الفرصة متاحة أمام الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش لتكريس الانتصار للتيار المحافظ المهيمن لتوّه على الحزب الجمهوري وعلى الحياة السياسية في الولاياتالمتحدة. تأتي هذه الفرصة نتيجة لإعلان القاضية ساندرا داي أوكونور، العضو في المحكمة الدستورية العليا، عن قرارها الاستقالة والتقاعد، ونتيجة لتوقع استقالة القاضي وليام رانكويست، رئيس المحكمة المتقدم بالسن، والذي يعاني من المرض. تشكل المحكمة رأس هرم السلطة القضائية الاتحادية، وتضم تسعة قضاة مدة خدمتهم مدى الحياة يرشحهم الرئيس عند الشغور نتيجة للوفاة أو التقاعد الطوعي، على أن يتم تثبيتهم في تصويت بالأغلبية في مجلس الشيوخ. ومهمة هذه المحكمة النظر في القضايا المرفوعة إليها والبت فيها من وجهة نظر توافقها مع الدستور. وفي حين يبلغ عدد القضايا المقدمة إليها قرابة السبعة آلاف سنوياً، فإن فرزها لجانب اختصاص المحكمة وصلاحيتها يختصر عدد تلك التي يجري النظر فيها فعلياً إلى حوالي المئة، وتصدر المحكمة قراراتها بما بين ثمانين وتسعين من هذه. وقرارات المحكمة غير قابلة للنقض أو الاستئناف، فهي تشكل القول الفصل في الشأن القضائي، وأحياناً السياسي والاجتماعي، في الولاياتالمتحدة. والنظرية الدستورية الأميركية تقوم على مبدأ فصل السلطة القضائية عن القرار السياسي وتحصر المحكمة العليا بدور الرقيب على سلامة الانصياع للنص الدستوري. إلا أن الطابع المختزل عمداً لهذا النص يجعل من التأويل في تفسيره والحكم في توافق التشريعات والأحكام القضائية الأدنى معه ضرورة حتمية. لذلك، فإن التوجه العام للمحكمة العليا منذ تأسيسها في العقد الأخير من القرن الثامن عشر بقي عرضة للتبدل مع تداول القضاة الأعضاء فيها. فإذا اتسم هذا التوجه في القرن التاسع عشر بجنوح إلى المحافظة، فإن القرن العشرين شهد عدداً من القرارات الصادرة أدت إلى تعزيز حركة الحقوق المدنية ودعم التيار التقدمي في التأطير السياسي والاجتماعي. وإذا كانت المواجهة الثقافية بين جنوح إلى المحافظة، وسعي إلى التقدم، هي من صلب الحياة الإنسانية، فإن نصف القرن الماضي شهد تصعيداً لهذه المواجهة إلى حد وصف البعض لها بأنها حرب أهلية ثقافية أميركية. فقد شهدت الولاياتالمتحدة خلال هذه الفترة تحولات موضوعية جسيمة، سواء على المستوى السكاني مع بروز جيل ما بعد الحرب العالمية الثانية والذي بلغ عدداً وازدهاراً مستويات لا سابق لها، أو الاقتصادي والسياسي مع تصاعد الأهمية والدور العالميين للولايات المتحدة خلال الحرب الباردة وتوابعها الساخنة، لا سيما فييتنام، ثم في أعقاب انهيار الخصم السو÷ياتي وتبوأ الولاياتالمتحدة منصب القوة العظمى الوحيدة في العالم، وصولاً إلى اعتداءات 11 أيلول. وقد واكبت المحكمة الدستورية هذه التطورات، بل ساهمت فيها بشكل حاسم، وإن خارج الواجهة السياسية. فقرار المحكمة عام 1954 بإبطال الفصل العرقي في المدارس كان أحد الأسس لتعزيز حركة الحقوق المدنية، وإقرارها عام 1973 بأساس دستوري لحق النساء بالإجهاض ساهم بفرز عقائدي اجتماعي يكاد أن يكون الأكثر حدة في تاريخ البلاد. وقد برز البعد السياسي لأهمية المحكمة العليا عام 2000 حين أنهت السجال الانتخابي بين المرشحين الجمهوري والديموقراطي بوش وآل غور حول سير العملية الانتخابية في فلوريدا بشكل مكّن الأول من الفوز. والواقع أن الركون لقرار المحكمة في المسألة الانتخابية، رغم اعتراض البعض عليه نظرياً، كان شاهداً على رسوخ الممارسة السياسية المؤسساتية في الولاياتالمتحدة، لكنه كان أيضاً تأكيداً للرأي الراسخ، في الأوساط الجمهورية كما الديموقراطية، حول الأهمية القصوى للمحكمة في المرحلة التالية من المواجهة بين التيارين المحافظ والليبرالي التقدمي. والمقولة المحافظة هي أن المحكمة كانت في العقود الماضية أداة بيد الليبرليين لفرض برنامج اجتماعي ثقافي متطرف، فالهدف في المرحلة التالية هو تحريرها من العقائدية الغريبة عن صلب الثقافة والقيم الأميركية عبر اختيار قضاة من المذهب التركيبي القائم على النص والسوابق لا الآراء والأهواء. أما المقولة التقدمية فهي أن المحافظين، بعد نجاحهم في توظيف المخاوف من الأعداء الخارجيين لتحقيق مكاسب في السلطتين التشريعية والتنفيذية، يسعون إلى استكمال برنامجهم العقائدي بأوجهه التعسفية والغيبية عبر تعيين قضاة للمحكمة الدستورية العليا يدكون مكسب حركة الحقوق المدنية. ولا شك أن الموضوع الرئيسي الذي يشكل خط التماس والمواجهة بين الطرفين هو موضوع الحق بالإجهاض. والواقع أن الرأي السائد حول الدور القاطع للمحكمة قد ينطوي على قدر من المبالغة. ذلك أن دورها تاريخياً كان في التعبير والتأطير لواقع الحال الثقافي والاجتماعي والسياسي أكثر مما في صياغته. فالأسلوب المتبع في اختيار أعضاء المحكمة، من السلطة التنفيذية مع تصديق من التشريعية، يضمن على المدى البعيد الاستقلالية والحيادية إزاء المطاحنات السياسية، لكنه في الوقت نفسه يلوّن المحكمة باللون الطاغي فكرياً وعقائديا في كل مرحلة. يذكر هنا أن التركيبة الحالية للمحكمة، أي قبل استقالة أوكونور، كانت شبه مناصفة بين التوجهين التقدمي والمحافظ، ذلك أن أصوات أربعة من التسعة الأعضاء كانت تميل إلى الرأي التقدمي، وأصوات أربعة آخرين إلى الرأي المحافظ، مع أوكونور نفسها غالباً في موقع الترجيح وفق القضية لهذا الجانب أو ذاك. فذهابها، والاختيار المرتقب للرئيس بوش لقاضٍ ذي ميول محافظة، لا شك سوف يرجح كفة الرأي المحافظ. وقد عمدت الشخصيات والمنظمات التقدمية استباقاً إلى هجوم إعلامي يهدف إلى عرقلة الرئيس في اختياره. والواقع أن الأسماء المطروحة كبدائل عديدة، إلا أن جميع المرشحين متشابهون من حيث التوجه الفكري في اعتبارهم أن المحكمة جنحت في المرحلة الماضية إلى مواقف نابعة من قناعات عقائدية في بعض الأحيان على حساب الالتزام الصارم بالنص الدستوري. فإذا ارتأى بوش الاحتفاظ بمقعد أوكونور لشخصية نسائية، فاختياره قد يرسو على القاضية جانيس براون التي سبق أن اعترضت على تطاول المحكمة العليا على الأصول وتهكمت على أسلوب عمل القضاة فيها واصفة إياهم بأنهم"حكماء ملوك"، أو على القاضية إيديث جونس التي اشتكت من تبديد الثوابت التقليدية في قرارات المحكمة. أما إذا قرر بوش اختيار قاضٍ بدلاً من قاضية، فالحديث أن وزير العدل الحالي ألبرتو غونزالس قد يكون الخيار، وإذا تحقق ذلك يكون سابقة في تعيين شخصية هيسبانية، أي من أصول أميركية لاتينية لعضوية المحكمة. ويذكر أن غونزالس، والذي يعيبه بعض المحافظين الاجتماعيين على ليونته في المسائل الخلافية كالإجهاض والمثلية، هو صاحب التأطير القانوني لاستثناء المقاتلين المعادين للولايات المتحدة في الحرب على الإرهاب كما في الحرب في العراق من الأعراف والاتفاقيات المعتمدة دولياً بشأن معاملة أسرى الحرب. فرغم النقد الصادر عن بعض الشخصيات الديموقراطية والتقدمية والليبرالية لهذا التأطير الذي كان الأساس في تبربر معتقل غوانتانامو وغيره من أشكال التعسف في السلوك الرسمي الأميركي، فإن غونزالس مهيأ لمواجهة هجوم أقل شراسة من غيره من قبل الديموقراطيين في مجلس الشيوخ، وذلك لتغليب هؤلاء للاعتبارات الداخلية. والواقع أن قدرة الديموقراطيين على تحدي اختيار بوش تبقى محدودة، بل تكاد أن تقتصر على المناورات الاجرائية التي يتيحها النظام الداخلي لمجلس الشيوخ، وذلك لاحتفاظ الجمهوريين بالأكثرية المطلقة فيه. وأمام التراجع المتواصل للحزب الديموقراطي وللتوجه التقدمي، وذلك منذ قرابة ثلاثة عقود، فإن هذه المناورات قد تكون بالفعل آخر معاقل التأثير للديموقراطيين. ورغم الطبيعة الهشة لأي انتصار عقائدي في المجتمع الأميركي، وذلك لرسوخ التعددية وأدوات التوازن والرقابة المتبادلة، فإن استقالة أوكونور هي اليوم استكمال للانتصار المحافظ. وبانتظار بحث جدي عن الذات ومواطن الخلل في الطرح والاستقطاب، فإن رجاء الديموقراطيين يقتصر اليوم وحسب على حدوث أهون الشرور.