في بعض الأحيان يحدث لنص الكاتب الفرنسي تيوفيل غوتييه المسمى "رواية المومياء" ان يعامل بصفته رواية رعب. بل ان السينما حين حولته الى فيلم: تبدى فيلم رعب حقيقياً. ومع هذا من الصعب التسليم بأن هذا البعد هو الأساسي في نص كتب قبل قرن ونصف القرن من الآن، وحرّك مخيلات ملايين القراء وأعاد الاعتبار لما كان يسمى منذ ذلك الحين "الهوس بكل ما هو مصري قديم في فرنسا وفي غيرها" على حد تعبير الكاتب والصحافي الفرنسي المعاصر جان لاكوتور. والحقيقة انه على رغم سبق الاستشراق لصدور "رواية المومياء" بعقود بل بقرون من السنين، لا سيما ذاك الذي كان يركز على مصر وتاريخها القديم والمعاصر، فإن رواية تيوفيل غوتييه اعادت إحياء ذاكرة الفرنسيين والأوروبيين "المصرية". إذاً، حتى ولو لم يكن تيوفيل غوتييه مخترع النوع، فإنه كان من اعاده الى الحياة وأسبغ عليه ابعاداً جديدة، ليصبح عملاً متعدد الأبعاد. والحال ان "رواية المومياء" عمل لا ينبغي ان يُقرأ كما اعتيدت قراءته: رواية عن القبور الفرعونية وعن الرعب الذي يزامن اكتشافها ولغتها وما شابه. وربما كان القسم الأول من الرواية يقترب من هذا، ولكن من المؤكد ان القسم الثاني يبتعد تماماً عن ذلك المناخ الجنائزي، ليصبح متراوحاً بين ان يكون نصاً تاريخياً، وأن يكون حكاية غرام حقيقية رومانسية وفاتنة. في القسم الأول من "رواية المومياء" نجد انفسنا في مصر المعاصرة اي اواسط القرن التاسع عشر، ولورد انكليزي شاب هاو للآثار، يرافقه عالم ألماني. والرواية تقدم لنا بعد وصف دقيق ومفصل لقبر فرعوني - استوحاه الكاتب من قبر سيتي الأول، احد اشهر ملوك الأسرة الفرعونية التاسعة عشرة، التي حكمت مصر خلال القرن الثالث عشر قبل المسيح. هذان العالمان، وهما في صدد اكتشاف القبر، وإذ يفتح امامهما، يجدان نفسيهما في حضرة جثمان محفوظ في شكل ممتاز. ويتبين بسرعة ان الجثمان هو لفتاة في روعة صباها. ويجد الرجلان نصاً مكتوباً على ورق البردى، مع الفتاة في قبرها يقوم العالم الألماني بترجمة النص بسرعة، فإذا به يحتوي حكاية هذه الفتاة وحكاية موتها. هذه الحكاية التي تشكل القسم الثاني من "رواية المومياء" هي التي تجعل اللورد الإنكليزي الشاب يقع في هوى صاحبة الجثمان، فيعيش هاجسها وحياتها كعاشق لامرأة ميتة. ميتة؟ بالأحرى حية، لأن كل ما في رواية تيوفيل غوتييه هذه، يعمل على اعادة الفتاة الى الحياة. الفتاة تدعى تاهوسر، وهي ابنة واحد من كبار الكهنة في مصر في ذلك الزمان. وكان يمكن لتاهوسر هذه ان تعيش حياتها في شكل عادي وتموت وتُنسى لولا انها عاشت قبل موتها غراماً ملتهباً مع شاب عبري يدعى بويري. وهي لم تتمكن من الدنو من هذا الشاب، بسبب التقاليد التي لا تسمح لابنة كاهن فرعوني بمخالطة شاب من غير دينها، إلا بفضل تنكرها في زي امرأة فقيرة من عامة الشعب. غير ان الفرعون سرعان ما يخطف الفتاة ويسجنها في قصره. وهناك، في القصر تشهد تاهوسر بأم عينها، ذلك الصراع العنيف والمجابهة اللفظية بين الفرعون وموسى العجوز الذي قصد سيد البلاد لكي يسأله ان يأذن للعبرانيين بالرحيل عن مصر. وتتلو هذا المشهد فصول عدة، ولكن سريعة، يصف فيها تيوفيل غوتييه تصوره لبعض الأحداث التاريخية التالية مثل الكوارث التي احاقت بمصر وخروج العبرانيين، وتدمير الجيش الفرعوني ثم موت الفرعون نفسه وحلول تاهوسر في الحكم محله لفترة من الزمن سبقت رحيلها هي الأخرى عن دنيانا، وتحنيطها ودفنها مع النص الذي يروي حكايتها. في الواقع التاريخي كان هناك في مصر، حقاً، ملكة تدعى تاهوسرت، وكانت زوجة سيتي الثاني ثم ارملته، وهي حكمت مصر عامين بالفعل. ولكن من المؤكد، بالنسبة الى دارسي عمل غوتييه ان هذا الأخير انما استعار الشخصية ليختلق لها احداثاً لا علاقة لها بها. ومن هنا لا بد من الإشارة الى ان الحكاية كلها كانت من اختراع غوتييه. بل إن هذا الأخير لم يتورع عن رواية احداث تاريخية غير مؤكدة، جعل منها خياله الخصب خلفية لروايته، فمثلاً - وكما يقول نقاد فرنسيون راجعوا التاريخ لكي يعثروا على وجه شبه بين الرواية والحقيقة التاريخية - يمكن القول إن الفصل الذي يصور المشادة بين موسى والفرعون لا يؤكدها اي مصدر تاريخي باستثناء العهد القديم. كما ان تاريخ الخروج نفسه غير مؤكد وثمة من ينفيه جملة وتفصيلاً. غير ان هذا كله لا يبدو انه يهم غوتييه. المهم بالنسبة إليه كان خلق مناخ تاريخي يضفي على روايته الأساسية - اي المتخيلة - صدقيتها، وهو نجح في ذلك الى حد كبير. وكذلك نجح في ان يرسم نمط العيش في مصر تلك الأزمان بكل دقة، رسماً شديد القرب من الواقع التاريخي الملموس. ومن الواضح ان غوتييه استفاد هنا من عشرات الوثائق والدراسات المستحدثة عن قصور الفراعنة وحملاتهم العسكرية. وكذلك نجده مهتماً في شكل خاص بالتسامح الذي كان العبرانيون يعيشون بفضله بين احضان المصريين، حيث نجدهم - كما سوف تكون حالهم لاحقاً ايام ازدهار الحضارة الإسلامية - يصلون الى مراكز الدولة العليا ويمارسون حياتهم ودينهم من دون عوائق، حتى وإن كانوا - لأسباب ستظل غامضة الى الأبد - سيقدمون على مبارحة مصر ذات يوم... وإزاء هذا كله أوليس في امكاننا ان نقول ان تيوفيل غوتييه انما قدم من خلال هذا النص التاريخي مرافعة حول التسامح والتعايش؟ حتى إن لم يكن هذا هو مراده، فإن روايته تتحدث عن ذلك التسامح بصفته الأسلوب الوحيد الذي يمكن الناس من التعايش. ولد تيوفيل غوتييه الشاعر والناثر والناقد، في العام 1811 في مدينة تارب الفرنسية. ولئن عرف عنه انه لعب دوراً اساسياً في تأسيس الحداثة الشعرية في فرنسا، فإنه اشتهر اكثر وفي شكل مبكر، من خلال وقوفه الى جانب فيكتور هوغو في المعركة التي ثارت حول مسرحيته "هرناني". اما مجموعة غوتييه الشعرية الأولى فصدرت العام 1830 وكان في التاسعة عشرة بعنوان "أشعار"، من دون ان تحمل مزايا حقيقية. اما المجد فبدأ يصل إليه من طريق النصوص التالية، والفكهة، التي اصدرها بعد ثلاث سنوات بعنوان "الشباب - فرنسا". وفي العام 1835 أصدر رواية "الآنسة موبان" مصدّراً إياها بمقدمة اثارت صخباً، إذ نجده، على الضد من المذاهب السائدة في ذلك الزمن، يؤكد نزعته في "الفن من اجل الفن". وهو لكي يعيش مارس النقد وكتب اكثر من ألفي مقال خلال فترة قصيرة نسبياً، ثم زار الكثير من البلدان المتوسطية، كما زار بلداناً عدة في الشرق الأوسط، كتب عنها ومن ضمنها مصر التي وقع في هواها. اما "رواية المومياء" فصدرت في العام 1858، قبل رحيله ب14 سنة، وتلتها روايته الأشهر "كابتن فراكاس".