بعد اقصاء عدد من المحافظين الجدد من ادارة بوش مثل وبول وولفويتز وريتشارد بيرل وجون بولتون الذين كانوا من ابرز مؤيدي النزعة الأحادية في العلاقات الدولية الاميركية، تنبأ بعض محللي السياسة الاميركية الخارجية بانحسار نفوذ الأحاديين الاميركيين داخل الادارة الحالية. وترسخت هذه التنبؤات بعد اسناد مهمة وزارة الخارجية الى كوندوليزا رايس التي تدربت على يد برنت سكوكروفت مستشار الامن القومي الواقعي الاتجاه. الا ان هذه التنبؤات بدت بعد مضي وقت قليل على انها اقرب الى التفكير الرغائبي منها الى التوقعات الدقيقة. ان خروج عدد من المحافظين الجدد لم يفض الى انحسار نفوذهم بصورة نهائية، اذ بقي عدد منهم، مثل اليوت ابرامز، يمارس نفوذا واسعا داخل الادارة. كما ان رايس اثبتت انها"واقعية"الى درجة انها قادرة على التخلي عن واقعيتها بسهولة اذا ما تشبث الرئيس الاميركي بمواقف ذات طابع أحادي صريح. لقد عزا البعض استمرار النزعة الأحادية داخل الادارة الاميركية الى شخصية الرئيس الاميركي ونظرته الى الولاياتالمتحدة والى علاقتها بالعالم. فالرئيس بوش هو الأحادي الاول في ادارته. الا ان استمرارية هذه السياسة ترجع في تقديرات اخرى الى اسباب تتجاوز شخصية هذا الزعيم الاميركي او ذاك، ومواقفه تجاه دور بلاده العالمي. وتستقي الأحادية التأييد الكبير في الولاياتالمتحدة، كما قال هنري كيسنجر في كتابه"الديبلوماسية"من نظرة الاميركيين التقليدية الى السياسة الخارجية. فهي تتصل اتصالا وثيقا بالخصوصية الاميركية وبمنظومة القيم الاميركية التي تتصدرها الديموقراطية الاميركية. قناعات الاميركيين جعلتهم يعتقدون بان من واجبهم قيادة"حروب صليبية لنشر القيم الاميركية في العالم". ويلاحظ كيسنجر ان تاريخ علاقة الولاياتالمتحدة بالعالم ساهم في توطيد هذه النظرة. فعندما دخلت الولاياتالمتحدة الحرب العالمية الاولى كانت قوية وفتية بحيث انها كانت قادرة على فرض ارادتها على العالم. وعندما انتهت الحرب العالمية الثانية كانت الولاياتالمتحدة في ذروة قوتها بينما كان الآخرون، منتصرين اومدحورين، يعانون من الكوارث والمصاعب الكبيرة، فكانت في وضع افضل لهندسة العالم وفق ارادتها. اما بعد انتهاء الحرب الباردة فان الولاياتالمتحدة تواجه تحدي نشوء قوى جديدة ولكن هذه التحديات لن وليس لها، في رأي وزير الخارجية الاميركية السابق، ان تجعل الاميركيين يغيرون من رأيهم في دور بلادهم العالمي. ويخلص كيسنجر من تحليله لعلاقة الولاياتالمتحدة بالعالم الى دعوة الزعماء الاميركيين الى اتباع سياسة المراحل والتحرك في اطار توازن القوى واستخدام الديبلوماسية من اجل الحفاظ على مكانة الولاياتالمتحدة على رأس النظام الدولي. الأحاديون لا يشاطرون وكيسنجر وغيرهم من الواقعيين آراءهم في مزايا المرحلية والديبلوماسية. فالارهاب دق ابواب اميركا، والسباق على النفط يهدد عصب المصالح والحياة الاميركية، اما حكام وحكومات الدول المنافسة فانهم يطلبون مصالح بلادهم ومصالح شعوبها. وحكام الولاياتالمتحدة انتخبوا ويقبضون الرواتب، كما يقول، عالم العلاقات الدولية، مارتين وايت، حتى يدافعوا عن مصالح الولاياتالمتحدة وليس عن مصالح غيرها من الدول والشعوب. كل ذلك يحتم استنفار الطاقات الاميركية في صراع مستعر بين محوري الشر والخير، بين الظلام والنور، بين اميركا واعدائها. وحتى ينجح الاميركيون في انقاذ بلادهم وانقاذ العالم المتمدن من الشرور المحدقة بهم، فانهم لا يملكون ترف الانتظار ولا ترف الاحتكام الى الشرائع والقوانين، بل عليهم ان يقضوا على بذور الشر في مهده، وان يضمنوا للولايات المتحدة مصالحها وان يصونوا مثلها في الداخل والخارج. في هذا السياق يتجه ذهن الرئيس الاميركي راهناً الى منطقتين تستأثران باهتمامه، وباهتمام المصالح النفطية التي تدعمه: المنطقة الاولى هي المنطقة العربية. فهنا ام المعارك التي يخوضها الرئيس الاميركي. وهنا اهم المعارك التي يخوضها الأحاديون الاميركيون. وفيما كان الصراع على العراق سببا لتراجع نفوذ الأحاديين، فانهم يرونه الآن دليلا على نجاحهم، وعلى صواب دعاواهم. فالعنف في العراق الى انحسار، والمقاومة التي كانت تحارب الاحتلال تحولت الى الاقتتال الداخلي، ومقابل الهجرة الواسعة من العراق الى خارجه، يعود مئات الالوف من العراقيين الى بلادهم. اما النفط الغالي والمقدس الذي كان الحافز الى شن الحرب على العراق كما يقول آلان غرينسبان، رئيس مجلس ادارة مصرف الاحتياطي الفيدرالي السابق، فان صادراته تتدفق بوتائر متنامية الى اسواق الولاياتالمتحدة، مقابل تراجع ملحوظ في أحاديث الانسحابات من العراق. كل ذلك من معالم رسوخ الأحادية والمحافظين الجدد في ادارة بوش. ففردريك كاغان الباحث في مؤسسة اميركان انتربرايز المحافظة هو الذي نصح الرئيس الاميركي بوش باتباع سياسة"الدفق"التي ادت الى تلك التحولات في العراق. وكما في العراق، فان الهمة الأحادية سوف تفعل فعلها في السودان في اليوم الاول من العام الجديد عندما تحين ساعة مضاعفة عدد قوات حفظ السلام الدولية في دارفور. فبينما تتلكأ الصينوروسيا ودول الناتو الاخرى في المساهمة في هذه القوات، قامت الادارة الاميركية بالتزاماتها كاملة في هذا المضمار. ومن السودان الى لبنان حيث توغلت قوى دولة واقليمية ومحلية عديدة في أحاديث المساومة والتوافق، وحيث انفتح سوق التنازلات والمحاورات والمناورات السياسية، وحيث اتجه الزعماء المحليون الى البحث عن الحلول الوسط، أوصد الرئيس الاميركي هذا الباب بعنف، ودعا الاكثرية النيابية، بنبرة أحادية لا ريب فيها، الى انتخاب رئيس للبلاد من دون التوافق عليه مع المعارضة. ويقين الأحاديين الاميركيين ان بلادهم ستربح الحرب في البلدين وفي سائر البلاد العربية فتكون لها في هذه المنطقة الكلمة الاولى، وتكون لهم في بلادهم الكلمة الاولى ضد الليبراليين والواقعيين والواقعيين الجدد الذين تسببوا، حسب تقدير الأحاديين، في خسارة الولاياتالمتحدة مكانتها الشرق اوسطية. المنطقة الثانية التي تستأثر باهتمام الرئيس الاميركي، والتي يختلط فيها النفط والغاز بالمصالح الاستراتيجية هي منطقة حوض بحر قزوين التي تضم روسياوايران فضلا عن جمهوريات آسيا الوسطى. فهنا اودع الأحاديون آمالا كثيرة حول الامساك بالنفط والغاز القزوينيين من اجل تخفيف الاعتماد على النفط والغاز العربيين. ولقد تعززت هذه الآمال ووصلت الى ذروتها اثناء ولاية الرئيس الروسي السابق بوريس يلتسن، حيث بدا ان روسيا لن تخسر الجمهوريات السوفياتية مثل جمهوريات آسيا الوسطى فحسب، وانما سوف تخسر وحدتها الترابية ايضا. تراجعت هذه الآمال تراجعا ملحوظا بعد صعود فلاديمير بوتين وتعزيز السلطة السياسة الروسية. وكذلك تراجعت الآمال الأحادية الاميركية في حوض بحر قزوين بعد صعود ايران كقوة اقليمية قزوينية وخليجية. الا ان التراجع لا يعني التخلي عن المصالح الاميركية في المنطقة ولا يعني مهاودة الاتجاهات الراهنة في السياستين الروسية والايرانية تجاه منطقة بحر قزوين، كما يفعل بعض الفاعلين الدوليين وخاصة الاوروبيين. ان القوى الاخرى مثل اوروبا والصين والهند تتجه الى اعتماد مقاربة واقعية في التعامل مع دول حوض بحر قزوين. فالاوروبيون مستعدون لاخذ المصالح والمطالب النفطية الروسية بعين الاعتبار، وكذلك الصين والدول القريبة من روسيا. والاوروبيون الذين كانوا مستعدين لممارسة اقصى درجات الضغط على ايران بسبب برنامجها النووي، بدوا اقل حماسا للاستمرار في هذه السياسة بعد صدور تقرير وكالات الاستخبارات الاميركية بصدد تخلي ايران عن برنامج التسلح النووي عام 2003. ومقابل هذه المقاربات"الاسترضائية"- كما يصفها الأحاديون - تتمسك ادارة بوش بمشروع نشر شبكة الدرع الصاروخية في الاراضي المجاورة لروسيا. ويساهم الأحاديون الاميركيون في حملة سياسية واعلامية واسعة النطاق ضد فلاديمير بوتين الذي"... قضى على استقلالية الاقاليم الروسية، وبسط سيطرة الدولة على قطاع النفط وسائر القطاعات الاستراتيجية ... واتبع سياسة توطيد الحضور الروسي القوي في الساحة الدولية"كما جاء في مجلة الايكونوميست البريطانية في معرض نقدها لسياسة بوتين 15/12/07. لقد ازداد الاصرار على الدرع الصاروخية وعلى هذه الانتقادات بعد ان وقعت موسكو معاهدات مع تركمانستان وكازاخستان بصدد بناء خط انابيب لنقل الغاز عبر بحر قزوين والاراضي الروسية الى القارة الاوروبية مما يدل على العلاقة الوثيقة بين الحملة على بوتين ومشاريع الادارة الاميركية في منطقة بحر قزوين. وفي نفس الوقت الذي تصعد فيها الادارة الاميركية فانهم يمارسون تصعيدا مماثلا ضد طهران رغم صدور تقرير الاستخبارات الاميركية. اذا كان كان البعض يعتقد ان بعض المتغيرات، خاصة في المنطقة العربية، تؤكد صواب النهج الأحادي، فان الوقت سوف يكشف ان هذا الاستنتاج في غير محله. فالرابح من استراتيجية الدفق في العراق هو ايران وليس الأحادية الاميركية، اما السودان الذي سعى الى تنمية علاقاته بواشنطن، فانه سوف ينتهي الى الابتعاد عنها والاقتراب من منافسيها وخاصة الصين. وفي لبنان كانت الاكثرية الحاكمة تسجل نقاطا سياسية ملموسة على حساب الاقلية المعارضة الى ان دعاها بوش الى انتخاب الرئيس الجديد باكثرية النصف زائدا واحدا. ان هذا الاقتراح يسد الباب في وجه المصالحة المحلية ويضع لبنان على عتبة المجهول. اما في دول حوض بحر قزوين فان ادارة بوش سوف تكتشف-اذا قامت بمراجعة نزيهة لسياساتها ولنصائح الأحاديين- ان سياستها الاستفزازية تزود حكام هذه الدول بمبررات كافية للاستمرار في الحكم ولاغلاق بحر قزوين في وجه المصالح الاميركية. الأحاديون الاميركيون يقارنون عادة بين الولاياتالمتحدة ببسط السلام الاميركي على العالم مثلما بسطت الامبراطورية الرومانية المقدسة سلامها على الارض. هذا النوع من المقارنات كان يثير المخاوف في نفوس علماء السياسة الدولية الراسخين مثل والتر ليبمان الذي كتب خلال الاربعينات يقول:"ان هذا السلام الذي يمكن دولة واحدة من حكم وابتلاع الآخرين هو من مستحيلات هذا العصر بحيث انه لا طائل من البحث في ما اذا كان يقودنا الى يوتوبيا واهمة ام الى الجحيم"! فيما يستقبل العالم العام الجديد، لعل اصحاب النظرة الأحادية من صانعي القرار والرأي في الولاياتالمتحدة يقرأون تلك الكلمات بامعان، ففيها ما يعفي الولاياتالمتحدة من الخسائر وما يخفف عن شعوب كثيرة في العالم الويلات والكوارث، ولعل الاتعاظ بهذه الكلمات يخلصهم هم ايضا من حكم التاريخ القاسي. * كاتب لبناني.