تبدأ اليوم في مصر انتخابات برلمانية تمتد على ستة أسابيع، وتتسلط عليها الأضواء داخلياً وخارجياً، لاستكشاف ملامح"التغيير". وهناك شعور عام بأنها انتخابات مختلفة عما سبقتها، لكن هل هي مختلفة فعلاً، وبماذا؟ وإلى أي حد سينعكس الاختلاف على النتائج؟ إذا كان المقياس اكتساح أحزاب المعارضة مقاعد مجلس الشعب المقبل، فهو مستبعد مسبقاً. وكل التوقعات تتفق على أن تركيبة المجلس لن تتغير إلا في حدود معينة. فالحزب الوطني الحاكم لا يتصور نفسه إلا مسيطراً على ثلثي الأعضاء، أما الثلث الأخير فيمكن أن يشهد زيادة في عدد ممثلي"الإخوان المسلمين"، في حين أن تمثيل أحزاب المعارضة الأخرى يبدو غامضاً عشية الاقتراع. هذه الانتخابات مختلفة لأنها تتم في"مرحلة جديدة"، بحسب تعبير عضو أمانة السياسات في الحزب الوطني الحاكم محمد كمال، ويتمثل جديدها في انتخابات الرئاسة التي جرت بعد التعديل الدستوري، وفي الحراك السياسي الذي يشهده المجتمع، فضلاً عن الأوضاع الاقليمية والدولية. ويشير كمال إلى"تعامل مختلف"مع المعارضة يستند إلى"قناعة بأهمية تطوير دور الأحزاب كعماد للحياة السياسية"، من دون أن يعني ذلك أن الحزب الحاكم دخل في أي تنسيق مع أي حزب وإنما هو يخوض المعركة بجدية وفي كل الدوائر وينافس على كل مقعد. ويعتبر كمال أن غالبية الحزب الحاكم ستكون ضرورية في المرحلة المقبلة لأن البرلمان المقبل سيباشر دراسة التشريعات المؤسسة للإصلاح، ومنها تعديل الدستور، وخصوصاً القانون الجديد للانتخابات، مؤكداً أنها"المرة الأخيرة التي تجري فيها الانتخابات وفقاً للقانون الحالي الذي بات مرفوضاً من الجميع". ويقر القيادي البارز في جماعة"الإخوان المسلمين"عصام العريان بأن أجواء المعركة الانتخابية مختلفة، متسائلاً"هل تبقى مختلفة حتى النهاية؟"، ويقول"هذه أول انتخابات يخوضها الإخوان من دون أن يكون احد من قادتهم معتقلاً، ومع ذلك لا يزال الهاجس الأمني وارداً". ويعتبر العريان أن"مرحلتي الترشيح والدعاية"جرتا بشكل مقبول، متمنياً أن تستمر الأجواء الحالية في مراحل الاقتراع، وفرز الأصوات وإعلان النتائج، إذ أن التدخلات السابقة في هذه المراحل كانت تفسد العملية الانتخابية. ويخوض"الإخوان"هذه الانتخابات منفردين مع شيء من التنسيق مع أحزاب"الجبهة الوطنية للمعارضة"، ويشير العريان إلى أن هذا التنسيق"جاء متأخراً، ولو أتيح له أن ينضج لكان دعم لوائح موحدة". واعتمد"الإخوان"لهذه المعركة ما يمكن أن يسمى"استراتيجية الحد الأدنى"إذ أنهم لا ينافسون إلا في نصف الدوائر نحو 120 من أصل 222 دائرة"لأننا نتطلع إلى إصلاح شامل ومتدرج ولا نطرح أنفسنا كبديل منعاً للإيحاءات الخاطئة". على رغم أن"الجبهة الوطنية للمعارضة"التي تضم أحزاب الوفد والتجمع والناصري وحركات أخرى ولدت متأخرة، كالحركة المصرية من أجل التغيير المعروفة باسم"كفاية"، إلا أنها شكلت نوعاً من التنسيق الانتخابي غير المألوف في الانتخابات السابقة. ويقول رئيس حزب التجمع اليساري رفعت السعيد إن هذه التجربة اصطدمت بحساسياتها الأحزاب ضد بعضها بعضاً"خصوصاً بين الإخوان وحزب الغد"، لكن الأهم في نظره أن تبقى"الجبهة"بعد الانتخابات لتعمل كمحرك للإصلاح. ويرى السعيد أن الانتخابات الحالية هي مختلفة فعلاً لكنها محكومة بأمرين"الأول أن ما يسمى بالتيار الإصلاحي في الحزب الوطني يدير المعركة مستنداً إلى فشله في انتخابات الرئاسة التي لم تستقطب سوى 23 في المئة من الناخبين، والثاني أن هذا التيار لا يزال يخطط لانتخابات رئاسية مبكرة"، مستخلصاً أنه"إذا ظهر في المرحلة الأولى في الانتخابات أنهم فقدوا بعض المقاعد فقد يلجأون إلى التدخل في المرحلتين التاليتين". رئيس حزب"الغد"الدكتور أيمن نور لا يرى في هذه الانتخابات اختلافاً إلا في الشكل، مشيراً إلى أنه يتعرض لمحاربة شديدة في دائرة باب الشعرية، ويقول إن"إجراء الانتخابات وفقاً للقانون الحالي يعني تجاهل التعددية ويضرب التغيير ويكرس فكرة الحزب الواحد". ويلفت نور إلى أن تلاعباً جرى في كشوف الناخبين في دائرته، إذ أدخلت إليها مجموعات لا تنتمي إليها جغرافياً، ومع أن محكمة القضاء الإداري حكمت بحذف هذه المجموعات المضافة إلا أن لجنة الانتخابات لا تزال تعتمدها"بهدف اسقاطي لأن السلطة لم ترق لها طريقتي في العمل ولأنها تريد معارضة شكلية"، وأشار أخيراً إلى"مؤامرات أمنية لافتعال حالة من حالات الانشقاق داخل حزبي، والهدف واضح إذ أن السلطة تريد إسقاطي". لكن الرهان الرئيسي للحكومة هو"أن تجري انتخابات حرة ونزيهة، وأن تبقى أجهزة الدولة خلالها على الحياد"، وفقاً للدكتور محمد كمال. أما أحزاب المعارضة فمتمسكة بشكوكها خصوصاً أن المرحلتين التاليتين للانتخابات ستشهدان المنافسة الأكبر، وعندئذ يمكن اختبار مبدأ"عدم التدخل"الذي أكدته السلطة.