سيزان؟ انه الرسام الذي غير الفن التشكيلي كله مستخدماً بضع تفاحات وحبات برتقال وغطاء طاولة لا أكثر، من قال هذا؟ ربما آراغون في واحدة من قصائده. والحقيقة ان هذا القول الذي يبدو للوهلة الأولى مفعماً بالتهكم، ينطبق بصدق، على الأقل على مرحلة وسطى من مراحل تطور سيزان. المرحلة التي اهتم فيها اكثر ما اهتم برسم ما سمي بپ"الطبيعة الميتة". علماً أن ما صوّر في لوحاته هذه لا هو طبيعة خالصة، ولا هو موات خالص. هو في أغلب الأحيان فواكه وأوان جاء بها الرجل ورتبها فوق طاولة مسطحة. ثم نظر اليها ملياً... ليس لساعات فقط، بل حتى ليس لأيام وأسابيع. لأكثر من هذا في احيان كثيرة. ثم بعد ذلك أخذ يرسم محولاً ذلك كله الى مسطحات لونية ستكون هي - وكما سيقول آراغون - أهم مفاتيح تغيير صورة الفن واشكاله، إن لم يكن وظائفه في العالم الحديث". في اختصار يمكن ان نقول مع دارسي عمل سيزان انه امضى جزءاً اساسياً من ثمانينات القرن التاسع عشر وهو يطور اسلوبه الجديد وپ"الثوري"هذا، الاسلوب القائم على نوع جديد من تمثيل الاشياء في المكان، معيداً اختراع الطبيعة الميتة على اساس رسم المسطحات التي يعطيها عمقها فقط من طريق العناصر المكونة والتي يرتبها كما يروق له فوق المسطح. في ذلك النوع من اللوحات استخدم سيزان انواعاً عدة من الفواكه. لكنه في شكل عام فضل دائماً ان يستخدم التفاح والبرتقال. لماذا؟ بكل بساطة ليس بسبب مزايا جمالية او لونية خاصة فهو مثلاً حين كان يستخدم العنب او الدراقن... كان يشعر انه اكثر حرية في التلوين ورسم الظلال، وليس لأنه كان - هو شخصياً - ينقل مذاق هاتين الفاكهتين على غيره ويود ان يمجّد هذا التفضيل. كان يستخدم البرتقال والتفاح لأسباب عملية بحتة: هو كان شديد البطء في تنفيذ اعماله. كانت لوحة واحدة - مهما كانت بساطتها - تستغرقه فترة طويلة من الزمان. من هنا ان التفاح والبرتقال لا يفسدان بسرعة، كما حال غيرهما من الفواكه، كان رسامنا يفضل استخدامهما. رسم سيزان طوال تلك الفترة المتأخرة من حياته عدداً كبيراً من"لوحات الفواكه". او، في شكل اكثر تجديداً، اللوحات التي تشكل الفواكه عنصراً رئيساً في تركيبها. وهو عادة ما كان يشرك معها في اللوحة تماثيل او أواني أو أغطية ولوحات أو مرايا معلقة خلفها على الجدار. غير ان هذه العناصر الاضافية كانت ذات وظيفة محددة: تزيد من اظهار الفواكه كعنصر مهمته ملء المكان المسطح لاعطائه شكلاً غير منتظم، يشبه الطبيعة وقد اعاد الفنان تكوينها من جديد. من بين هذه اللوحات تكاد تكون تلك المسماة"فواكه"اقلها شهرة، ذلك انها موجودة ومنذ زمن بعيد في متحف الارميتاج، مثلها في ذلك مثل لوحات اخرى لسيزان كانت من املاك هواة روس اشتروها قبل الثورة. وسيزان رسم لوحة"فواكه"هذه بين 1879 و1882، ما يجعلها واحدة من اولى اللوحات التي نفذها في هذا السياق. وهي ? على اية حال ? تبدو غريبة بعض الشيء، من ناحية ألوانها كما من ناحية تكوينها. وكأنها، ببساطة هذا التكوين وبعده الهندسي، كانت اشبه بتمهيد للعدد الكبير من اللوحات المشابهة التي سيرسمها سيزان لاحقاً. منذ النظرة الاولى تبدو هذه اللوحة التي لا يزيد عرضها على 45 سم وارتفاعها على 45 سم، ليلية الطابع، من دون ان يعني هذا ان الضوء فيها اضأل من الضوء في اللوحات السيزانية المشباهة. كل ما في الامر ان اللون الازرق الذي يتسم به"الجدار"في خلفية اللوحة، والالوان الغامقة التي للطاولة المسطحة، ولبعض الحوائج الموضوعة في خلفية هذه الطاولة، ملقية ظلها على الجدار الخلفي، كل هذا يعطي انطباعاً ليلياً فورياً، حتى وإن كان صفاء الوان الفواكه، والغطاء الابيض المكوم والطاسة الموضوعة الى جانبه، كل هذا يشع ضياء غريباً يتناقض تماماً مع العتمة المخيمة في بقية انحاء اللوحة. يبدو الامر هنا وكأن الفنان، حين رتب المشهد ليرسمه، سلّط كمية مركزة من النور على العناصر الرئيسة التي اراد ابرازها، جاعلاً من الالوان الغامقة في الاماكن الاخرى، سبيلاً لزيادة هذا التركيز. والحال ان هذا يعطي اللوحة طابعاً مدرسياً، غير عفوي، علماً أن نوعاً من العفوية ? التي يمكننا ان نفهم بعد كل شيء ان الفنان رتبها في شكل مقصود ? هو الذي يعطي بقية لوحات هذه السلسلة بعدها الابداعي. ومع هذا يجب ان نبادر الى القول ان"انتظامية"هذه اللوحة لا تقلل من قيمتها، ولا من حجم اجتذابها لعين المتفرج لتتفاعل معها. بخاصة ان سيزان، الذي عرف باشتغاله الدقيق على ترتيب الاشياء في"ميزانسين"يعمل عليه فترة طويلة من الزمن، جاور هنا بين"فوضى"كومة غطاء الطاولة الابيض، وانتظامية الكرات الملونة التي تشكلها الفواكه، ما يضفي على الغطاء طابعاً شديد الالتباس ويدفع المشاهد الى التساؤل عن الدور المطلوب منه ان يلعبه، طالما انه لم يعد هنا غطاء للطاولة او ارضية ترصف الفواكه عليها. مهما يكن، مع فنان مثل سيزان، لعب دائماً لمصلحة البعد البصري من دون اهتمام كبير بالتفسير، لا يعود طرح السؤال عن مثل هذا الامر مناسباً، طالما ان عظاء الطاولة يبدو هنا مكلفاً بالمهمة نفسها التي كلف بها سيزان تمثال الحب في لوحة"طبيعة ميتة مع الحب مصنوعاً من الجص"1895، والاواني والزجاجات في شكل عام في العديد من لوحات الفواكه... ونعني بها مهمة قطع السياق الانتظام للوحة تضم في الاساس اشياء منظمة الشكل واللون بحيث من الصعب ان تفاجئ العين مهما كان من شأن وضعها الى جوار بعضها البعض. كل هذا لتقول ان الاساس في مثل هذه اللوحة، لدى سيزان، انما هو خلق التفاوت والعلاقات التي تقول انتظامية الطبيعة ولا انتظاميتها في آن معاً. فالرسام يعرف هنا انه مهما تعرف واعطى الاشياء المرسومة حرية وجودها في المكان، سيظل من الواضع ان هذه الحرية محدودة، ومن هنا نراه يخلق عنصراً غير منتظم - بل غير مبرر الوجود احياناً - ينسف فيه ذلك الحد من الحرية. وفي الاحوال كافة، قد يظل هذا التفسير افتراضياً، طالما اننا، مع فنان من طينة سيزان، نعرف ان الشحنة العاطفية الرئيسة تظل مرتبطة في خلق الشعور لدى المشاهد بأن ما يراه هنا انما هو الطبيعة وقد ساهم الفنان في اعادة ترتيبها الى جانب اشياء لا تنتمي اصلاً الى الطبيعة. اذا كانت مرحلة لوحات الفواكه هذه تعتبر الاشهر بين مراحل فن بول سيزان 1839-1906 المتعاقبة، وسبقت رحيله باقل من عقد ونصف العقد من السنين، فإن في مسار هذا الفنان الاستثنائي مراحل عدة اخرى، تتجمع كلها لتجعل منه - حتى وإن اعتبر احياناً خارج كل تصنيف - واحداً من كبار مبدعي الحداثة التشكيلية في تاريخ الفن. ومع هذا لم يكن ثمة ما يشير في صبا سيزان الى انه سيصبح رساماً. أبوه كان يريد له ان يكون مثله مصرفياً، لكنه ناضل بضراوة ضد أبيه. وبالتالي صار النضال سمة اساسية من سمات سيرته وفنه. وهو في نضاله هذا، من اجل الفن، من اجل الالوان، من اجل ادخال الفن في الطبيعة والطبيعة في الفن، كان دائماً وحيداً ضارياً، على رغم صداقته الطويلة مع اميل زولا، وعلى رغم ارتباطه طوال سنوات من حياته بالفنان بيسار والذي مارس عليه، وعلى علاقته الريفية بالطبيعة تأثيرات حاسمة. رسم سيزان طوال حياته وجوهاً بشرية، واناساً ريفيين، واطفالاً يسبحون عند ضفاف الانهار، ومشاهد عامة للطبيعة، ومع هذا كله يظل استخدامه للفواكه،من اشهر انجازاته في تاريخ الفن الحديث، الذي يعتبر، هو، اباه الشرعي من دون منازع.