ما من مناسبة تكلم خلالها الرئيس الفرنسي جاك شيراك منذ توقف العمليات الحربية في لبنان، إلا وطالب اسرائيل برفع الحصار عنه. الأمر نفسه ينطبق على وزير الخارجية الفرنسي فيليب دوست بلازي الذي زار لبنان اربع مرات متتالية وطالب اسرائيل باستمرار، برفع حصارها. وضم الأمين العام للأمم المتحدة كوفي انان صوته الى صوت السلطات الفرنسية مطلقاً الدعوة نفسها. فالحصار على لبنان الذي وصفه شيراك بأنه"غير مبرر"ويعاقب الاقتصاد اللبناني، هو عملياً حرب اسرائيلية مستمرة على لبنان. وأكد حاكم مصرف لبنان رياض سلامة ان الحصار"كارثة على لبنان لأنه يمنع الاقتصاد اللبناني من الحركة". فالجمود في الاقتصاد اللبناني نتيجة الحصار مرده الى إحجام المستهلك عن صرف المال، وغياب السائح أو الزائر عن لبنان، اضافة الى صعوبة تصدير الانتاج، علماً ان كلفة الانتاج ترتفع بسبب غلاء الطاقة. وبيروت تقليدياً، مركز خدمات ينبغي ان يشهد حركة دخول وخروج سهلة، إذ ان رجال الأعمال يتوجهون اعتيادياً ليوم أو يومين الى العاصمة اللبنانية لإنهاء عملهم، ولكن الحصار المفروض حالياً يحول دون قيامهم بذلك. اما الخسائر الناجمة عن ذلك، فهي مستمرة ومن الصعب تقدير حجمها في ظل استمرار الحصار. ويقوم المسؤولون الاقتصاديون، على سبيل المثال، خسارة شركة"طيران الشرق الأوسط"بحوالي 11 مليون دولار شهرياً، بعدما سجلت الشركة الوطنية أرباحاً خلال الشهور الستة الاخيرة وكانت على وشك توسيع اسطولها بشراء 4 طائرات جديدة. وها هي اسرائيل، تماماً كما تفعل في غزة تعاقب لبنان، بفرض الحصار عليه، وهذه حرب مستمرة على لبنان وخطيرة وتتطلب مقاومة وطنية. فتسليم المرافئ والمطار للجيش اللبناني وقوات"يونيفيل"، وعلى عكس ما يقوله"حزب الله"يضمن للبنان مطاراً آمناً لا مجال لإدخال الأسلحة عبره، أو نقل صواريخ على متن طائرات لبنانية، ويزيل ذريعة اسرائيل لفرض حصار قاتل. وصحيح ان القتال توقف وهذا أكثر إلحاحاً من اي أمر آخر، إلا ان الكارثة الاقتصادية المتفاقمة يوماً بعد يوم ستسبب هجرة متزايدة لشباب لبنان وإفراغاً للبلد من قوته العاملة والقادرة على انهاضه. وعلى الصعيد المالي، تمكن مصرف لبنان من الحفاظ على مستوى الميزانية نفسه الذي كان لديه في أوائل الحرب، فخسر القطاع المصرفي من ودائعه بحدود 3 في المئة، لكن جزءاً منها انتقل من المصارف اللبنانية الموجودة في لبنان الى فروعها في الخارج، وهذه ميزة يتحلى بها القطاع المصرفي اللبناني. أما الوديعة التي أتت من السعودية، وقيمتها بليون دولار لمدة خمس سنوات، و500 مليون دولار من الكويت، لمدة سنة، فقد تمكن لبنان من الحصول عليها بسرعة لأن مصرف لبنان أثبت جديته عندما سدد كل الودائع التي كان الرئيس الشهيد رفيق الحريري حصل عليها من السعودية. أما المساعدات المالية المرتقبة من السعودية على شكل منحة قدرها 500 مليون دولار، والمنحة الكويتية وقدرها 300 مليون دولار، فما زالت تنتظر تأسيس الحكومة اللبنانية لنوع من الصندوق الذي يؤمن شفافية على صعيد انفاق هذه المبالغ. ومن بين الطروحات التي قدمها حاكم مصرف لبنان رياض سلامة، انشاء صندوق، يتكون مجلس ادارته من أعضاء من الدول المانحة وتعين الحكومة رئيساً لمجلس ادارته ونائباً له، ويعمل على نمط مصرف يدفع ويتابع كيفية انفاق المدفوعات، مما يتيح للبنان الحصول على مساعدات أكبر، في ظل هذه الشفافية. ولبنان في حاجة الى تعبئة دولية وعربية مكثفة من أجل رفع الحصار عنه، لأن هذا الحصار هو حرب مستمرة عليه، ويحتاج الى قارر حكومي حازم يؤكد ان تسليم أمن المطار الى الجيش و"يونيفيل"هو مطلب لبناني، وليس مطلباً اسرائيلياً.