وسط اجراءات أمنية مشددة، تحتفل موسكو مطلع الاسبوع المقبل بالذكرى الستين للانتصار على النازية. ومن المتوقع ان يحضر الاحتفالات العسكرية الضخمة أكثر من خمسين رئيساً وقائداً خصصت الحكومة الروسية لحمايتهم حشداً من العناصر المدربة على محاربة الارهابيين. ومع ان الرئيس فلاديمير بوتين لا يسره احياء ذكرى انتصارات النظام الستاليني، الا ان الفشل الذي منيت به مشاريعه الاصلاحية اضطره للاعتماد على مفاخر الماضي. لذلك تتهمه المعارضة باستغلال الاحتفالات، تماماً مثلما فعل قبل حملته الانتخابية التي دشنها في مهرجانات بطرسبورغ بحضور خمسين رئيس دولة. ويرى المراقبون ان تطويق روسيا بواسطة الزحف المتواصل لأنظمة دول الحلف الاطلسي، كان الحافز الذي شجع بوتين على تذكير الدول الكبرى بأن ترسانته النووية لا تزال قائمة. وعليه يتوقع ان يكون العرض العسكري المهيب عامل تخويف وتخفيف من حدة"الثورات الملونة"التي تطوق بلاده، خصوصاً بعدما رفع المتظاهرون في ساحة الكرملين أعلاماً حمراً كأنهم بذلك يهددون بإكمال حلقات الطوق الذي ظهر في انتفاضة جورجيا"الوردية"واوكرانيا"البرتقالية"وقيرغيزستان السوداء. ولقد اضطر بوتين في مواجهة موجة السخط، الى زيارة"كييف"من أجل عقد شراكة جديدة مع الرئيس الاوكراني فيكتور يوتشينكو الذي اكد عزمه على انتهاج سياسة مستقلة عن موسكو. كما استقبل رئيس بيلاروسيا الكسندر لوكاتشينكو وجدد معه عقد التكامل بين البلدين، عقب تصريح الوزيرة الاميركية كوندوليزا رايس، ودعوتها الى اطاحة النظام الذي وصفته بأنه"آخر الديكتاتوريات في أوروبا". وكان من الطبيعي أن تحدث عملية"الدومينو"داخل دول آسيا الوسطى، ردود فعل متباينة أخافت اوزبكستان وكازاخستان وكل الدول المحيطة بروسيا. وهذا ما فرض على الرئيس بوتين تحميل خطابه السنوي الى الأمة، عبارات تحذير وجهها الى خصومه ممن يلوحون بثورة مخملية على غرار ما جرى في جورجيا واوكرانيا. وقال أمام الوزراء وكبار موظفي الدولة، انه يرفض الديموقراطية المستوردة التي تخالف طبيعة الشعب الروسي الرافض للاملاءات الخارجية. وشدد على قدرة حكومته في معالجة الأمور المستعصية، مؤكداً ان الديموقراطية في بلاده"ستفصّل"على مقاس المواطنين. ثم أوحى في خطابه بأنه يحن الى عصر القيادة السوفياتية، واصفاً انهيار تلك الامبراطورية الشاسعة بأنه يمثل أكبر كارثة جيو سياسية عرفها القرن الماضي. وعليه هدد بأنه سيتعامل بقسوة مع كل حركة غير شرعية تحاول استغلال الأمن لنشر العنصرية والطائفية. وعلق رئيس"حزب الوطن الأم"ديمتري اوغوزين، على خطاب بوتين بالقول انه يكشف عن انفصام في الشخصية لأنه يتحدث للمواطنين في الداخل بلغة مختلفة عن اللغة التي يستخدمها في مخاطبة الاميركيين وحلفائهم في الخارج. ورأى ديمتري ان توظيف شبح الاتحاد السوفياتي لم يعد يخيف واشنطن ودول الحلف الاطلسي التي ضمت دول الكتلة الشرقية السابقة. وهو يفسر كلام الرئيس الروسي بأنه تجاهل متعمد للعجز الذي يعانيه بسبب فشل برنامجه الاصلاحي ومبادراته السياسية. وكانت آخر هذه المبادرات ممثلة بالاقتراح الذي عرضه في مصر عن استعداده لاستضافة مؤتمر دولي حول الشرق الاوسط. يقول المعلقون في الصحف الاوروبية ان الرئيس بوتين كان يعرف جيداً ان مبادرته لن تحظى بموافقة اميركا واسرائيل، وان كل المبادرات الاخرى فشلت في احتلال موقع"خريطة الطريق". وعلى رغم هذا، فقد أصر على اعلان المبادرة من القاهرة، بعد تسريب مجموعة اخبار كانت مصدر قلق في اسرائيل. الخبر الاول يؤكد بيع سورية صواريخ ارض جو من طراز"ايغلا"ومعناها"الابرة". ولكن بوتين جدد التزام بلاده المحافظة على توازن القوى في المنطقة، مشيراً الى ان موسكو رفضت تزويد دمشق بأنظمة صاروخية تطال العمق الاسرائيلي. ولكن حكومة شارون رفضت هذا المنطق لأن روسيا في نظرها تؤمن السلاح لدولة عربية تعمل على دعم المقاومة العراقية وتزود"حزب الله"بأجهزة هجومية متطورة. الخبر الثاني الذي ذكره بوتين في مؤتمره الصحافي، يتعلق بمسألة الملف النووي الايراني، مشيراً الى مواصلة اسهام بلاده في مفاعل"بوشهر"للاغراض السلمية. وجدد رفضه نشر اسلحة الدمار الشامل، وقال ان كارثة تشيرنوبل تبقى خير دليل على ان صانع الاسلحة النووية سيصبح ضحية لها. ورأت الحكومة الاسرائيلية في الاعلان الروسي، مجرد عملية احياء مصالح تمتد من الصين عبر ايران، لتصل الى شرق اوروبا والجمهوريات السابقة في جنوب آسيا. الخبر الثالث الذي اعلنه بوتين يتحدث عن مساعدة السلطة الفلسطينية لتعويض ما خسرته من اسلحة ضرورية للحفاظ على الأمن. وقال انه سيزود السلطة بمروحيتين عسكريتين وخمسين ناقلة جنود لم تعد صالحة لاستخدام الجيش الروسي. وعلق وزير الدفاع الاسرائيلي شاؤول موفاز على هذا العرض بالرفض القاطع، مدعياً انه لا يسمح للسلطة الفلسطينية باستخدام آليات قد تستولي عليها عناصر"حماس"او"الجهاد الاسلامي"للقيام بعمليات ارهابية. المسألة الرابعة التي اثارها بوتين قبل زيارته للمنطقة، كانت هي محور المحادثات مع شارون وبعض اعضاء حكومته، اي مسألة"حيتان المال"الذين وجدوا في اسرائيل الملاذ الآمن، خصوصاً بعدما رفضت تل ابيب تسليمهم بحجة انهم هربوا من أجواء معاداة السامية. ودافع بوتين عن سياسته الصارمة تجاه الاثرياء اليهود، وكشف عن بعض الحقائق المخيفة المتعلقة بجمع ثروات خرافية خلال سنوات فوضى الخصخصة، وقال ان عدداً من أصحاب البلايين يسعى الى استخدام ثرواته لتغيير النظام عن طريق انتهاك القوانين. ووعد المواطنين بشن حرب ضد هذه الظاهرة لأنه"يسعى للحفاظ على وحدة روسيا التي تضم شعوبها عناصر من مختلف الأديان والمذاهب والقوميات". وكان بهذا التلميح يوجه اصابع الاتهام الى بارون النفط ميخائيل خودوركوفسكي، مؤسس مجموعة"يوكوس"النفطية. ولقد اعتقل هذا الشاب بحجة التهرب من دفع الضرائب والحصول عن طريق الاحتيال على 36 في المئة من مجموعة"يوكوس"التي اشتراها ب350 مليون دولار سنة 1995 ورفع قيمتها في البورصة الى 31 بليون دولار سنة 2002، وقدرت مجلة"فورثن"ثروته بسبعة بلايين ونصف البليون دولار، وقالت انه الثاني بين أثرياء العالم الذين تقل أعمارهم عن الاربعين سنة بعد الاميركي مايكل ديل. وتزامن قرار اعتقال خودوركوفسكي مع حملة انتخابات الرئاسة، لأن أجهزة الاستخبارات التابعة لبوتين، حذرته من نشاط سياسي يقوم به هذا الثري اليهودي بهدف اسقاطه. وهذا ما دفع الرئيس الروسي الى اعلان الحرب ضد الذين يستخدمون ثرواتهم لتغيير النظام على أمل استبداله بنظام أكثر ليونة وأقل اهتماماً بالشفافية. تقول صحيفة"هآرتس"الاسرائيلية ان فلاديمير بوتين مقتنع بالدور الخفي الذي قام به تروتسكي ورفاقه اليهود أثناء الثورة ضد القيصر والكنيسة الارثوذكسية. كما انه مقتنع بدورهم المؤثر في اجهاض النظام الشيوعي وتفكيك الاتحاد السوفياتي. وربما ساهمت هذه القناعة في تضخيم الهواجس التي دفعته لملاحقة أثرياء اليهود ممن يتهمهم بالتآمر لاسقاط النظام. كما يتهمهم بتحريض اسرائيل على التدخل مع الادارة الاميركية لمنع روسيا من تقوية علاقاتها مع دول الشرق الاوسط. وفي هذا الاطار يمكن تفسير الزيارة التي قام بها بوتين الى مصر واسرائيل والضفة الغربية. وفي هذا الاطار ايضاً يمكن فهم الدوافع القومية التي شجعته على زيارة الكنيسة الروسية في القدس، والدعوة الى احياء العلاقات القديمة التي ازدهرت في عهد القياصرة. أما على المستوى السياسي والاقتصادي، فإن الزيارة تشكل خطوة جديدة نابعة من رغبة الرئيس بوتين في رفع مستوى مكانة بلاده في الشرق الأوسط، واعادة اعتبارها كاحدى الدول الكبرى في العالم. وهذا ما حاول أن يثبته من وراء طرح مبادرته السياسية بين اسرائيل والفلسطينيين. وربما استغل عملية استئناف بيع الاسلحة لسورية وايران كي يذكر الحكام الذين يستضيفهم الاسبوع المقبل، بأنه قادر على الاخلال بالتوازنات القائمة، وبأن روسيا مستعدة للعب دور المصدر الاول للاسلحة الى العالم العربي. ويبدو انه حاول ضبط ايقاع عملية استئناف بيع الاسلحة على انغام التجاوب السياسي لاسرائيل والولاياتالمتحدة. لذلك أبلغ شارون موافقته على تنفيذ الصفقة لسورية ولكن صواريخ AS 18 ستبثت على مركبات ولن تستخدم كصواريخ كتف خوفاً من تسليمها الى"حزب الله". عندما قال شارون ان ربع سكان اسرائيل يتكلم الروسية، ابلغه بوتين ان تحسين الظروف الداخلية ومكافحة العنصرية وقبول اليهود الاوفياء لروسيا... كل هذا سيوقف الهجرة الى اسرائيل. وبما انه علم مسبقاً بأن شارون لن يسمح بتسليم عدد كبير من اليهود الروس الذين لجأوا الى اسرائيل، فقد تجاهل هذا الموضوع، وراح يتحدث عن مشكلات الارهاب التي تتغذى من فشل السلام العادل والشامل. ولم تكن المحادثات مرضية لشارون ووزير الخارجية سيلفان شالوم ونائب رئيس الوزراء ايهود اولمرت بسبب مجاهرة بوتين بأن التوصل الى السلام العادل في المنطقة يمر عبر قرارات مجلس الأمن 242 و338 و1515. وكرر ما ذكره في مؤتمره الصحافي قبل وصوله الى مصر، من ان هدف التسوية يختصر في انهاء الاحتلال الاسرائيلي للاراضي العربية منذ سنة 1967، واقامة دولة فلسطينية مستقلة تعيش بسلام وأمن الى جانب اسرائيل. بقي السؤال الأخير: هل فشلت زيارة بوتين للمنطقة لأن اسرائيل واميركا رفضتا مبادرة استضافة مؤتمر دولي حول الشرق الاوسط؟ نفى وزير خارجية روسيا سيرغي لافروف، ان تكون المبادرة هي الهدف الأول والأخير من وراء هذه الجولة. وقال ان احياء الدور السابق الرامي الى تعزيز الصلات والشراكة الاستراتيجية مع دول المنطقة، سيقوي التعاون الاقتصادي والسياسي والأمني بين موسكو والعواصم العربية. ومن المؤكد ان هذا التطور سيمنح الفلسطينيين هامشاً وسيعاً من التحرك يعوضهم عن الاهمال الذي لاقوه من الولاياتالمتحدة واسرائيل. كذلك سيمنح هذا الانفتاح المفاجئ زعماء الدول العربية فرصة جديدة لاقامة علاقات متوازنة ولو على المستوى السياسي، يساومون بها واشنطن على ما تبقى لهم من حصص ضائعة وضغوط مبددة وثروات منهوبة! كاتب وصحافي لبناني.