هل يساعد اتخاذ الحكومة المغربية قراراً على غرار الذي اتخذته تونس الأسبوع الماضي بتقديم الساعة في خفض فاتورتها النفطية لتحل جزءاً من المشكلة التي باتت تؤثر على معدلات النمو للعام 2005. الجواب هو بالتأكيد لا. ذلك ان جميع أرقام الموازنة الحالية التي اعتمدت تقوم على أساس احتساب 35 دولاراً للبرميل. بينما يستقر سعر هذا الأخير منذ فترة فوق عتبة ال50 دولاراً، مما يعني بأن قيمة الدعم المقدرة لتغطية العجز البالغة 2.1 بليون درهم اليورو = 11 درهماً تقريباً لم تعد تفي بالمطلوب الذي يتجاوز ال5.3 بليون درهم. هكذا، فالمملكة المغربية، التي بعكس جارتيها الجزائر وليبيا لا تملك النفط والغاز، تجد نفسها مضطرة للبحث عن موارد اضافية، بل استثنائية، لسد العجز وتفادي المزيد من الارباكات والمفاجآت. لكن، في كلتا الحالتين، لا يبدو بأن الأمر سيكون بالسهولة الممكنة لأن الظرفية الاقليمية والعالمية لا تدعو للتفاؤل في هذه المرحلة. ففي مواجهة هذا الوضع، تراهن حكومة ادريس جطو على جذب استثمارات اضافية. كما تعلق الآمال الكبيرة في هذا الصدد على الانعكاسات الايجابية للجولات التي يقوم بها في شكل دوري، الملك محمد السادس، في جميع الاتجاهات، مصطحباً معه العشرات من رجال الأعمال والصناعيين. آخرها تلك التي يقوم بها منذ الأسبوع الماضي لكل من دولة الامارات العربية المتحدة وسنغافورة والمملكة العربية السعودية. من ناحية أخرى، يتوقع وزير المال، فتح الله ولعلو، بأن تكون سنة 2005 علامة فارقة على صعيد العائدات السياحية ? التي تجاوزت التقديرات المحددة في الفصل الأول -. كذلك، على مستوى المداخيل بالعملات الأجنبية الواردة من المغاربة المقيمين في الخارج، والتي توازي، بل تزيد، في بعض الأحيان عن حجم ما توفره الصادرات من الفوسفات، إحدى الثروات الطبيعية الرئيسة وركيزة من ركائز توازن الاقتصاد الوطني. وانطلاقاً من فرضية الرهانات على عناصر جذب الأموال اللازمة لسد الثغرات في الفاتورة النفطية، والالتفاف ما أمكن على برزو عجز في ميزاني التجارة والمدفوعات، عمدت الحكومة، بالتنسيق مع أرباب عمل القطاع الخاص لاطلاق حملات مركزة لتهيئة المناخات المثالية لتسهيل انسياب العائدات. تجدر الاشارة بأن المغرب الذي يستورد ما نسبته 97 في المئة من احتياجاته من الطاقة، سيكون مضطراً للعام الثالث على التوالي أن يسدد فاتورته النفطية على حساب جوانب تنموية ملحة، في الوقت الذي تحاول الدولة جاهدة تلافي تعقيدات الأوضاع الاجتماعية. لذا لن يكون من السهل، بحسب بعض الخبراء الاقتصاديين المغاربة، تمرير الزيادات في أسعار النفط والغاز التي ستكون مفروضة على الحكومة. في هذا الاطار، بدأ الاعداد النفسي للمواطن المغربي عبر تصريحات وكتابات لمسؤولين ومحللين محسوبين على الدولة، تشير في معظمها لنسبة الزيادة المنتظرة، على أساس 1.40 درهم لليتر المازوت و0.60 درهم لليتر وقود السيارات. وهو اجراء يتقبله المجتمع المغربي ولو على مضض، لكنه يتخوف من تكراره في العطلة الصيفية في حال عادت أسعار النفط للارتفاع مجدداً متجاوزة حاجز ال60 دولاراً للبرميل. ولا ينسى المغاربة بأن الفاتورة النفطية للعام 2004 وصلت الى حدود ال14.5 بليون درهم، مقابل 9.2 بليون في العام 2003، كما يقارن هؤلاء بقلق قيمة الواردات من النفط الخام في الشهرين الأولين من 2005، التي ارتفعت الى 202 بليون درهم، وما كانت عليه للفترة نفسها من العام الماضي، بحدود 105 بلايين درهم. اذ ان نسبة الزيادة في الحجم بلغت 20.3 في المئة، لكن اللافت هو ما جرى على صعيد القيمة، أي ارتفاع بمعدل 46.6 في المئة. واذا بقيت أسعار النفط على وضعها الحالي، أي من 51 الى 56 دولاراً للبرميل، فإن الفجوة بالنسبة للسعر المرجع المحدد ب35 دولاراً في موازنة 2005 ستصل الى 16 دولاراً للبرميل، ينتج عنه عجز شهري بقيمة 448 مليون درهم. لكن المهم والأصعب هو أن الأمر لن يتوقف عند هذا الحد، لأن لارتفاع أسعار النفط تداعيات سلبية على مصادر الطاقة الأخرى أيضاً، خصوصاً الغاز، على سبيل المثال لا الحصر. فمن 230 دولاراً للطن الواحد في 2003، قفز سعره اليوم الى نحو 400 دولار مما يرتب فارقاً سنوياً بنحو بليوني درهم. فبين النفط والغاز سيتوجب على الحكومة المغربية تحمل 7.4 بليون درهم ليس من السهل تأمينها في ظل المعطيات الحالية أو تحميل أجزاء منها للمواطن، لأن الأخير اعتاد أن يتولى صندوق المقاصة هذا النوع من الأعباء. فالمسؤولون، ممن نوقشت هذه المسألة معهم، يشيرون الى حالة التردد باللجوء السريع لتحميل المستهلك وزر ارتفاع أسعار النفط، خصوصاً وأن حال القطاع الزراعي، الذي يعتبر ميزان الاقتصاد المغربي، لا يبدو جيداً هذا العام. كما ان الصناعات، في طليعتها النسيج، تتعرض لمنافسة حادة حالياً. ولا يخفي هؤلاء المسؤولون خشيتهم من انعكاس زيادة أسعار النفط على أعباء الشركات فحسب، بل لكونها ستدفع بالاستهلاك للتباطؤ مما دفع بوزير المالية، العضو في المكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية للقول لنا في لقاء خاص بأن "أية زيادة هي مستبعدة، على الأقل في المدى المنظور" مما سيؤدي حتماً الى معركة اختبار للقوة، ولو كانت صامتة، بينه وبين تيار الوزراء التكنوقراط بقيادة رئيس الوزراء ادريس جطو. في خضم هذه الأجواء الضاغطة على الحكومة والأحزاب السياسية المشاركة فيها، ترى بعض الأوساط المعنية بهذا الملف، من رسمية وقطاع خاص، بأن تشخيص المشكلة لا يكفي للتفكير بالحلول المناسبة الآن لأنه كان من المفترض القيام به عند بروز الاشارات الأولى لارتفاع أسعار النفط، وكان من الأجدى تنظيم سلسلة من النقاشات المفتوحة حوله. يبقى الأهم الآن: كيف ستتمكن الحكومة الحالية من تأمين الدعم البالغ 5.3 بليون درهم لتجنب الخضات السياسية والاجتماعية؟ باحث اقتصادي.