لا يهدف هذا المقال الى المساهمة في النقاش العميم المندلع عن تقرير اللجنة الدولية للتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري، التي يقودها القاضي الالماني ديتليف ميليس. وفي المقابل، يمكن التأمل في كثافة حضور العلم، وتعدد صوره، سواء في التقرير أو في النقاشات عنه، والتي لم تنته بعد. وعموماً، يميل الذين رأوا في تقرير ميليس مصداقاً لرؤيتهم عن جريمة الاغتيال ودوافعها ومخططيها والمتواطئين فيها، لاطلاق صفات الحياد والنزاهة والدقة والموضوعية والمهنية والاحتراف وغيرها، على التقرير وصاحبه. وعلى عكسهم، يلجأ الذين لم يتوافق التقرير مع ما يعتقدونه، الى نعته بالانحياز والانطلاق من فرضيات مسبقة والاعتماد على روايات شهود ليسوا موضع ثقة والميل الى الأخذ بالأقوال بدل القرائن وغيرها. وتميل الأوصاف الأولى الى جعل التقرير مساوياً لحقيقة يسندها العلم. ويبرز ذلك خصوصاً في التشديد على التقنية العالية للتقرير والمحقق. وتحاول المجموعة الثانية من الاوصاف ازالة تلك الصفة عينها عن"تقرير ميليس". ويبدو الطرفان وكأنهما يتصارعان على مدى علمية التقرير، مع بروز المساواة المُضمرة بين العلم والحقيقة لديهما. ويستحق هذا الامر بعض التأمل. حقائق العلم المُتغيرة يُعطي هذا التجاذب نموذجاً لما ذهب اليه عالم الاجتماع الفرنسي الراحل بيار بورديو، عندما لاحظ ان الدولة الحديثة ومؤسساتها تحاول دوماً اسباغ صفة العلم على افعالها وافكارها، في سعي منها لامتلاك القوة التي يملكها العلم في اذهان الناس راهناً. وبحسب بورديو، فان العقلانية الغربية وحداثتها، دأبت على جعل العلم مُطابقاً للحقيقة، الى حد كبير، مع الاحتفاظ بكل المسافة النسبية والنقدية المُمكنة. وجعل هذا الامر للعلم مكانة عالية في الخيال العام للشعوب. وبذا، تحفزت السياسة لمحاولة الاستيلاء على سطوة العلم وخياله. وفي المقابل، فان المجتمعات ما بعد الصناعية باتت تعطي لأمور أخرى، مثل الدين، قوة لا تقل عن صورة الحداثة عن العلم، ان لم تفقها قوة. وتُعطي مجريات السياسة المعاصرة امثلة كثيرة عن هذا الحد المتلاعب بين العلم والسياسة. فليس بعيداً من الأذهان مشهد الجنرال كولن باول وزير الخارجية الأميركي السابق، وهو يهز انبوب مختبر في مجلس الامن في محاولة للحصول على سند علمي للمخاطر التي تمثلها اسلحة الدمار الشامل في العراق. لاحقاً، ومع تبين كذب الادعاء"العلمي"، تحولت هذه الصورة الى كابوس بالنسبة لباول. ويمكن اعطاء امثلة كثيرة عن سقوط صورة العلم عن الادارة الاميركية راهناً. وفي المقابل، يصعب عدم القول إن ذلك"السقوط العلمي"اذا جازت التسمية لم تفت في عضد الادارة الا قليلاً. والمعلوم انها تستند الى قاعدة شعبية تعطي لإيمانها الديني وزناً اكثر بكثير من العلم. ويحتاج هذا الأمر الى نقاش من نوع آخر. قبل الدخول الى بعض التفاصيل العلمية في تقرير ميليس، يمكن الإشارة الى ان حقائق العلم تمتاز بانها سيّالة ومتغيرة وغير مستقرة، والأحرى أنها من أكثر الأشياء قبولاً للنقض والدحض. والأرجح ان يبدو هذا القول مُغايراً للكثير مما يستسهل البعض في العالم العربي قوله، مثل وصف الحقائق العلمية بانها"ثابتة"و"لا يرقى اليها الشك"و"حيادية"وغيرها. اما بالنسبة الى العقل الغربي، فالأرجح ان للعلم مواصفات أخرى. ومثلاً، يمكن استعادة القول الشهير للفيلسوف الالماني كارل بوبر إن" العلم قابل للنقض... ان ما لا يمكن نقضه ليس علماً". ولعل ذلك يفسر، جزئياً، ميل المحقق الالماني للكثير من التحفظ، والابقاء على هامش من التشكيك والريبة. ولعل علاقات"شرق-غرب"من الأمور التي تستأهل تأملاً في أعمال لجنة ميليس وتقاريرها من جهة، والخيال العام عنها والتعامل معها وردود الفعل عليها، من الجهة الأخرى. سابقة كلينتون - لوينسكي استخدم التقرير فحوص الحمض الوراثي ونتائجها في سياق دحضه لرواية اشاعة تفيد بأن الاغتيال عمل نفذه انتحاري اسلاموي يُدعى أحمد ابو عدس. واشار التقرير الى ان الفحوص الجينية على الانسجة الانسانية التي عُثر عليها في البقايا التي تخلفت عن الانفجار، لا تملك أي صلة بالمدعو ابو عدس. وثمة مجال للتشديد على ان الفحوص الجينية في امكانها ان تدعم النفي اكثر من الاثبات. ويمكن الرجوع الى سابقة لافتة في هذا الشأن، تتمثل في التحقيق الذي اجراه كينيث كلارك عن العلاقة الجنسية بين الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون ومونيكا لوينسكي. فقد جاء في تقرير كلارك ان البقايا التي عثر عليها على ثوب لوينسكي يمكن ان تكون ترجيحاً وليس قطعاً للرئيس. وتمسك كلينتون بحدّ الشك، بمعنى عدم قدرة التحليل الجيني على الحسم بصورة جازمة في علاقة تلك البقايا مع التركيب الوراثي للرئيس. وثمة امثلة أكثر مأسوية بهذا الصدد. ففي غرة العام 2000، تفحصت ادارة السجون الاميركية مجموعة من الادلة البيولوجية التي استخدمت في ادانة"مجرمين"باعمال قتل، مما أوصلهم الى الاعدام. وجاءت تلك الخطوة للإفادة من التقدم الكبير الذي حدث في الفحوص الوراثية بأثر من منجزات مشروع الجينوم الخارطة الجينية البشري. تمثلت المأساة في ان مجموعة من أولئك"المجرمين"كانوا أبرياء. نوعية المتفجرات في سياق آخر للنفي، أورد التقرير ان رداءة الفحوص الأولية التي خضعت لها بقايا الانفجار، قد أطاحت بامكان تقصي نوعية المتفجرات التي استخدمت في تلك العملية الارهابية. والمعلوم ان روايات عدة عن استخدام انواع متطورة من المتفجرات، مثل"سيمتيكس"و"سي فور"وغيرهما، قد راجت طويلاً. وقيل ان دولة من شرق اوروبا اطلقت تحقيقاً عن كميات من تلك المتفجرات ارسلت الى سورية. وبقيت هذه المسألة في مساحة انعدام القدرة على اثباتها او نفيها علمياً. هل صحيح اننا لن نعرف أي متفجرات استخدمت لقتل الحريري؟ مجرد سؤال. الأرجح أن ملف الاتصالات مثّل احد أقوى الملفات في التقرير الدولي. فقد حلل برنامج متطور في المعلوماتية، استحضره الفريق الدولي، المكالمات الخليوية على امتداد فترات زمنية عدة. وتوصل برنامج الكومبيوتر للربط بين 6 اجهزة خليوية من أصل مجموعة من 8 اتصلت مع بعضها دوماً في ازمنة وامكنة تتقاطع مع تواجد الحريري فيها. والمعلوم ان شبكات الخليوي تسجل، بصورة مؤتمتة، كل المعلومات الاساسية عن المكالمات مثل رقم الخلوي المُتّصل ورقم الهوائي الذي التقط طلبه وربطه مع الشبكة، ورقم الهوائي الذي وصله مع رقم آخر، اضافة الى زمن المكالمة ومدتها. ويعمد الكومبيوتر الى تخزين تلك المعلومات، ثم نقلها الى ذاكرة الدعم باك آب Back Up، حيث تحفظ لفترة طويلة، قبل ان تُنقل الى وسائل تخزين آخرى مثل الاسطوانات الرقمية والاقراص الصلبة الثابتة وغيرها. وتجرى معظم تلك العمليات في شكل مؤتمت، مما يُصعّب عمليات التدخل الانساني فيها الى حد كبير. وغني عن القول ان تسجيل المكالمات لا يجرى بصورة تلقائية. وتُسجل المكالمات بتدخل من جهة ما، قد تكون رسمية، او ربما برصد من شبكات أكثر تقدماً، مثل النظام العالمي للتنصت على المكالمات وموجات البث، المعروف باسم"ايشلون"Echlon، الذي تديره"وكالة الأمن القومي"في الولاياتالمتحدة الأميركية.