إذا كان بإمكان الحزب الديموقراطي في الولاياتالمتحدة، في حال استجمع قواه وأعاد توضيح مواقفه وأظهر نفسه بمظهر المعني بشؤون الأوساط التي تميل إلى تأييده وحسم أمره بين التقدمية الخجولة والوسطية المفترضة، وفي حال ارتكب خصمه الجمهوري ما يكفي من الأخطاء، إذا كان بإمكانه استعادة ما كان له يوماً في السلطتين التشريعية والتنفيذية من حضور ومكانة ونفوذ، فإن السلطة القضائية سوف تبقى في المستقبل المنظور مصبوغة بالصبغة المحافظة التي اختارها لها الجمهوريون، وذلك من خلال إحكام الحضور المحافظ في المحكمة العليا، رأس الهرم للسلطة القضائية والمرجع الأخير في تفسير الدستور والرقيب على تقييد السلطتين التشريعية والتنفيذية به. تتألف المحكمة العليا من تسعة قضاة، يرشّح كلاً منهم رئيس الولاياتالمتحدة، ويثبته في منصبه مجلس الشيوخ في الكونغرس. ويبقى أعضاء المحكمة في مناصبهم مدى الحياة أو إلى حين استقالتهم أو إقالتهم نتيجة مساءلة من السلطة التشريعية. إلا أن هذه المساءلة لم تحصل قط في تاريخ الولاياتالمتحدة. والمهمة الرئيسية للمحكمة هي الفصل في القضايا والدعاوى التي استنفدت الاستئناف والتمييز في الهرمية العدلية للبلاد. وتكتسب المحكمة العليا طابع الرقيب على السلطتين التنفيذية والتشريعية من خلال البت بالقضايا التي ترفعها مختلف الجهات والأوساط اعتراضاً على تطبيق السلطة التنفيذية لما أقرته السلطة التشريعية من أحكام وقوانين عرضة للجدل من حيث دستوريتها. ويلاحظ هنا أن نص الدستور الأميركي، بالمقارنة مع سائر الدساتير العالمية، مختصر يفسح المجال للتفسير والتأويل وفق نظريات وتوجهات عدلية متباينة. فالتوجه الفكري والقناعات المنهجية لقضاة المحكمة العليا هي، إذاً، ذات تأثير حاسم على المنحى العام للتفاعل مع الإطار الدستوري المقيد للحياة السياسية والاجتماعية في الولاياتالمتحدة. فالمحكمة العليا هي التي مكنّت حركة الحقوق المدنية في منتصف القرن الماضي من كسر الطوق المؤسساتي، لا سيما في الولايات الجنوبية، هو الذي قيّد المواطنين ذوي الأصول الأفريقية وفرض عليهم عزلاً عرقياً على مختلف الأصعدة. والمحكمة العليا هي كذلك التي أقرّت حق النساء بالإجهاض عام 1973، انطلاقاً من قراءتها للحق الدستوري بالخصوصية. والجدير بالذكر أن هذا الحق ليس منصوصاً عليه صراحة في الدستور، فالاعتماد عليه وتغليبه على اعتبارات أخرى أثار اعتراضاً ما زال مستمراً في أوساط المعارضين للحق بالإجهاض وأطلق زخماً حول ضرورة العمل على إبطال هذا القرار. ولا يكون هذا الإبطال إلا من خلال قرار آخر للحكمة العليا، وهو تحديداً ما يسعى إليه المحافظون وينفذه الجمهوريون. والواقع أن قضية الحق بالإجهاض، كمثال للتوجه العام للمحكمة وكاختزال للمواجهة الثقافية الاجتماعية في الولاياتالمتحدة، هي القضية المعيارية التي يصطف إزاءها الوسطان المحافظ والتقدمي، والتي يعمل على استثمارها انتخابياً كل من الحزبين الجمهوري والديموقراطي. ذلك أن الموقف تجاه الحق بالإجهاض يختصر الخلاف بين توجهين ثقافيين وأخلاقيين في المجتمع الأميركي، أحدهما، وهو التقدمي، يشدد على الأساس الشخصي للحرية والمسؤولية، والآخر، وهو المحافظ، يدرج الحرية الشخصية في إطار المسؤولية الاجتماعية التي تحددها القيم التقليدية. فرغم أن تأثير المحكمة العليا يتعدى بطبيعة الحال موضوع الحق بالإجهاض أو إبطاله، فإن المواقف بشأن القضاة المرشحين عند أي شغور في المحكمة العليا تنبني على الدور المرتقب للقاضي المرشح في قضايا الإجهاض التي سوف تنظر فيها المحكمة العليا. واقع الحال أن تبدد نفوذ الحزب الديموقراطي في العقدين الماضيين قد انعكس على المحكمة العليا، من خلال تعيينات القضاة الجدد فيها، توجهاً نحو المحافظة. فحتى الرئيس السابق بيل كلينتون، والذي أتيحت له خلال عهده فرصة تعيين اثنين من أعضاء المحكمة، كان لا بد له من اختيار أقل القضاة التقدميين إثارة للاعتراض في أوساط المحافظين، وهما روث بادر غينسبرغ وستين براير، وذلك لضمان تعيينهما وللاحتفاظ بطرح الوسطية الذي حاول كلينتون إرساءه في حزبه. والاختلاف بالصورة في هذا الشأن بين بيل كلينتون وجورج دبليو بوش هو تعبير صالح عن الفرق بين المنحى العام لكل من الحزبين الديموقراطي والجمهوري. فبدلاً من سياسة الإرضاء والاسترضاء التي كان هدفها السير بكلينتون والديموقراطيين نحو الوسط الموعود، فإن موقف بوش، رغم تأكيده أنه ليس معنياً بأية قضية معيارية، هو السعي إلى تعيين قضاة يعبرون عن الموقف الأخلاقي والفكري العام في البلاد، أي برأيه الموقف المحافظ. وكما كلينتون، فإن الفرصة قد أتيحت لبوش بتعيين قاضيين للمحكمة العليا، ولكن على خلافه، فإن بوش لم يسع إلى وسطية تبدد توجهه الفكري، بل اختار في الحالتين رجلاً هو صاحب كفاءة مشهودة في القضاء تلغي إمكانية الاعتراض عليه لأسباب فنية، فيما هو في الوقت نفسه ذو توجه محافظ مؤكد يزيد من نقل مركز الثقل في المحكمة العليا باتجاه القراءة المحافظة للدستور. وإذا كان الديموقراطيون قد سمحوا لبوش بتعيين جون روبرتس رئيساً للمحكمة العليا، بعد وفاة رئيسها حينئذٍ وليام رانكويست، من دون معركة حقيقية في مجلس الشيوخ على أمل أن اختياره لمن يخلف ساندرا داي أوكونور التي أعلنت عن عزمها على التقاعد، سوف يكون أكثر توافقية واعتدالاً، فإنهم دون شك قد أخطأوا. فخيار بوش قد رسا على صموئيل آليتو، وهو في معظم الشؤون التي تعني الديموقراطيين قريب من روبرتس ومتأصل في الخط المحافظ الذي لا بد أن تعتنقه المحكمة العليا لأمد طويل، نظراً إلى الصغر النسبي لسن كل من روبرتس وآليتو إذ هما على التوالي من مواليد 1955 و1950. وفي حين أن موضوع الإجهاض، والذي أبدى حوله آليتو في الحالات التي حكم فيها ميلاً واضحاً إلى التقييد والتحديد، يبقى في طليعة المواضيع التي من شأن آليتو التأثير عليها، فإنه كذلك يأتي إلى المحكمة ليدعم توجها لدى بعض أعضائها يحبّذ السلطة التنفيذية في ميزان الرقابة المتبادل بينها وبين السلطة التشريعية، وذلك من خلال اعتناقه مفهوم"أحادية السلطة التنفيذية"الذي يعتبر مساءلة الرئيس في ممارسته لمسؤوليته في مختلف أوجه السلطة التنفيذية تجاوزاً لحقه الدستوري الأصلي، وذلك على الخلاف من الميل المتراكم منذ الحقبة التأسيسية للولايات المتحدة لإدخال وسائل مساءلة إضافية تتولاها السلطة التشريعية تناسباً مع اتساع نطاق عمل السلطة التنفيذية. وفي حين يعتبر بعض أعضاء مجلس الشيوخ من الديموقراطيين أن هذا الجانب من فكر آليتو ينطوي على قدر من الخطورة، فإن زملاءهم الجمهوريين يؤكدون أن الموضوع لا يتعدى الإثارة الهادفة إلى عرقلة التعيين. وحتى إذا كان اعتراض الشيوخ الديموقراطيين على اعتناق آليتو لمفهوم أحادية السلطة التنفيذية شكلياً، فإن محاورتهم له قد أفصحت كذلك عن رفضه استعمال التشريعات الدولية، آنطلاقاً من قناعته بأن الموروث العدلي الأميركي متكامل ولا يحتاج إلى العودة إلى فقه الآخرين. وليس هذا الموقف بحد ذاته مثيراً للاستغراب في الولايات المتحد، حيث الاعتقاد عام بأن المعايير الأميركية هي مصدر الإيجابيات في التشريعات الدولية. لكن صراحة آليتو في التعبير عن قناعته هذه قد تشير إلى انطوائية أميركية لديه ربما من شأنها أن توظف لصالح المزيد من التقييد لحقوق غير الأميركيين وامتيازاتهم في إطار الحرب التي أعلنتها الحكومة الأميركية على الإرهاب. ورغم أن الديموقراطيين يميلون إلى تعقيد تثبيت آليتو، أو حتى إفشاله عبر ممارسات إجرائية في مجلس الشيوخ، فإن معركتهم هذه متأخرة. وإحكام المحافظين سيطرتهم على المحكمة العليا قد تمّ لتوّه.