فاض لقاء وزيري الخارجية الباكستاني والإسرائيلي على حدود اسطنبول التي استضافتهما، وتخطاها إلى كامل منطقة الشرق الأوسط، تلك التي تشهد الآن مخاض الولادة لنظام إقليمي جديد بدأ بالتشكل منذ أحداث 11 أيلول سبتمبر. لم يكن اللقاء عادياً بين وزيرين للخارجية، مثل تلك اللقاءات التي تتم ربما يومياً حول العالم، بل استثنائياً من حيث المكان والتوقيت والدلالات وأيضاً، والأهم، في إطار السياق الإقليمي الحالي. وساهم المكان والتوقيت في تحميل اللقاء المذكور برموز ودلالات خاصة، تلك التي تنهض في عالم العلاقات الدولية وكيلاً عن إرادات الأطراف المختلفة وتمثل في الوقت ذاته شيفرة لفك رسائلها المضمرة. وبالتالي لم يكن من قبيل المصادفات أن ينعقد اللقاء بين خورشيد قصوري، وزير خارجية الدولة النووية الإسلامية الوحيدة، وسيلفان شالوم في اسطنبول العاصمة التاريخية للدولة العلية العثمانية، وفي ذكرى الإسراء والمعراج. والرسالة المضمرة هي أن الدولة العبرية ليست في صدد استكمال حلقات الاعتراف بها من دولة إسلامية إضافية فقط، بل من قوة إقليمية كبيرة في العالم الإسلامي والمنطقة، في ظل امتناعها، أي الدولة العبرية، عن تنفيذ قرارات الشرعية الدولية. ولا تتوقف دلالات اللقاء الباكستاني -الإسرائيلي عند رموز المكان والزمان، بل تتخطاها لتطال الكثير من الصدقية ل"مسلمات"راجت سابقاً في وسائل الإعلام عن"القنبلة الإسلامية الباكستانية"وإمكان توظيفها رديفاً استراتيجياً لمصلحة الدول العربية في صراعها مع الدولة العبرية. قامت الدولتان طرفا اللقاء على الأساس الديني وفي وقت تاريخي متقارب 1947 و1948 على التوالي، وسعتا في استراتيجية متشابهة لتعظيم قدراتهما الصراعية مع المحيط الجغرافي والبشري الأوسع الهند في حالة باكستان والدول العربية في حال الدولة العبرية، إلى الانضواء في تحالفات عابرة للجغرافيا مع الدولة العظمى إنكلترا كقوة احتلال للأرض التي قامتا عليها. وبعد قيام الدولة في كل منهما، وبتغير قيادة النظام العالمي، تحول التحالف الأساس إلى الولاياتالمتحدة التي ثبتتهما في موقع مركزي من تحالفاتها الدولية، وسقفت طموحاتهما الإقليمية عسكرياً وتكنولوجياً بالقدرات النووية، كل على حدة، وفي سياقه الإقليمي المنفصل. وعلى رغم تجانس التحالفات الدولية للطرفين لم يكن ممكناً لكليهما إعلان مثل هذا اللقاء في فترة تاريخية سابقة، لأن الترتيبات الإقليمية وتوازنات القوى لم تسمح بذلك. كانت باكستان ?وما زالت- في حاجة إلى الدول الإسلامية والعربية عمقاً استراتيجياً وداعماً اقتصادياً لموازنة صراعها مع الهند، التي تفوقها بكل تنويعات أفعل التفضيل، فهي الأوفر عدداً والأكبر مساحة والأقوى تسليحاً واقتصاداً والأهم استراتيجياً. ولما كانت الهند قد انتظمت حتى التسعينات في التحالف الدولي المعاكس، زادت أهمية باكستان الاستراتيجية في إطار تحالفها الدولي. وعند تبديل الهند لتحالفاتها نزولاً على التغير في موازين القوى الدولية، بدأت باكستان تفقد شطراً كبيراً من أهميتها، إذ بدأ الشطر الباقي يهتز بعد أحداث 11 ايلول والحرب في أفغانستان. صحيح أن إسلام أباد ساهمت في إفناء حرب حركة"طالبان"التي صنعتها، وشاركت في تفكيك البنية الأساسية للمنظمات الإرهابية في أفغانستان للمحافظة على تحالفاتها الدولية، إلا أنها أيضاً وفي المقابل فقدت تدريجاً من أهميتها الاستراتيجية مع كل نجاح أحرزته في مهماتها تلك، بسبب استنفادها لأوراق قوتها التفاوضية التي برعت في توظيفها إبان الحرب الباردة وحتى أحداث 11 ايلول. وبسبب الضغوط الأميركية غير المسبوقة على صناع القرار في المنطقة، وفي ضوء انقلاب التوازنات الإقليمية السائدة في المنطقة حتى احتلال العراق، جرت الحسابات الباكستانية في اتجاه الاستفادة من تأثير اللوبي الصهيوني في واشنطن لتوظيفه رافداً لمكانتها الدولية وعامل تحييد لتل أبيب في الصراع مع الهند. وذلك من دون توقع خسائر في المقابل في علاقاتها مع الدول العربية والإسلامية المتعرضة للضغوط الدولية والمفتقرة لأجندة عمل مشتركة. وللتغطية على خطوتها الاستراتيجية بمد الجسور مع الدولة العبرية، أطلقت إسلام أباد تصريحات للاستهلاك الإسلامي مثل أنها"لن تقيم علاقات قبل إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس"وأن اللقاء جاء"في أعقاب الانسحاب من غزة". تأسيساً على هذه الاعتبارات لا يصح تبسيط الأمور وتسطيحها بتصنيف لقاء شالوم - قصوري في خانة"مؤامرة برويز مشرف"، أو"تواطؤ رجب طيب إردوغان"، كما تردد في بعض وسائل الإعلام وبيانات أحزاب وحركات سياسية عربية. ومرد ذلك أن مثل هذا التصنيف المبتسر يغطي - من حيث لا يحتسب - على ملاحظة الدلالات العميقة الأثر لهذا اللقاء على الواقع الحالي للمنطقة وتوازناتها الإقليمية وخرائطها السياسية، ويربطها بإرادات، أو"خيانات وتواطؤ"أفراد. كما أن التبسيط يتجه بردات الفعل إلى غير وجهتها المفترضة، بعد أن يعطل ما تبقى من قدرات على الحركة السياسية والمناورة الاستراتيجية ومواجهة الواقع بخلق وإيجاد البدائل. وبعيداً عن التوصيفات البلاغية، لا يمكن تجاهل حقيقة أن رئيس الوزراء التركي يمضي في اتجاه توسيع دور"الوسيط الحضاري"بين الشرق والغرب للوصول إلى الأهداف الاستراتيجية التركية ومن ضمنها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وهو الهدف الذي يلقى قبولاً كاسحاً في الشارع ومن الغالبية العظمى من الأحزاب السياسية التركية على اختلاف مشاربها الفكرية والعقائدية. لكن الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي ليس الهدف الوحيد لتركيا، بل هدف ووسيلة في آنٍ لتعظيم حضور أنقرة الإقليمي في الشرق الأوسط الجديد. أما الرئيس الباكستاني برويز مشرف فلا تفوت ملاحظة أنه يحكم في إسلام آباد بإسم المؤسسة العسكرية واللوبي الصناعي- العسكري ويمثل مصالحهما، وهو ما يفسر التأييد الضمني لخطوة اللقاء من طرف حزب الشعب الباكستاني المعارض بقيادة بي نظير بوتو. توخت الحسابات الباكستانية أيضاً اعتبارات تتجاوز الأهداف المباشرة على أهميتها، إذ راعت الواقع الإقليمي الجديد الآخذ في التشكل والظهور وموقعها الاستراتيجي فيه، وهي الدلالة الأهم للقاء وزيري الخارجية المذكور. انتصر، منذ أحداث 11 ايلول على الأقل، مفهوم"الشرق الأوسط الكبير"في مراكز الأبحاث والدوائر الاستراتيجية في الولاياتالمتحدة على ما سواه من توصيفات للمنطقة. وبمقتضى التوصيف الجديد والمعتمد من الإدارة الأميركية، أصبح الشرق الأوسط يمتد جغرافياً إلى تلك المنطقة الواقعة من بحر قزوين شمالاً وحتى المحيط الهندي جنوباً"ومن المحيط الأطلسي عند المغرب غرباً إلى شبه القارة الهندية شرقاً. ولما كان توسيع النطاق الدلالي لمصطلح الشرق الأوسط، البريطاني الأصل الأميركي الهوية، يضم دولاً أخرى إلى الحيز الجغرافي المشار إليه شرقاً أوسطاً، تتغير التوازنات الإقليمية وتتبدل الأدوار الرئيسة في المنظومة الجديدة. وبفعل التوسيع الجغرافي تظهر سبع قوى إقليمية كبيرة في المنطقة هي - مع الإقرار بالتفاوت في القوة والأهمية الاستراتيجية -: الهندوباكستان والدولة العبرية وتركيا وإيران ومصر والسعودية. ونظراً الى تمتع كل من هذه الدول بمميزات مختلفة وافتقارها لمميزات أخرى يكون منطقياً أن تتحالف كل من هذه القوى السبع في ما بينها لتشكيل روافع لأدوارها الإقليمية، وهو ما يؤدي إلى ظهور أكثر من محور إستراتيجي في المنطقة. ولما كانت التحالفات الإقليمية هي أحد الأدوات الرئيسية للحفاظ على المواقع الإستراتيجية، يصعب أن نتصور الحسابات الباكستانية البراغماتية وهي تتنازل عن دورها في تحالف إقليمي محتمل نظرياً يضمها مع قوى إقليمية آخرى. ولأن تعدد احتمالات التحالف الإقليمي لقوة ما يثبت دورها ويوسع من قدرتها على المناورة، فالأرجح أن أطراف اللقاء الوزاري، إسلام آباد وتل أبيب، ومعهما المضيفة اسطنبول، لا تتعامل مع"الشرق الأوسط الجديد"في إطار الاحتمالات النظرية والتمارين الذهنية فقط، ولكن باعتباره واقعا لا ينقصه سوى الإشهار. * باحث مصري فى الشؤون الإستراتيجية.