الرجل الأربعيني الذي دخل مقهى"إن هاوس"في أحد أحياء دمشق الجديدة، لم يخطر في باله، وهو يلتقي باحثة أجنبية هناك، أنه سيجد نفسه، في مكان من زمن آخر. ف"الكافيه"الجديد، هو أول نسخة أميركية للمقاهي في دمشق التي تعتمد الخدمة الذاتية، ما أوقعه في ارتباك، أعاده مرغماً إلى زمن"بوفيه الجامعة"والحياة الطالبية. هنا، يلتقي شبان الجيل الجديد مأخوذين بالطراز الأميركي للعيش، حيث تتجاور المقاعد على نسق واحد حول مائدة مشتركة، تقترح نمطاً موحداً من العلاقات، وتلغي الخصوصية المعتادة في مقاه أخرى. كانت الباحثة هي من اكتشف المكان الجديد وبدا الوضع مقلوباً، عندما بدأت تشرح له، على الهاتف، موقع المقهى. فهي خلال شهرين من اقامتها في دمشق، بقصد إنجاز بحث عن التحولات الاجتماعية والثقافية خلال العقود الثلاثة الأخيرة، تمكنت بسرعة من معرفة أحياء وأماكن، لم يزرها على الإطلاق. وبدا كأن المدينة في سرعة تحولاتها، تكتب ذاكرة أخرى لا تخص جيله جيل الثمانينات. الصدمة الأخرى ، جاءت من ابنته المراهقة، حينما استغربت ذهابه إلى مكان مثل"إن هاوس"بقولها:"هذا المكان مخصص للشباب"!، فهو إلى اليوم، لم يلتفت إلى عمره، وأنه لم يعد ذلك الشاب الطليق، وأن خياراته الحياتية، تحتاج إلى مراجعة، بعد أن أصبح أباً لابنة في السادسة عشرة، وقد سبق والتقيا أكثر من مرة، في مكان واحد، بالمصادفة. هكذا كان عليه أن يجرّب خططاً أخرى، تليق برجل أربعيني متزوج، ولديه مسؤوليات عائلية، تضع حريته الشخصية على المحك. فجيل الثمانينات في نهاية الأمر، اختار الحصان الخاسر في حلبة السباق، عندما راهن على مشاريع حياتية صاخبة، من دون أن يفكر في دفع ضرائب اجتماعية باهظة، كانت تتطلبها التقاليد. إذ لم يعد استئجار غرفة على سطح بناية وخاتم فضة وسرير مستعمل كافية لتحقيق زواج ناجح، كما كان يراهن هذا الجيل. فبعد سنوات من الزواج، لم يعد الحب وحده يحتمل قسوة العيش، فكان الفشل مصير معظم هذه العلاقات. وهناك حالات طلاق بالجملة أنهت قصص حب شهيرة، كانت مضرب المثل، في كواليس الجامعة، وكافتريات طريق كلية الهندسة وكافتريا"يا مرحبا"، ورواق"المركز الثقافي السوفياتي". فبالنسبة الى أبناء هذا الجيل"الثوري"، كانت هذه الأماكن المجال الحيوي للتعبير عن ذواتهم ونوازعهم الوجدانية. يقول أحمد الذي اكتشف فجأة أنه تجاوز الأربعين من عمره:"الأربعون، يا له من برزخ. فأنا أجد نفسي اليوم عند مفترق طرق بين أحلام الشباب ورصانة الرجولة. لكنني في أعماقي، أرفض الاعتراف وما زلت أسير حقبة الثمانينات، بكل جحيمها وخسائرها. ذلك أن هزيمتنا اليوم، تبدو أقسى ونحن نجد أنفسنا غرباء عما يدور حولنا. ولا أجد أنني أنتمي إلى أماكن اليوم، مثلما لا أقتنع بأنني أب، وينبغي أن استيقظ كل صباح لإرسال ابني إلى المدرسة، بعد أن انفصلت عن زوجتي". جمال الذي تزوج بعد قصة حب عاصفة بفتاة تشبه"كارمن"في فيلم شهير لكارلوس ساورا يعلق متهكماًًً:"اكتشفت أخيراً، أن"كارمن"تشبه أمها في السلوك والمفاهيم. وهذا ما جعل حياتي معها جحيماً، ولم أجد حلاً إلا بالطلاق. وربما كان من حسن حظي وقناعات تلك المرحلة أن متأخر المهر، كان ليرة واحدة، وهو ما سهّل ختام هذه القصة". أما لقمان ديركي، فقد رثى هذه الحقبة في ديوان شعري بعنوان"الأب الضال"كاعتراف بالهزيمة. فهو كما يقول:"اكتشفت أن الشوارع والحانات أرحم من متطلبات الزواج وقيود العائلة، وان ولادة طفل لا تشبه ولادة قصيدة كما كنا نعتقد في الثمانينات. ولهذا السبب هجرت المنزل غير مأسوف على شبابي". ويتذكر كيف اضطر إلى تهريب طفلته من مستشفى خاص، عندما لم يتمكن من دفع الفاتورة، مستفيداً من"قراءات بالجملة للروايات البوليسية".