إذا استثنينا الشخصيات الأسطورية، او شبه الأسطورية، مثل الشاعرة سافو وفيدرا وميديا، نلاحظ ان ليس ثمة في تاريخ شخصيات العالم النسائية، شخصية أثارت اهتمام الكتّاب والمؤرخين والفنانين، قدر ما اثارته شخصية كليوباترا، ملكة مصر البطلمية أي المنتمية الى تلك السلالة يونانية الأصل التي حكمت مصر خلال الفترة بين حكم الأسر الفرعونية، والحكم العربي - الإسلامي. فمنذ أقدم العصور، وقبل مسرحية شكسبير الشهيرة بزمن طويل، كانت هناك قصائد ولوحات وروايات ومسرحيات تتحدث عن ملكة الاسكندرية وفاتنتها، وحتى اليوم، بعد مسرحية احمد شوقي بزمن طويل ايضاً لا تزال هذه الشخصية الساحرة الغامضة تثير خيال اهل الفن والأدب، خصوصاً ان فن السينما، ومن بعده فن الدراما التلفزيونية التاريخية، ورثا الشخصية ليمعنا فيها تصويراً وإبداعاً. ليس من السهل طبعاً، تفسير هذه الشغف الجماعي بملكة تروي حكايات عن انفها وقصر قامتها، وسلوكها، ويصل كتّاب كثر الى حد الحديث الصريح عن قبحها، فيما يمجد آخرون جمالها... وبين هؤلاء وأولئك كل الذين شغفوا بحكايتها مع مارك انطوني... وحكاية اسرها، والأفعى القاتلة، مما حوّل الشخصية والحكاية، في نهاية الأمر، الى شيء يشبه الأسطورة الى درجة ان كليوباترا لو بعثت اليوم حية لعجزت تماماً عن التعرف إلى نفسها. مهماً يكن فإن هذا الأمر الأخير لا يبدو لنا مهماً، طالما اننا نعرف ان الأسطورة تمتزج دائماً بالتاريخ وتفقد تميزها عنه، ما ان تصبح جزءاً من الميراث الحكائي، وملكاً للذاكرة الجماعية. وحال كليوباترا لا تشذ عن القاعدة. ومن هنا صار من النادر تداول أي نص تاريخي حقيقي وموثق عن كليوباترا، في الوقت الذي يمتلك فيه تاريخ الثقافة - فناً وأدباً - مئات الأعمال الشيقة الممتعة والتي عقد لواء البطولة فيها لتلك السيدة. في هذا الإطار، ليس من السهولة بمكان التوقف عند عمل بعينه للقول انه الأفضل أو الأكثر وفاء لصورة كليوباترا حتى ولو كانت صورتها المتخيلة بصورة عامة. وليس من السهولة بمكان ايضاً، تصور ذلك السر الخفي الذي يجتذب كل تلك الطوابير من المبدعين ليمجدوا البطلة أو يحطموها... والأدهى من هذا ان ليس من السهولة - ايضاً - بمكان معرفة لماذا، وأمر كليوباترا على هذا النحو، حقق اضخم فيلم عنها في تاريخ السينما، وهو ذاك الذي اخرجه جوزف مانكفتش في العام 1961 من بطولة اليزابيث تايلور وريتشارد بورتن، افدح خسارة مني بها فيلم سينمائي في تاريخ الفن السابع حتى ذلك الحين. في المقابل، من السهل دائماً الإتيان على ذكر تفاصيل بعض اجمل وأقوى ما أنتجته مخيلات المبدعين حول الملكة البطلمية منذ استحواذ الذاكرة الشعبية على حكايتها. ومن بين هذه الأعمال، نص فائق الجمال والأهمية ? من المؤسف انه منسي بعض الشيء الآن - كتبه اديب فرنسا تيوفيل غوتييه بعنوان"ليلة من ليالي كليوباترا"واعتبر دائماً حلقة من سلسلة نصوصه المعروفة باسم"حكايات آركيولوجية". ونعرف ان جزءاً اساسياً من هذه الحكايات كتب عن مصر التي زارها غوتييه وكتب عنها نصوصاً في أدب الرحلات وقطعاً ابداعية، وكان من اشهرها طبعاً رواية"المومياء"التي اطلقت في حينها مناخاً حافلاً من الاهتمام الفرنسي والأوروبي بتاريخ مصر القديم. "ليلة من ليالي كليوباترا"التي تُعرف ايضاً في عالم الدراسات النقدية الأكاديمية بكونها اطلقت نوعاً ادبياً قائماً في ذاته هو نوع"الرواية الآركيولوجية"كتبها غوتييه ونشرها في العام 1845، في وقت كان الهوس الفرنسي بكل ما له علاقة بالشرق قد وصل الى ذروته. وهي اتت على اي حال، مختلفة الى حد كبير عن معظم ما كان غوتييه كتبه في هذا الإطار حينها. فهو كان اعتاد في نصوصه، القصصية خصوصاً، ان يقدم حبكة بسيطة، في مقابل تعقيد في الأجواء المكانية والزمانية، وتعقيد في سلوك ودوافع الشخصيات. لكنه هذه المرة نحا منحى آخر: آثر ان يقدم حبكة متشابكة تبدو اجواؤها كالمتاهة، بحيث تتقاطع الشخصيات وتتوالى، ولكن دائماً من حول الشخصية المحورية كليوباترا أو بالأحرى من حول الشخصيتين المحوريتين هي ومارك انطوني. تدور الحكاية هنا، اذاً، انطلاقاً من شخصية بعيدة كل البعد، من عالم الملكة هي شخصية الشاب ميامون ويبدو ان هذا الشكل للاسم هو تحريف لاسم ميمون. وميامون هذا شاب فقير بائس ونكرة، غير انه ابدى من الشجاعة وحسن البديهة خلال رحلة كانت الملكة كليوباترا تقوم بها على طول نهر النيل، بحيث لفت نظرها حقاً وأثار اهتمامها، الى درجة انها قررت ان تسبغ عليه نعمة الدنو منها: وعدته بأن في امكانه ان يمضي ليلة حب معها، إن هو استجاب الى شرط واحد تشترطه عليه: في صباح اليوم التالي يكون الموت قتلاً مكافأته او جزاءه على جرأته ودنوه من الملكة. ويقبل الفتى الخضوع لذلك الشرط في مقابل تلك الليلة التي تمنحه اياها الملكة. وبالفعل في صباح اليوم التالي يقتل ميامون، في الوقت نفسه الذي يصل فيه مارك انطوني بجيوشه وفرسانه الى المكان. وهو حين يدخل قصر الملكة يرفض حتى إلقاء نظرة تأسٍّ على جثة ذلك الشاب المقدام. حسناً، هذا كل ما تحيكه هذه الرواية القصيرة المفبركة طبعاً، من جانب كاتب تأثر كثيراً بقراءته لحكايات الف ليلة وليلة، وحكاية شهرزاد مع شهريار، ما جعله يوظف العنصر الأساس: الحب مقابل الموت، في هذا الحديث عن الملكة الفاتنة. لكن المهم هنا ليس فبركة الحدث واختراع الشخصيات، بل الكيفية التي صاغ بها غوتييه موضوعه، والصورة التي شاء، من خلال ذلك الموضوع، رسمها لكليوباترا. والأهم من هذا ايضاً رسمه للعلاقة بين هذه، ومارك انطوني، في ذروة وصلت الى مرماها من خلال موقف هذا الأخير من جثة"منافسه"المصري الشاب. ومن خلال هذا الموضوع، عرف غوتييه على اي حال، كيف يعزز طاقة خياله البصري. ذلك ان جزءاً كبيراً من جمال هذه الرواية يكمن في التفاصيل، لا سيما التفاصيل الخيالية الساحرة التي بها رسم الكاتب المكان، ذلك ان وصفه لسحر الأماكن والبراري والحدائق، وتوقفه عند هندسة المعابد القديمة، وتفاصيل تصويره لقصر الملكة، ثم خصوصاً، وصفه الطويل والمفتون لجمال كليوباترا ودهائها وقسوتها، كل هذا - بحسب دارسي اعمال غوتييه - يملأ"صفحات بأسرها، ليس في شكل لغة روائية فقط، بل في شكل تدقيق اكاديمي، اذ ان"بعض الصفحات يمكن ان تستخدم كنصوص علمية ? تاريخية خالصة". فإذا اضفنا الى هذا، اشتغال مخيلة غوتييه على غرائبية الأسماء وتفاصيل سلوك الشخصيات في تمازج تام مع حركية المجتمع وحركية خلفياتها الاجتماعية، يصبح لدينا عمل فريد من نوعه يمزج التاريخ بالخيال بلغة الفن، من دون ان يعرف القارئ اين يبدأ هذا او ينتهي ذاك. وريادة غوتييه في هذا المجال يؤكدها اهتمام الباحثين - في تاريخ الأدب الفرنسي الرومانطيقي ابن القرن التاسع عشر - بواقع ان هذه الرواية انما كانت المثال الذي احتذاه عدد كبير من كتّاب فرنسا اللاحقين على زمن تيوفيل غوتييه 1811 - 1872 او المعاصرين له، من امثال غوستاف فلوبير في"سالامبو" وأناتول فرانس في"تاييس" ثم بيار لويس في روايته الأكثر حداثة "افروديت".