غداة الانتصار الفرنسي لم يبق فرنسي واحد ربما إلا ونبه إلى دور فضيلة التوليد أي المزج والتهجين في صنع الانتصار الفرنسي على فريق أمة خلاسية هي البرازيل. وظهر الفريق المنتصر، وهو يجمع اللاعب الأسود إلى اللاعب الأبيض واللاعب "الأسمر" المغربي، نسبة إلى المغارب، متكاتفاً، موحداً، متآخياً. وبرز بين لاعبيه، "المثلثي اللون"، من أهَّلتهم كفاءتهم، وأهلهم مراسهم، لتصدُّر الفريق الوطني على رغم ولادته في وطن أول غير الوطن الفرنسي، وحمله إسماً ليس كالأسماء الفرنسية، ونشأته في الضواحي التي تعدُّ المحرومين والمتروكين وأهل الضعف وليس "الغالبين"، على ما يسمون. فجاءت "مؤاخاة" أعضاء الفريق، على رغم أصولهم العرقية والدينية المتباينة والمتفرقة، وجاءت "مؤاخاة" الفرنسيين المحتفلين بانتصار فريقهم الوطني، والمحتفلون على شاكلة الفريق تنوعاً وأصولاً، جاءت "المؤاخاة" المزدوجة قرينة على قوة الروابط الوطنية الفرنسية بين الجماعات الجديدة، القادمة من المستعمرات السابقة، الإفريقية في معظمها، وبين الجماعة الكبيرة والقديمة، الأوروبية والبيضاء. بل إن التوليد الجديد سلّط الضوء على الروافد السابقة والمستمرة. فإذا بالأمة الفرنسية، في ضوء فريق كرة القدم الملون اليوم، مزيج من "الأعراق": "العرق" البولندي، و"العرق" الاسباني، و"العرق" الإيطالي، و"العرق" الروسي... ولم تفعل الهجرات من المستعمرات الإفريقية السوداء والشمالية الإفريقية غير تكثير المصادر القومية هذه وخلطها. والدليل على كون الخليط مجزياً ومثرياً، على خلاف زعم العرقيين والعنصريين من كل حدب وصوب أن الخليط يحط بالأصيل، هو انتصار الفريق. فألقم الدليل "الجبهة الوطنية" القومية، حزب السيد جان - ماري لوبين، حجراً، وأسكتها لبعض الوقت. أو هذا ما ذهب إليه عدد كبير من المعلقين والسياسيين. ولم يقتصر الأمر على التعليق والرأي. فغداة الانتصار الكروي دعا وزير الداخلية الفرنسي السابق، السيد شارل باسكوا، صاحب قوانين 1993 في حق المهاجرين العاملين في فرنسا والقاضية بإبعاد عدد منهم عنوة وبإغلاق الحدود، دعا إلى تجنيس ثمانين ألفاً من المهاجرين، إلى السبعين ألفاً الذين قضت إجراءات وزير لداخلية الجديد، السيد جان - بيار شوفينمان، بتجنيسهم. وكانت ذريعة السيد باسكوا إلى دعوته، وهو الديغولي القديم والمغالي في وطنيته ومناهضته لأوروبا ماستريشت وأمستردام، المتعالية على بعض السيادة الوطنية، الصدى الذي خلفه الفريق "الملون" في الجمهور الفرنسي. فحمل عمق الصدى سياسياً لم يتورع عن امتطاء الموجة القومية الإنعزالية ومغازلة اليمين غير الجمهوري، القريب من الفاشية، على الإنقلاب على مواقف سابقة. وما يدعو رجل سياسة مثل الديغولي والكورسيكي شارل باسكوا إلى انعطافه، غير المجرد من حسابات ظرفية، بديهة، ويسوغ انعطافه في نظره ونظر أقرانه، هو تعرفه في التلوين العرقي والثقافي الكروي على "الفضائل الجمهورية". فدمج اللاعبين الكثيري المصادر في فريق متكاتف واحد إنما حصل بتدبير مدبر هو السيد إيميه جاكيه، نيط به طوال سنتين إعداد فريق فرنسا الوطني إلى دورة "المونديال". فكان السيد جاكيه من الفريق، ومن اختياره وتدريبه ومراقبته والسهر عليه، بمنزلة مدرِّس المدرسة الابتدائية، الجمهورية والعلمانية: المتعهد قدرات تلامذته من غير تمييز، والمفتش في من يتعهدهم عن المواهب الكامنة، والباذل راحته ووقته في سبيل صقل الخامات الموكولة إليه، والأستاذ الصارم الذي يقدم القانون على غيره من الاعتبارات. وفوق هذا ربما، ويقوم منه مقام الركن والشرط، يتعهد جاكيه في نفسه انقسامَها، فلا يطرح أحد نازعيها إذا لم يتفق هذا النازع مع النازع المخالف. فهو نصير الدرّاج سائق الدراجة الهوائية الفرنسي جاك أنكيتيل، أحد كبير دراجي العقد السابع. لكنه نصير منافسه الأبرز، بوليدور. فالأول، على قوله، سبَّاق بالفطرة، ووسيم على شاكلة فيصل في عيني لورنس، بحسب ماسينيون، وعريق. أما بوليدور، العنيد والمكافح والمستميت وغير الوسيم!، فهو "فرنسا القلب" ومثال فضيلة المغالبة، مغالبة النفس، "الجمهورية". وحظي فريق كرة القدم الفرنسي على زعم متعهده السابق والمستقيل غداة الفوز، بالأمرين جميعاً: الموهبة الفطرية والقلب. وانتصر الفريق لأنه اختير، تبعاً للمعايير الصارمة وغير المحابية إياها، من بين مئات آلاف مرتادي النوادي الكروية. فلم يُعمَل في الاختيار، وهو كان حريصاً على توسيع قاعدته وجمهوره، إلا معيار الكفاءة ومعيار الإرادة وتحمل مشاق الإعداد. وفي هذا المنظار يبدو سخاء صانعي الأحذية الرياضية، مثل "أديداس" و"نايك" أنفقت الثانية 220 مليون دولار على مدارس الكرة وعلى مبنى اتحاد الكرة البرازيلي، وأنفقت الأولى 20 مليوناً على "حديقة" الكرة بباريس في أثناء الدورة سائغاً. فالكرة علاج للمخدرات في أوساط الشبان والفتيان. ولولا هذا الإنفاق، نظير منافع دعائية وعوائد تسويق كبيرة، لما وسع النوادي المحلية استقبال مرتاديها وتدريبهم وتعهدهم، ولا وسع شبان الضواحي وفتيانها قصد النوادي وتلقي تدريب جيد فيها يقوم على تأهيلهم لأداء مقبول... أي ان الإعداد للمنافسة القاسية، "على الصعيد العالمي"، سلك طريق المساواة بين المتنافسين، وتوسيع قاعدة الإختيار، وحياد الهيئة القائمة على الإعداد، واعتمد حافزاً رغبة المتنافسين العميقة في الفوز وفي الخروج من مقسوم تافه ورمادي. فاحتكم الإعداد هذا إلى "قوانين" عامة ومعلنة أعملها في الداخل، أي في مراحله الوطنية، قبل التصدي للمباراة الدولية أو العالمية. وإذ استقبل الحكام الفرنسيون ضيفهم السوري ذكَّروه، على بعد الشقة، بما هو أشبه بهذه "القوانين" التي نقلوها من مضمار الكرة إلى مضمار الديبلوماسية والسياسة والحق أن المجتمع الذي ابتكر المباراة الرياضية، على صورتها المشهورة اليوم، وهو المجتمع الانكليزي، ابتدأ بسن قواعد نيابية للسياسة العمومية قبل نقلها إلى الرياضة. فهم ذكروه بمساواة الدول في السيادة والحرية والاستقلال والأمن، وبحقوق الإنسان واحترامها جسراً إلى الإندماج في العلاقات الدولية. واشترطوا هدم الحواجز، وإلغاء الحمايات الريعية من المنافسة، شرطاً للشراكة الأوروبية، أي لمراحلها الأولى. وهي شروط بالغة القسوة في القياس على الشروط التي تتعهدها السياسة السورية، وجعلت منها قدساً من الأقداس. ففي الأسبوع الذي وقعت فيه زيارة السيد حافظ الأسد إلى فرنسا أذاعت الأحزاب الأردنية، الإسلامية واليسارية، بياناً تنصلت فيه من نقد جماعة "إخوان" سورية "المسلمين" الحكم السوري. وسوغ أصحاب البيان تنصلهم بدور سورية في التصدي للسياسة الأميركية والسياسة الإسرائيلية. وسوغ سياسي لبناني، ماروني، مرشح إلى رئاسة الجمهورية، "صداقته" لسورية ب"موقعها من الصراع العربي - الإسرائيلي"، وموقع لبنان من هذا الصراع، واحتياجه، على حسب المرشح، إلى الرعاية السورية. وفي الحالين تجني السياسة السورية ريع تقديمها "الصراع" العربي والإسرائيلي وهو صراعات متفاوتة بين صراعات أخرى مختلفة المحاور على غيره من المشكلات. وهي لا تقدر على قطاف هذا الريع إلا بإطراحها الوجوه الداخلية للمشكلات العربية المختلفة، ونفيها أهمية هذه الوجوه وخطورتها. فالأمة، على خلاف المضمَر الفرنسي الذي يعلنه إيميه جاكيه، لا تقوم على المساوة ببين المواطنين، وعلى احتكامهم إلى شرع واحد. بل تقوم الأمة، على زعم السياسة العروبية، على اختصار المشكلات إلى مشكلة واحدة، تتولاها قيادة واحدة تسن "القوانين" التي تحمي دوامها وتعود عليها وحدها بريع لا يقبل المنافسة