تحمل الحوادث الطارئة على مزج أو خلط ما ينبغي أن يميزه التحليل ويفرفه. فمن جهة، ثمة الابعاد الاجتماعية للعنف البارز في"ضاحية"لم تكن ساخنة الى اليوم، قبل انتشاره في احياء اخرى. وثمة، من جهة اخرى، مترتبات هذا العنف ونتائجه السياسية. والحق ان القرائن على تضافر الوجهين هزيلة أو معدومة. ففي كليشي ? سو - يوا، مسرح الاضطرابات الاول، وقعت حادثة مأسوية هي موت فتيين في ظروف لم تجل ملابساتها كلها بعد، وأدى الخوف فيها دوراً غالباً. ولم تنجم عن الحادثة هذه التداعيات التي نجمت عنها الاّ جراء مناخ أعم وأشمل هو مناخ أحياء سكن، اقامة الفتيان والشبان فيها تنطوي على احتمال انجراف بعضهم الى الجريمة، وتنطوي على اختبار عدد اكبر بكثير، التمييز المديني الذي تفاقمه المدرسة وعسر مباشرة التسلية والمراقبة الامنية الفظة بل العنصرية في بعض الاحيان. وتتولى هذه المراقبة قوى أمن يبعثها خوفها من"الضواحي"وفتيانها الى الغلظة والفظاظة. ولا ريب في ان شغب الايام الاخيرة وتظاهراتها وحرائقها هي تعبير عن الاحتجاج والغضب والشعور العميق بالظلم والمهانة. وهي تذكر بأن المشكلات التي لقيت علاجها منذ نهاية الاعوام 1970، تاريخ بداية مواسم الصيف الحارة، قليلة. فبعض فتياننا وشبابنا برمتهم ضُحي بهم جراء تآكل مثال الدمج الفرنسي. فمثالنا يرفع لواء الجمهورية، ولكنه يغفل المساواة والمؤاخاة، ويحجبهما عن شطر من السكان لا يستهان به. ويدعي مثالنا صفة"اجتماعية"وينتحلها، بينما يترك هذا الشطر نفسه يتخبط في البطالة والتمييز والاعمال الموقتة وغير المجزية. فالاطار الذي يغذي جنوح بعض وعنف بعض آخر، ويتيح التوسل بهما وبانفجارهما بالغضب، معينه خلل الامن الاجتماعي، وأزمة المؤسسات والهيئات الجمهورية وعجزها عن ايفاء شعارها الفخم، وعنصرية او رحاب الاسلام والمسلمين وانتشاره في بعض صفوف قوى الامن. والحال ليست قاتمة برمتها. ففي"الضواحي"المذمومة والمهجوة هذه، حياة جمعية، وأنشطة ثقافية ورياضية وفنية كثيرة. ولكن الاثر اليومي الذي يخلفه الانكار الاعلامي، وبعض الحوادث، يمحو الجوانب المشرقة من الحياة والانشطة هذه. وبازاء الاضطرابات الجارية تبدو المقالات والخطب السياسية والحسابات الاستراتيجية، رتيبة ومعروفة. فنيكولا ساركوزي وزير الداخلية ينافس اليمين المتشدد والمتطرف على صيده. ويتصدى للمشكلة بسياسة قمعية. ويلبس عزوز بقاق وزير الاندماج الاجتماعي لباس الضمير الاخلاقي في حكومة تبخل عليه بأضعف وسائل العمل وادواته. وتتولى اصوات الحزب الاشتراكي الجهيرة انتقاد الحكومة... ومشكلة بلدنا هي القصور، منذ ربع قرن، عن الوصل بين المشكلة وبين المعالجة السياسية الفاعلة، وعن ترجمة مشكلة"الضواحي"المفترضة الى مناقشات وبرامج سياسية. ويفترض التخلص من العجز صنفين من الجهود فيقر الصنف الاول بخصوصية الشباب وجنوحهم، وينتهج سياسات مناسبة. وفي الولاياتالمتحدة، على سبيل المثال، اثمر التنسيق بين عدالة متوازنة وشرطة قريبة وتعبئة الاهالي و"جماعاتهم"، تقدماً حقيقياً. وعلى الصنف الثاني الاقرار بأن عنف المدن ليس الا وجهاً او جزءاً من مشكلة كبيرة ناجمة عن الاخفاق المتواتر في انتهاج سياسات تجمع المنطق الاقتصادي وموجباته الى التضامن والتكافل الاجتماعيين. فلا علاج لأزمة الضواحي قبل الكف عن مناقضة النموذج الاجتماعي الفرنسي، بعد اصلاحه اصلاحاً طفيفاً، بالسياسات الليبرالية، ومناقضة هذه بذاك. فأصحاب النموذج ماضويون ومحافظون، سياديون ووالغون في"الطائفية"المهنية. والآخرون غير مبالين بالضرر الاجتماعي الناجم عن الليبرالية الجديدة، وغلاظ المنزع الى التحديث. فالوقت حان للجمع والتنسيق بين سياسات اجتماعية نشطة، وإحياء دولة الرعاية، والاجراءات المؤدية الى ضمان المساواة والمؤاخاة، من وجه، الفاعلية التي تفترضها المشاركة في الاقتصاد المعولم. عن ميشال فييفيوركا مدير ابحاث ومؤلف "العنف" لوفيغارو الفرنسية 3/11/2005.