مطلع عهد الرئيس سليمان فرنجية، هاجمت مجموعة من الشبان اليساريين مصرفاً أميركياً في بيروت، بهدف سرقة الأموال واختبار نفوذ العهد. وبعد صدام مسلح انتهت العملية باعتقال قائد المجموعة وإحالته على التحقيق أمام المحكمة العسكرية. ولما سأله المحقق عن انتمائه العقائدي، اعترف بأنه ماركسي ثائر يطمح الى تغيير الوضع القائم في لبنان. وانتقده المحقق على استخدام اسلوب العنف وقال له: ألا تخجل من الاقدام على سرقة المصرف، وأنت - كما تدعي - شخص عقائدي؟! ورد عليه المتهم بلهجة قاسية قائلاً: وأين يكمن الذنب إذا كانت الغاية شريفة؟ ألا تعلم أن لينين احتاج الى المال في بداية الثورة، لذلك دعا الثوار الى سرقة أموال سارقي الشعب! وقاطعه المحقق مؤنباً: يذكر المؤرخون ان لينين قدم للثورة مواقف جريئة وانجازات عظيمة. والمؤسف انك لم تختر من كل أعماله سوى حادثة السرقة كي تبني عليها تبريرك لاقتحام المصرف! عادت هذه الحادثة الى ذاكرة اللبنانيين عقب اقتباس البابا بنديكتوس السادس عشر رأيا ذكره الامبراطور البيزنطي مانويل بالاولوغوس، إثر هزيمته أمام العثمانيين. ومع ان تاريخ هذا النص يعود الى القرون الوسطى، إلا أن اقتباس تلك الفقرة الصغيرة اعتبر إهانة لمشاعر بليون ونصف بليون مسلم لأن البابا لم يشجبها أو ينتقدها. ومثل هذا الاقتباس الخاطئ كان موضع استهجان واعتراض من قبل المسلمين الغاضبين، خصوصاً عندما أهمل البابا كل الجوانب المشرقة في الاسلام. ورأى علماء الأزهر في هذا الانتقاء محاولة هادفة لتجريد الاسلام من حضارة اعتبرها المؤرخون مساوية لما حققته أوروبا في عصر النهضة. كما رفضت الكنيسة الارثوذكسية القبطية المصرية المساس برموز الاسلام، معتبرة أن تصرف زعمائهم التاريخيين الذين فتحوا مدينة القدس سنة 635 م كان أفضل شهادة على حسن معاملتهم للمسيحيين. وقد تجلت هذه المعاملة في"العهدة العمرية"التي ضمنت للبطريرك سفرونيوس الأمان على حياة المسيحيين وممتلكاتهم وكنائسهم، وهي بحسب ما رواه الطبري والبلذوري تحمل توقيع عمر بن الخطاب، اضافة الى تواقيع الشهود: خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعبدالرحمن بن عوف ومعاوية بن أبي سفيان كتب سنة 15 ه. بعد اتساع موجة الاستنكار والغضب، أصدر البابا توضيحاً قال فيه ان الاقتباس لا يعكس تفكيره الشخصي. ثم أعرب عن أسفه لردود الفعل التي أثارتها فقرة صغيرة وردت في المحاضرة التي ألقاها في جامعة ريغنسبورغ. وتبع هذا التوضيح بيان أصدره سكرتير دولة الفاتيكان برتوني، دعا فيه الى تهدئة الخواطر، مؤكداً أن المحاضرة تضمنت دعوة صريحة لإقامة حوار صادق وسط جو من الاحترام المتبادل. صحيفة"التايمز"أبرزت فحوى الدراسة التي وضعها باللغة الالمانية الاكاديمي اللبناني الأصل ثيودور خوري. ومع أن البروفسور خوري غير معروف في لبنان والعالم العربي، إلا أن الألمان يعتبرونه حجة فكرية مميزة. وتشير الصحيفة الى أن البابا اقتبس عن كراس خوري الذي كتبه حول الوضع اللبناني، ما يقيم صلة بين العقل والدين. ولكنه لم يتوقع أن تحدث فقرة صغيرة ما أحدثته من ردود فعل، الأمر الذي رفع مستوى المطالبة من إبداء الأسف الى الاعتذار. وفي رأي الفاتيكان ان تزامن إلقاء المحاضرة مع ذكرى الحادي عشر من أيلول سبتمبر ألهب مشاعر السخط، خصوصاً بعدما استخدم الرئيس جورج بوش عبارة"الفاشية الاسلامية"ليصف بها حركة أسامة بن لادن و"القاعدة". وفي تقدير المراقبين ان بعض زعماء الدول الاسلامية بالغ في التنديد والوعيد سعياً الى لجم القوى المحلية المتطرفة التي سيطرت على الشارع منذ انفجار الأزمة. ففي ليبيا دعا محمد النجل الأكبر لمعمر القذافي، البابا الى الاعتذار عن تصريحه واعتناق الاسلام فوراً. وفي الصومال دان الشيخ ابو بكر حسن مالين المحاكم الاسلامية الحبر الأعظم، مشجعاً على الانتقام منه وملاحقته،"مثلما لوحق سلمان رشدي عدو الله الذي أهان الدين الاسلامي". وفي جاكرتا، دعا أعضاء"الجماعة الاسلامية الاندونيسية"الى"صلب البابا"، ورفع الناشطون في"جبهة المدافعين عن الاسلام"لافتات كتب عليها"اصلبوا البابا"... و"الفاتيكان محور الشيطان". وفي طهران، اعتبر مرشد الجمهورية آية الله علي خامنئي أن تصريحات البابا ليست أكثر"من حلقة أخيرة في سلسلة الحروب الصليبية التي تفتعلها المؤامرة الأميركية - الاسرائيلية"، وفي العراق، تعهد"مجلس شورى المجاهدين"بمواصلة الجهاد حتى إلحاق الهزيمة بالغرب. من المفيد النظر الى خلفية الخط الديني الذي أوصل البابا بنديكتوس السادس عشر الى المأزق الحالي الذي يواجهه. ففي حساب المعطيات السابقة يتبين من تعليق زميل له أيام الدراسة بروفسور هانز كونغ، ان جوزيف داتسنغر اسمه الأصلي لم يتعمق في دراسة اللاهوت، ولم يطلع على الديانات الأخرى بشكل يسمح له بتكوين نظرة ثابتة. علماً أنه لم يخف قناعته بأن الاسلام دين جامد يصعب تطويره بسبب التصاقه بحرفية القرآن الكريم. ويؤكد عدد من الخبراء ان البابا يتبنى استراتيجية مختلفة عن مقاربة سلفه يوحنا بولس الثاني في ما يتعلق بالحوار مع المسلمين. ويرى هؤلاء ان البابا السابق بنى استراتيجية حوار مع النخب الاسلامية في العالم أجمع بحيث اصبح قائداً روحياً محترماً، في حين تبنى خلفه منذ انتخابه، استراتيجية مختلفة. مثال ذلك انه ألغى في قداسه الافتتاحي اي اشارة الى العلاقات الأخوية مع الدين التوحيدي الاسلامي. كما أنه لم يحضر شخصياً هذه السنة، اللقاء الذي يضم ممثلين عن الأديان كافة في"اسيزي"الايطالية. وهو اجتماع سنوي يعقد منذ عشرين سنة بمبادرة من سلفه. تقول جريدة"اونيتا"الايطالية ان خطأ البابا لم يكن لاهوتياً، وانما كان خطأ سياسياً. وفي هذا السياق ذكرت انه دان العنف والحروب المقدسة من ضمنها حروب الكنيسة ومحاكم التفتيش والحملات الصليبية وحروب الغرب الرامية الى نشر الديموقراطية في افغانستانوالعراق. وعليه بات من الصعب فهم عملية اقتباس رأس الكنيسة الكاثوليكية من كلام امبراطور بيزنطي عرف بعدائه للاسلام، مثلما عرف صهره الحاكم الصربي بأعماله الحاقدة ضد المسلمين. سنة 1986 أغضب الكاردينال جوزيف راتسنغر اليهود عندما قال ان التاريخ اليهودي والكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، لا يتحققان إلا بالمسيح، وفي سنة 2000 أثار موقفه موجة من الاستنكار لدى الجاليات اليهودية بسبب توقيعه على وثيقه تقول"ان الخلاص الأبدي لا يتم خارج الكنيسة الكاثوليكية". ووصف اليهود ملاحظته بأنها"عداء لاهوتي للسامية". وقبل انتخابه لكرسي البابوية بأسبوع تقريباً نشرت أحدى الصحف الصادرة في ميونيخ، نبذة عن سيرة حياته، أكدت فيها انضمامه الى الشبيبة الهتلرية وهو في سن الرابعة عشرة. وذكرت انه ألحق سنة 1943 بوحدة الدفاع الجوي في مصنع"بي أم دبليو"حيث يتم صنع محركات الطائرات الحربية. وكان يشاركه في العمل اسرى يهود من معتقل داشو. وعلق البابا بعد انتخابه على هذه الحقبة من حياته، بأن الانضمام الى الشبيبة الهتلرية لم يكن خياراً بقدر ما كان قراراً ملزماً. واعترف أنه هرب من الجندية في نيسان ابريل 1944، ثم عوقب بالسجن حتى نهاية الحرب. ويفاخر البابا بنديكتوس السادس عشر بأنه ينتمي الى عائلة فقيرة، وبأن والده الويسوس راتسنغر كان موظفاً حكومياً بسيطاً. ويلاحظ الكرادلة حرص البابا على قراءة صحيفة المانية مغمورة هي:"التوتنغر ليبفراون". والسبب ان هذه الصحيفة تبرعت بنشر اعلان لوالده جاء فيه:"موظف حكومي من درجة منخفضة، عازب كاثوليكي، عمره 43 سنة، يرغب في الزواج سريعاً من فتاة كاثوليكية تجيد الطهي والحياكة، ميسورة الحال ولديها جهاز عروس". وردت ماريا بايتننر على الاعلان، وتم التعارف واقيمت حفلة الزفاف في 9 تشرين الثاني نوفمبر 1920، وانجب الزوجان ثلاثة أولاد هم: ماريا وجورج وجوزيف المعروف حالياً باسم البابا بنديكتوس السادس عشر. صحيفة"كيهان"الايرانية كتبت هذا الاسبوع تتهم البابا بأنه درج على اعلان الآراء المسيئة للاسلام. وقالت انه وصل الى هذه السدة بفضل دعم جورج بوش وأنصاره من المسيحيين المتصهينين. وكانت بهذا الاتهام تحاول التذكير بأن المجمع المسكوني الذي حارب الشيوعية بضراوة مطلع الستينات، كان ثمرة جهد قام به ثلاثة زعماء كاثوليك هم:"الرئيس جون كينيدي والمستشار الالماني اديناور والرئيس الفرنسي شارل ديغول". وترى الصحيفة ان ما قاله البابا يلتقي مع الاساءات التي يوجهها جورج بوش لمشاعر المسلمين. خلال خطابه الاسبوعي الاخير شدد البابا على"احترامه العميق للديانات الكبرى التي يعبد افرادها إلهاً واحداً". وأكد رفضه للتعليقات السلبية الصادرة عن الامبراطور البيزنطي، مكرراً القول ان محتواها المثير للجدل لا يعبر عن قناعته الشخصية. ودعا الى حوار ايجابي بين الأديان، كالحوار الذي يشغله ايمان المسيحيين مع العقل المعاصر. ورأى الكثيرون في هذا الاعتراف العلني ان البابا اخرج الأزمة من دوامة المواجهة الكلامية، الأمر الذي قد يفتح الطريق أمام زيارته المتوقعة لتركيا علماً أن المسؤولين الاتراك اتهموه بالجهل العميق بالاسلام وبنبيه، وقرروا اجراء حوار معه حول الديانات التوحيدية، وكيف ان الاسلام لم يقم مسألة الايمان على القسر والاجبار، بل أرساها على احتمال الاختيار بدليل الآية التي تقول"لا إكراه في الدين". * كاتب وصحافي لبناني