تنحو معظم المجتمعات المتطورة الى التعدد الثقافي. فمواطنو هذه المجتمعات هم أفراد ينظرون الى الحياة على أنحاء مختلفة، ويضفون على العلاقات الانسانية معاني كثيرة، ويرون فيها أبعاداً مختلفة. وهذه التعددية الثقافية هي نتيجة عوامل متعددة أبرزها صعود الفردية وتقدمها على المبادئ التقليدية، من جهة، والتعدد العرقي والديني والعولمة والهجرة، من جهة أخرى. فالتعدد الثقافي يميز الحياة العصرية. وليست الهجرة مصدر التنوع الثقافي الوحيد، فافتراض أن المجتمعات كانت متجانسة ثقافياً قبل موجات الهجرة الأولى خاطئ. ومنذ اعتداءات لندن في 7 تموز يوليو 2005، يدور النقاش حول استيعاب المهاجرين ودمجهم، وخصوصاً المسلمين منهم. ولكن الاستيعاب والدمج ليسا الحل المثالي، أو معيار جودة العلاقات بين المهاجرين والمجتمع المضيف. فأصحاب نظرية الاستيعاب يضعون المهاجرين امام خيار صعب. فإما الذوبان في الثقافة الوطنية الوطن المضيف والتنكر لثقافة البلد الذي جاؤوا منه، سعياً الى اعتبارهم مواطنين كاملين، وإما الاحتفاظ بثقافتهم المحلية، وقبول رفض المجتمع مجاراتهم، وبمعاملتهم معاملة دونية. والمدافعون عن هذه النظرية العدائية قلائل. ومناصرو الدمج أكثرية تشدد على أهمية الثقافة الموحدة. ولكنها تعترف بأن الدمج يحصل في اتجاهين. فيتكيف البلد المضيف، الى حد ما، مع الوافدين إليه. وقد يحتاج عدد من المهاجرين الى المحافظة على بعض وجوه هويتهم الثقافية، والى وقوف اندماجهم عند عتبة المؤسسات المشتركة. وهذا حقهم. وفي حين يعتبر بعض المراقبين أن الدمج الاقتصادي والسياسي كاف، يذهب آخرون الى ان التضامن الاجتماعي مستحيل ما لم يطاول الدمج الأخلاق وأشكال الاجتماع والثقافة. فالسماح، تالياً، للمهاجرين بالاندماج الجزئي يعني تمتعهم بامتيازات غير مشتركة مع سائر المجتمع. والمعالجة الثالثة لمسألة دمج المهاجرين، مرتبطة بمفكرين من أمثال يورغين هابرماس وجون رولز، وتستند الى مبدأ المواطنة المتساوية. فالمجتمع السياسي يقوم على توافق طوعي بين مواطنين أحرار ومتساويين. وتضمن قوانين عادلة، ونظام حقوق وواجبات تكرسها السلطة العامة، تكاتف هؤلاء المواطنين. وحين يقبل المهاجرون مبدأ التحول الى"مواطنين دستوريين"، على ما يقول هابرس. فلا شيء وراء هذا. وأثبتت هذه الفرضية التي تتجنب ادلجة الدمج والاستيعاب، وهي تلقى تأييداً واسعاً، انها غير مناسبة. فأعضاء المجتمع السياسي تجمعهم مصالح مشتركة واهتمامات، وينتظر بعضهم من بعض ما لا يطلبونه من المجتمع الخارجي. وروابطهم كلها متصلة بانتمائهم الى مجتمع واحد. فالمواطنة ليست مجرد حقوق وواجبات. ويترتب عليها استبطان المواطن المجتمع السياسي، واعتبار هذا المجتمع مجتمعه، والسعي الى خيره هذا المجتمع. وليس المجتمع السياسي وليد اللحظة، فهو نتاج تضحيات كبيرة وصغيرة قدمتها أجيال سابقة وحالية. فأن يكون المرء مواطناً يعني ان يقيم علاقة مع ماضي الجماعة ومستقبلها. ويفترض أن يكون الشعور بالانتماء والهوية الجماعية والالتزام والتعلق المشترك، في أساس المجتمع السياسي. ولا شك في تعدد سبل التعبير عن الارتباط بالمجتمع بدءاً باحترام تراتبية السلطة فيه وقوانينه، مروراً بالمشاركة في حياته العامة عبر العمل المجدي اقتصادياً، وصولاً الى الإحجام عن استغلال نظام الخدمات الاجتماعية المتاحة. ومن حيث المبدأ لا يجوز مطالبة المهاجرين بأكثر مما نطالب مواطنيهم به أو أقل. ولا تعني المشاركة في حياة البلد المضيف العامة العزوف عن الزواج داخل المجتمع المهاجر والمحافظة على حيز من الخصوصية الثقافية. فهذه خيارات فردية غير خاضعة لملزمات قانونية أو ضغوط الاجتماعية. ولا يجوز حرمان المهاجرين من الحرية التي يتمتع بها غيرهم من المواطنين. وعلى المستوى الجزيئي، يقيم المهاجرون علاقات بمواطنيهم وجيرانهم وأرباب عملهم وزبائنهم. فالدمج الوطني يبدأ في الحي حيث تؤدي المدارس دوراً جوهرياً في خلق مشاعر الانتماء الى الجماعة. وعلى المدرسة أن تعلم الاولاد التاريخ البريطاني والثقافة البريطانية وتقاليدها وتقاليد المهاجرين وثقافتهم، على حد سواء. فالشعور بالانتماء الى المجتمع يتوطد عندما يشعر كل فرد، انتمى الى أقلية عرقية او الى أكثرية، بالارتياح الى حاله، والى الآخرين، عندما يكون الآخرون موضع ثقة. فإذا شعرت الاقلية بأنها مهددة تفقد الثقة في الغالبية، وتتقوقع على نفسها، وتحد علاقاتها ببقية المجتمع. وتبقى الاقلية في حال تأهب واستنفار إذا عجزت عن السيطرة على مستقبلها. والحل يأتي على مستويات عدة. أولاً، على الدولة أن تشرح لمواطنيها التزاماتها الأخلاقية والقانونية إزاء المهاجرين، والحسنات المترتبة على استقبال المهاجرين في بلدهم. فالمصالح المشتركة والعدالة لا تؤسس المجتمعات، على ما يفترض بعضهم. ولو صح هذا الافتراض لما وجدنا تفسيراً للتضحيات التي يقدمها الأفراد بعضهم لبعض. والروابط العاطفية والتعلق بالجماعة وبأفرادها، ضرورية. وهذا الشعور يصدر عن الانتماء الى الجماعة كلها، وعن الاعتراف بالآخر على انه فرد ينتمي الى هذه الجماعة. وتتمتع الهوية الاجتماعية ببعد فكري وعاطفي، وهو يُكرس في تاريخها وقيمها ومبادئها الدستورية ومؤسساتها السياسية، وفي رموزها وطقوسها، بدءاً بالنشيد الوطني والاحتفالات الرسمية وصولاً الى أنصبة تماثيل الراحلين. في الماضي عندما كان المرء يفكر في المملكة المتحدة كان يتبادر الى ذهنه أسماء كبار المؤلفين، والمساحات الخضر المتموجة، والاجراس وأيام الأحد الهانئة. وأما اليوم، مع اعمال فناني المهجر، فالمساجد والمعابد، وصور آباء يصطحبون أبناءهم الى صلاة الجمعة، واحتفالات هندوسية، هي التي تتبادر الى ذهننا. والحق يقال إن اعتداءات لندن تذكرنا بالطريق الذي قطعناه، وبالأشواط التي لا تزال أمامنا. عن بيخو باريخ، بروسبيكت البريطانية 9/ 2005 .