترجمة وتقديم للشاعر المغربي رشيد منسوم، الذي قام أيضاً بتصميم الغلاف.
الديوان صدر باللغتين معاً: الفرنسية والعربية ويتكون من قصائد مكثفة شديدة القصر مما يسميها الإنكليز أبغرام ونسميها نحن العرب قصيدة الومضة، وهي تشبه من حيث الشكل القصيدة التي كان اليابانيون أول من ابتكرها في القرن السابع عشر تحت اسم هايكو وفيها يصفون بعفوية وبساطة منظراً طبيعيّاً في بيت شعري واحد يتكون من سبعة عشر مقطعاً صوتياً مقسمة على ثلاثة أسطر. الشاعرة من مواليد باريس عام 1931، درست الفلسفة والأدب في جامعة السربون واشتغلت أستاذة في الآداب والتاريخ بأكاديمية باريس.
وبحسب مقدمة المترجم، لم تبدأ ليزا كتابة الشعر إلا بعد سفرها إلى براغ عام 1996 حيث منزل كافكا، إذ خطّت أولى قصائدها في حديقة على كرسي من خشب الحور عنوانها"البلور الجريح"، وبعدئذ أصدرت دواوين ثلاثة هي: تخوم العالم - 2001، أناشيد مراكش- 2003، الأنفاس تحت الصخرة - 2004.
القصائد قصيرة غير معنونة تميل إلى الرصدية الوصفية وتكتنز طاقة عالية من الرومنطيقية والغنائية في آن."المطرُ الذي من طين ورماد/ الذي انتظرناه كثيراً وكم كان يفزعنا/ هطلَ بقوة/ فوق الوجه المرفوع صوب السماء/ الهادئة الأعصاب والرائقة".
تتوسل القصائدُ المجازَ في شكل رئيس لتبني شعريتها سواء من طريق تراسل المعاجم والجمع بين ما لا يجتمع:"الشعاع الجليدي"، أو المجاورة بين المتعيّن والمعنوي من قبيل:"فاكهة الأسى"في قولها:"سنمشي فوق عشب القمر/ وسنقطف من الشعاع الجليدي/ فاكهة الأسى...". هي شعرية تتأتى في مجملها من لمحاتٍ بصريةٍ ومشاهدَ خاطفةٍ ربما أكثر سرعة وابتساراً من أن تكوّن لدى المتلقي حالا شعورية مكتملة. إذ تترك القارئ مضطراً، بعد تأمله ذلك المشهد البسيط الذي رسمته له الشاعرة، إلى أن يستدعيه ببطء لكي يبني عليه من لدن خياله مُكمّلاً روحيّاً ونفسيّاً وفلسفيّاً لكي يكتمل النص بكامل شعريته.
وأظن أن الشاعرَ الذي يسلك هذا الطريق لا يجور على جوهر الشعر ولم يخن رسالته، ذاك أن الشاعرَ الحديثَ وظيفته وحسب أن يضع القارئَ على عتبات الحال والمعنى، لا أن يُدخله في لجّها وعمقها، كما كان ينحو الشاعر القديم، على النحو الذي يعطّل فاعلية القارئ وتفاعله مع النص. النصوص غير مشبّعة ومفتوحة الدلالة، وهذان الملمحان يعطيانها جمالية حداثية تتوسّل قارئاً نشطاً مستعداً ومؤهلا لتعاطي ذلك اللون من الشعر:"ماءُ الحياة/ على الجسد الملتهب/ يترك جروحاً ورديةً/ لشفتين ممدودتيْن". الشاعرة مفتونة بالطبيعة ورسمها بفرشاة الشعر، وربما كان هذا هو السبب وراء أمرين: أولهما مضموني، وهو أن قصيدتها الأولى، التي كتبتها وهي في عمر الخامسة والستين، كان مفجّرَها الرئيسَ هو وجودُها في أحضان الطبيعة في حديقة ومن ثم حفرتها على كرسي خشبي. الأمر الثاني جماليّ أو شكليّ، وهو اختيارها هذا القالب من الشعر الذي يشبه قصيدة الهايكو اليابانية التي احتفت جداً بالطبيعة ورصدها ورسمها بفرشاة الشعر.
"تحت أعلى غصنٍ لأعلى شجرة/ تحت أعلى قمة/ لجبال الأطلس/ هناك حيث تتنزه الرياح اللذيذة/ سأمضي لأزرع خيمتي/ وسأشرب بجرعات كبيرة/ ماء النسيان الأخضر". كما سنلمس في كثير من النصوص ذلك الحسَّ الأنثوي الرهيف بطرائقه الناعمة العميقة في الإنصات إلى العالم:"هل ستذهبين حتى حدود العالم/ هل ستحلقين فوق السموات/ لن يكون بوسعك التخلي عن رائحة التوابل/ عن طراوة النعناع/ والعناق الهالك"."سأنتظرك خلف الوادي/ خلف الجبل/ لن تكونَ/ سوى ريح الحلم الخادع/ الذي كان قد أوقد النارَ في العشب". وفي قصيدة أهدتها إلى فريدريك هولدرلين تقول:"الروحُ المتفردة التي تسربت إلى الجنون/ أمسكتْ يدي/ حتى نجتازَ مجرى النهر/ حيث لا أحد بوسعه أن يعبر/ من دون مساندة الآلهة".
ونرصد أحيانا تشظي الإنسان المعاصر ما بين الأنا والأنا الآخر وتصدعه تحت وطأة قسوة الراهن كما في قولها:"يا للدهشة/ إني أرى نفسي تراني/ إني أنا/ إني الآخر/ إني فقاعة من هواء". لكن البعض من القصائد سينحو نحواً فلسفيّاً صرفا يقترب من الحكمية أحياناً. وهو ما يجعل هذه القصائد تتأرجح بين التقليدية من حيث حكميتها وذهنيتها، وبين الحداثة من حيث تقشفها وتكثيفها وابتسارها:"هو أمرٌ لا يخلو من مجازفة/ أن نطعن في الزمن/ أن نوقفه على عتبةِ الأبدية/ ذلك الذي تجرأ وكان على وشك الانتصار".
باستثناء بعض الهنات النحوية البسيطة من قبيل:"يدندنان مقطع لأغنية متكرر"وصحيحها: مقطعاً - متكررة أو متكرراً - حسب الموصوف المقصود،"لا شيء مرعب"وصحيحها: لا شيءَ مرعباً،"الحروف الهيروغليفية/ مزقوا النسيج المعتاد"مزقت،"هذه النجوم التي تخترق الجسد/ يبددون..."تبدد، باستثناء مثل هذه الأشياء، فالترجمة خرجت رائقةً شعريةً وهو ما يشي بتدخل الشاعر في شيء من اللصوصية المحمودة الواجبة حال ترجمة الشعر، لكي لا تخرج القصيدة على هيئة مجموعة من المعاني الجافة حال الترجمة الحَرفية وكأنها بيانٌ صحافي.
تأكدتْ تلك اللصوصيةُ في خيانته ترجمة هذه القصيدة:"الحياةُ/ لا شيء غير الحياةِ/ كلها الحياة/ والموتُ داخل التفاحة". وكانت في أصلها الفرنسي et la mort dans le fruit"، بما يعني"والموتُ داخل الثمرة".
وبوسعنا أن نرى كيف أن هذه الخيانات الصغيرة النبيلة بوسعها أن تُغني النصَّ الشعريّ وترفعه درجةً، لا سيما إذا اقترب الشاعرُ المترجمُ من عوالم اللغة المنقول إليها بميثولوجياه وثقافاته التي لا شك مختلفةٌ عن عوالم اللغة صاحبة النص الأصلي.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.