نادراً ما تلتئم مواصفات النهضة والحداثة، لغة وفكراً، في شخص كاتب مثلما التأمت في شخص أحمد بيضون، الكاتب اللبناني المتعدد الشواغل والميادين أو "المدارات" كما يحلو له أن يقول. كاتب نهضوي في ما تعني النزعة النهضوية من انحياز الى الإصلاح الذي يوائم بين السياسي والاجتماعي واللغوي ولكن من غير أن يدّعي انه صاحب "رسالة" همّها "تقويم اعوجاج أو درء مصيبة"كما يقول في مقدمته البديعة التي ضمّها كتابه النقدي الأول"مداخل ومخارج"الصادر عام 1985. وهذه المقدمة، على ما أعتقد، هي من المصادر التي تفترض العودة إليها لتبيان نظرة أحمد بيضون الى الكتابة على رغم تقادمها. كاتب نهضوي إذاً يبدو كأنه سليل تلك الأقلام التي عملت في حقل اللغة والفكر، موقظة إياهما من سبات عصر ما بعد الانحطاط. لكنه كاتب حديث وحديث جداً لا في معنى المعاصرة فقط، وإنما في معنى الثورة على القديم البائد وعلى الموروث الذي أضحى رهن التقليد. وحداثته لا تقتصر على حقل الفكر بعدما اختبر التيارات الفلسفية الحداثية قراءة وعيشاً من خلال الماركسية والوجودية والبنيوية وسواها، بل هي تشمل الأدب ولا سيما الشعر واللغة والتأليف والكتابة. ويذكر الذين قرأوا ديوانه اليتيم"ديوان الأخلاط والأمزجة"1984 كيف تحاذت القصيدة العمودية والقصيدة الحرة التفعيلية وقصيدة النثر في مناخ شعري واحد تتداخل فيه الطرافة والرصانة بعضهما في بعض، عطفاً على"اللعب"الذي يُعدّ أصلاً أحد حوافز الكتابة لدى بيضون. واللعب الذي يرد - كمفردة - مرات في نصوص بيضون يجب أن يُفهم في معناه الوجودي لئلا أقول الفلسفي، وليس في معناه المباشر والعابر. وهو لم يتوان عن استعادة هذه المفردة في إهداء كتابه الجديد"معاني المباني - في أحوال اللغة وأعمال المثقفين"دار النهار، 2007 قائلاً:"الى أمي: ها أنذا أخرج لألعب". وفي المقدمة يساوي بين الكتابة واللعب وكأنهما يكمّل بعضهما بعضاً فيقول:"أن نلعب ما جاز لنا اللعب، بمدارات الكلام الجاري...". اللعب هنا يتبدّى كأنه جوهر الكتابة، اللعب الخطر الذي جعل شكسبير يقول على لسان بطله"لير":"كنت ملكاً فأصبحت مجنوناً". لكنه أيضاً اللعب الذي دفع الشاعر شيللر الى القول:"لا يكون الإنسان هو نفسه إلا عندما يلعب". ترى ألم يعلّمنا أفلاطون أن الإنسان لعبة بارئه؟ يستبق أحمد بيضون قارئه في مقدّمة كتابه فلا يدع له فرصة ليسأل عن تعدد"مدارات"الكتاب، وعن وحدته المفترضة والخيط الذي يجمع المقالات - النصوص واحدها الى الآخر. يقول بيضون في ما يشبه الإيضاح إن"الجولة تبدأ من اللغة وتتسع الى أنواع مختلفة من منتجات الثقافة". وهاتان المقولتان، اللغة والثقافة، كان ركّز عليهما أيضاً في مقدمة كتابه"كلمن"1997 الذي يُعدّ الكتاب الجديد تكملة له. ولئن اعترف الكاتب بأن"النظر يوشك أن يبدو متنقلاً على غير هدى"، والنظر هنا هو نظر القارئ، فإنه يفترض أن هذا القارئ"إذا تفضل على هذه المقالات بما يقتضيه إبصار الخيط الذي يلمّ شعثها من محبة وصبر"سيرى أن موضوات هذه المقالات"لا تعدو أن تكون أمثلة". ثم لا يني يصف مجموع المقالات بپ"النثار"وكأنّه واعٍ كل الوعي هذا الضرب من الكتابة أو هذا النوع من التأليف. وقد تكمن وحدة الكتاب فعلاً في تنوّعه وفي تعدّد آفاقه وكأنه مجموع كتب قيّض لها أن تبقى وقفاً على ما منحها الكاتب من صفحات. ويتحدّث عن ضربين من النصوص:"محاولات التناول العام ومحاولات التأمل في حالات مفردة". وقد يبدأ القارئ في التقاط الخيط الداخلي انطلاقاً من هذا الاعتبار، وهو لن يلبث أن يمسك به جيداً كلما تقدّم في القراءة التي تكفل دمج هذا"الشعث"في ما يُسمى"لذة النص"بحسب عبارة رولان بارت. واللافت أن بيضون لا يكتب مقالات أو أبحاثاً صرفاً بل يكتب نصوصاً، ولو كانت في أحيان، قراءة في كتب. إنها مقالات - نصوص وأبحاث - نصوص. حتى أبحاثه المعجمية"الجافة"هي ضرب من النصوص. فالكتابة لديه لا تخلو لحظة من المتعة أو اللذة أو الرغبة التي تتشارك في صنعها اللغة والأسلوب والطريقة في مقاربة الموضوعات على اختلاف مشاربها. پ"مجمع الأمثلة" هكذا تتعدد موضوعات الكتابة في ما يمكن وصفه بپ"مجمع الأمثلة"، بعدما أصبحت"مسائل اللغة مجرّد أمثلة قابلة للعطف على غيرها مما يفترض اللغة ولكن لينشئ المعاني بمواد غير كلامية: بمواد عمارة أو بقيم أو بصور أو بحوافز وروادع نفسية أو مادية"كما يقول بيضون. ولا غرابة أن يستهل بيضون كتابه في تناول قضية اللغة الفصحى ومحيطها اللغوي ثم يتناول تجليات"ضمير المتكلم"لينتهي الى"ملاجئ الأنا"وپ"الزيارات"التي هي قراءات في حقول مختلفة وظواهر مختلفة. يكتب عن المعاجم التي له فيها مراس طويل مثلما يكتب عن موسيقى الشعر وأزمة اللغة العربية المعاصرة، فعن العولمة وآثار 11 أيلول سبتمبر والفرنكوفونية والعمارة وسمير قصير... إلا أن القارئ لا يشعر لحظة بأي دوار عندما ينتقل من موضوعة الى أخرى ومن قضية الى أخرى. بل ان متعة القراءة تتنامى كلما غاص في هذه المقالات مرتكزاً على"الصبر والمحبة"بحسب وصية الكاتب. في تعقيب على ورقة قدّمها جورج طرابيشي بعنوان"العولمة وانعكاساتها على الثقافة العربية"في ندوة عقدت في تونس يكتب أحمد بيضون نصاً على نص كما يقال، متخطياً حدود النص الذي يعقّب عليه، معتمداً مراجع مهمة. ويستخلص في هذا التعقيب - النص مقولات خاصة به تحفر في مفهوم العولمة، كأن يقول مثلاً:"لا مراء أولاً في أن بيرق اللامساواة والهيمنة مرفوع على سارية العولمة الثقافية شأنه على سواري غيرها من العولمات. لا مراء في أن ثقافة بعينها ولغة بعينها تتقدمان في صورة المدّ الطاغي على شاشات العولمة، الحاسوبية منها والتلفزيونية. لكن القول إن نفوسنا تنعى إلينا، إذ نراقب اقتراب هذا المدّ، فيه كثير من الغلط فضلاً عما فيه من ضرر". ثم يتناول العولمة في مقاربة أخرى عنوانها"عولمات متقابلة". في مراجعته النقدية لكتاب"أخيلة المتوسط"الصادر بالفرنسية، وهو كتاب من تأليف جماعي، يتعمّق أحمد بيضون في معالجة قضية المتوسط انطلاقاً من مقاربات الكتّاب العشرين الذين شاركوا في وضع الكتاب، وصولاً الى رؤيته الخاصة، التاريخية والثقافية التي جعلها معياراً لقراءة الأبحاث المتعددة. وفي بحثه"معالم للثقافة المعولمة بعد 11 أيلول أو الشيخ أسامة يعيث فساداً في هوليوود"يتطرّق الى"صدمة"العصر الثقافية منطلقاً من إشكالية الثقافة نفسها. ويقول في هذا الصدد:"من حسن الحظ أن الجبار الأميركي لا يقود كل شيء، لا في العالم ولا في أميركا نفسها. لجمت صدمة 11 أيلول مخيلة الخراب السينمائي، على الأرجح، إذ اتخمت الأبصار خراباً، وكبحت، في مساق الفعل نفسه، وظيفة التفسير أو الفهم العقلي...". ويكتب بيضون ما يشبه السيرة الذاتية أو جزءاً منها بعنوان"من العربية الى الفرنسية وبالعكس: ذو اللغتين مسعوداً ومنحوساً". وهذا نص غاية في الفرادة والجمال وقد يستحق مقالة على حدة لأن الكاتب يرسم عبره مساره في اللغة الفرنسية تأدباً وأدباً والكتابة بها والترجمة منها. ويسرد بطرافة تامة كيف انتقل من القصة الفرنسية"الهر ذو الجزمة"التي يعرفها التلامذة في لبنان جيداً الى"الفرسان الثلاثة"للكاتب الفرنسي الكسندر دوما فإلى كتاب"الكون والعدم"الذي اختصر جان بول سارتر فيه فلسفته الوجودية وكتاب"الإنسان المتمرّد"للكاتب ألبير كامو الذي صادره منه استاذه بحجة أنه لم يبلغ السن التي تؤهله قراءته. وهذه الكتب تمثل مراحل يجتازها عادة التلامذة في اللغة الفرنسية وأدبها ليبلغوا الدروس العليا. ولا يخفي الكاتب أنه تعلّم من سارتر"أن الإنسان هوى لا طائل تحته وأن العدم يتغلغل في كيان الإنسان واننا محكوم علينا بالحرية". الكاتب بالفرنسية لكن الصدمة التي هزّته حصلت عندما وصفه المؤرخ الفرنسي بيار شونو خلال مناقشته أطروحة الدكتوراه التي تقدم بها بيضون في جامعة السوربون عام 1982 ب"الكاتب الكبير باللغة الفرنسية". ويعلّق بيضون على هذه الصفة التي لم يكن الطموح إليها قد أبعد الكرى عن أجفانه كما يعبّر، قائلاً:"لم أشعر بميل الى الغوص في قارة الآداب الفرنسية، وهي الأرض المزروعة بأعلام كبار...". لكن كاتبنا لن يلبث أن يكتب بالفرنسية مصراً كل مرة على إعادة كتابة النصوص نفسها بالعربية، وكأن العربية هي شاغله وكأن عينه هي دوماً على القارئ العربي. لكن هذا لا يعني أن نصوصه بالفرنسية لم تبلغ شأوها لغوياً وجمالياً وإن بدت مختلفة في مظهرها أو لغتها عن النصوص العربية المتفرّدة بنسيجها اللغوي. وعلى رغم قلّة كتابته بالفرنسية فأحمد بيضون هو كاتب مزدوج اللغة بيلنغ مثلما هو متعدد الشواغل والاهتمامات. وفرنكوفونيته تنفرد بقيامها بين"منزلتين"، فهو يبدو في آن واحد وارث المدرسة الفرنكوفونية اللبنانية"الكلاسيكية"وسليل المدرسة الحديثة المتمردة على الأولى لغوياً وسياسياً. في هذا القبيل لم يضر أحمد بيضون أن يعرّب بعض كتب ميشال شيحا وأن يكتب عن ميشال فوكو بعدما أُشبع بالثقافة الفرنسية الثورية الحديثة. يصعب فعلاً اختصار"مدارات"أحمد بيضون في هذا الكتاب مثلما صعب اختصارها سابقاً في كتاب"كلمن". كل نص يحتاج الى قراءة منفردة، واختلاف منابت النصوص، بعضها عن بعض، يزيد من هذه الصعوبة ويفترض الكثير من الصبر والجهد، وهذا ما اعترف به بيضون أصلاً. حتى في كتابته عن الفن التشكيلي يؤلف بيضون نصاً لغوياً ازاء نص بصري أو فني راجع نصه"الأول، الباطل، الآخر"عن معرض للرسامة"تان باك"أقيم في بيروت عام 2001. أما نصه عن الصحافي الراحل عبد الأمير عبدالله 1997 وعنوانه"رغبات الرجل الحزين"فهو من أجمل ما يمكن أن يكتب في سياق"الصور الشخصية"أو"البورترية". هذا نص بذاته، نص مكتفٍ بذاته ويمكن اعتباره مثالاً لفن الكتابة لدى بيضون. ولعل الذين عرفوا الصحافي الراحل يشعرون ازاء نص بيضون بأنهم يكتشفون هذا الرجل، شخصاً وروحاً. يكتب بيضون:"كان وجهه يبدو وكأنه عصي على الترتيب المحكم والتخطيط الدقيق وبقيت فيه حنوات فاتها إتقان التشكيل فلا يعرف إن كانت تخلّفت من سورات حزن قديم أم استقرّت مراتع لأسى دائم". مثل هذه اللغة باتت نادرة في أدبنا العربي الراهن. لغة تكسر الفصاحة بفصاحة أخرى، عصرية، شديدة المرونة، شديدة الطلاوة. لغة هي ابنة التمرّس في اللغة والتمرد عليها. فصاحة تأخذ بنصيحة النفّري الذي قال بالتحاشي عنها، فصاحة اللغة الحيّة، المنتفضة من ربقة الصنعة والكلفة والحريصة"على اجتناب المحنّط من الكلام"كما يعبّر بيضون. وكان هو"المشبع بالقرآن وبأنواع الإيقاع الشعري العربي وبالسجع وبالغريب"أدرك أصلاً معنى الفصاحة الجديدة، ويقول في هذا الصدد في مقدمة كتابه"مداخل ومخارج":"أما الفصاحة فهي نقيض الاطمئنان الى المعرفة بما سيقال، وهي اقتصاد للجملة، يضنّ بالكلمات لأنها حجارة ثمينة ترتجل، ولكن الضنّ ينتهي، لا الى اخفائها، بل الى رصّها صفحات للذات يُراد لها أن تومض هنا وهناك...". ولا يخفي بيضون نزعته النرجسية، فالكتابة عنده"عمل نرجسي، عمل نرجسي شبه خالص". ولعل ما يسم لغته تلك المتانة المشوبة بالسلاسة وتلك القوة المشبعة بالرقة وتلك الأناقة الممتنعة. أحمد بيضون واحد من القلة القليلة التي ما برحت تلمّ بأسرار اللغة العربية وخفاياها وجمالياتها. إنه بحق وارث المدرسة اللبنانية النهضوية مثلما هو وارث عيون التراث، لكنه الوارث المنفتح كل الانفتاح على العصر لغة وأدباً وفكراً. يظل أحمد بيضون في كل ما أصدر ويصدر كاتباً مبدعاً. وصفة الكتابة الابداعية لديه تشمل كل الميادين التي عمل فيها. التأريخ، علم الاجتماع، البحث اللغوي، العمل المعجمي... عطفاً على كونه شاعراً ولو على تقطع، وكاتب سيناريو ولو كان يتيماً وهو لفيلم"بيروت اللقاء"الذي أخرجه برهان علوية. وهذا فيلم أشبه بالحدث في تاريخ السينما اللبنانية في إخراجه ونصه وحواراته. وقد يسأل سائل: كيف يستطيع أحمد بيضون أن يوفّق بين هذه الشواغل والمدارس والميادين؟ بل كيف يستطيع أن يكون كاتباً وأكثر من كاتب واحد في آن واحد؟ وليس من المبالغة القول إن بيضون نجح في إلغاء التخوم بين هذه الميادين، وفي منح كل حقل ما يستحق من جهد ودراية وصرامة. كتاباته التاريخية تندّ عن مؤرخ متخصص في علم التاريخ. ولعل كتابه"الصراع على تاريخ لبنان"هو بمثابة مقاربة تاريخية فريدة في منهجها وفي معالجتها لصراع الهويات اللبنانية وتفكيكها بنى هذه الهويات. أما كتابه الآخر"ما علمتم وذقتم: مسالك في الحرب اللبنانية"فهو تأريخ سياسي وثقافي واجتماعي لظاهرة الحرب. وفي مثل هذه الكتب يبدو بيضون كاتباً بقدر ما يبدو مؤرخاً وعالم اجتماع وناقداً. فهاجسه الأول والأخير أن يكتب مرتقياً بهذه العلوم والفنون الى مرتبة نصية عالية. هكذا تغدو كل نصوصه مغرقة في متعتها اللغوية بل مغربة في لذة الكتابة. واللغة هنا، لغة أحمد بيضون، يمكن وصفها بحسب رولان بارت ب"اللغة الأدبية المتحوّلة عبر وجهتها الاجتماعية، والشكل المأسور في قصده الإنساني والمرتبط بالأزمات الكبرى للتاريخ". لعل القارئ الذي يواكب أعمال أحمد بيضون يدرك أن الكاتب هو نفسه في كل ما أبدع من كتابات، وأن كتاباته المتعددة المشارب والموضوعات والأساليب هي نصوص إبداعية، عبر لغتها الساحرة وغوصها على أعماق المعاني والمباني.