Francois Roche. Les Euisines du Kremlin. مطابخ الكرملين Seuil, Paris. ش2004. 202 Pages. على خلاف منظومة الدول الديموقراطية في اوروبا الغربية، لم تعرف روسيا في تاريخها الحديث تطوراً عضوياً متصلاً. فهي لم تعش قط مرحلة بورجوازية حقيقية. وبعد فشل التجربة السوفياتية، التي مثلت محاولة لحرق المراحل بالتحول الثوري من روسيا القيصرية ما قبل الرأسمالية الى روسيا البلشفية ما بعد الرأسمالية، عاودت الانقلاب على نفسها في عهد يلتسن لتستدرك ما فاتها من تطور رأسمالي نظامي. لكن رغم كل الدعم السياسي والاقتصادي الذي تلقته روسيا اليلتسنية من الغرب، فان عقد التسعينات من القرن العشرين الذي تم فيه تجميد كل طاقات الدولة والمجتمع من اجل الاحياء الرأسمالي، لم يتمخض في نهاية المطاف الا عن شكل شاذ وغير ليبرالي من الرأسمالية يمكن ان يسمى بالرأسمالية الاوليغارشية. ورغم ان فلاديمير بوتين نفسه، الذي آلت اليه مقاليد الامور منذ نهاية 1999، كان ربيباً ليلتسن، ورغم انه كان في حينه "الرجل المنقذ" الذي وقع عليه اختيار الاوليغارشيين الروس الجدد لصدّ موجة الارتداد نحو الشيوعية، فان هذا الرئيس الذي كان يفترض فيه ان يكون "صنيعة" هو من فاجأ الجميع بتدليله على رغبة جامحة في توكيد استقلاله الشخصي، وبنجاحه في انتزع ولاية ثانية في آذار مارس من هذا العام، وبدخوله في مواجهة مباشرة مع الشريحة الاوليغارشية التي كانت راهنت عليه، وهي المواجهة التي اخذت شكلاً مكشوفاً منذ انفجار ما بات يعرف باسم "قضية يوكوس" واعتقال ومحاكمة خودوركوفسكي، الملقب ب"روكفلر روسيا" والممثل الالمع والاذكى والاغنى معاً للاوليغارشيين الروس الجدد. ومن دون ان يتنكر مؤلف هذا الكتاب للتفسيرات الرائجة التي تردّ خلاف سيد الكرملين مع سيد شركة "يوكوس" الى صراع شخصي على السلطة، باعتبار ان بوتين قد تخلص، بتخلصه من خودوركوفسكي، ممن كان يمكن ان يكون منافساً جدياً له، ان لم يكن في انتخابات ولايته الثانية عام 2004، فبكل تأكيد في انتخابات ولايته الثالثة عام 2008، فان محرر "مطابخ الكرملين"، وهو من ألمع المتخصصين الفرنسيين في الصحافة الاقتصادية، يؤثر ان يعطي لخصومة بوتين / خودوركوفسكي بعداً اجتماعياً وايديولوجياً اوسع مدى. ففي نظره ان ما بدأ بوتين بتنفيذه منذ مطلع 2003 هو انقلاب حقيقي للتحول - الفوقي دوماً - بروسيا من الرأسمالية الاوليغارشية الى شكل شاذ آخر من الرأسمالية يمكن ان يسمى بالرأسمالية البيروقراطية. ما الاوليغارشية؟ انها، بالتعريف القاموسي، "نظام حكم سياسي تعود فيه السيادة الى شريحة اجتماعية ضيقة من اصحاب الامتيازات"، وتحديداً في الوضعية الروسية المستجدة، بعد سقوط النظام السوفياتي: الى اصحاب المال. ذلك ان الظاهرة الاجماعية - الاقتصادية الاكثر تمييزاً للعهد اليلتسني هي بروز شريحة ضيقة للغاية، لا يتعدى تعداد افرادها الثلاثين، من المليونيريين، بل من الميلياردريين، الجدد، وفي مقدمتهم ميخائيل خودوركوفسكي نفسه الذي عدته مجلة "فوربس" الاميركية، مع 16 من زملائه الروس، من مئة أغنى أغنياء العالم في 2003. والحال ان تلك الثروات الطائلة التي راكمها الاوليغارشيون الروس، في اقل من عشر سنوات، كانت في نقطة انطلاقها على الاقل، نتيجة عملية سطو واسعة النطاق على الاقتصاد الروسي. فخودوركوفسكي، مثله مثل بقية زملائه، لم يكن في البداية الا موظفاً في معهد مندلييف للكيمياء في موسكو. وبما انه كان مكلفاً من قبل منظمة الشبيبة السوفياتية بجمع اشتراكات زملائه في المعهد، أتقن فن العمليات المصرفية. وعندما شرع غورباتشوف باجراء اصلاحاته الاقتصادية عام 1987 كان خودوركوفسكي، بحكم خبرته المصرفية المكتسبة تلك، من اول لمستفيدين. فقد استغل حاجة شركات القطاع العام الى السيولة النقدية ليتولى "خصخصة" الروبل، اي تحويل الروبل الاداري الى روبل نقدي بفارق في الصرف بلغ 1 الى 10 عشرة روبلات ادارية مقابل روبل نقدي واحد. وهكذا جمع خودوركوفسكي ثروته الاولى من خلال عملية تسييل الروبل، ثم من خلال عملية "دولرته". فمعدلات التضخم التي قفزت من 160 في المئة عام 1991 الى 2000 في المئة عام 1992 حولت خودوركوفسكي - الذي كان انشأ اثناء ذلك مصرفاً خاصاً به - بين عشية وضحاها الى مليونير بالدولارات وملياردير بالروبلات. ثم كانت فرصته الذهبية الثانية عندما قررت حكومة يلتسن عام 1995 تصفية القطاع العام في شبه مزاد علني، فسارع خودوركوفسكي الى شراء 40 في المئة من حصص شركة النفط الروسية الكبرى "يوكوس" بمبلغ زاد في حينه على 159 مليون دولار. وهذا ما فعله ايضاً سائر زملائه من النخبة الاوليغارشية الجديدة الذين اشتروا بمبلغ لا يزيد مجموعه على بليون دولار، وعلى شكل "قرض مقابل أسهم" قدموه للدولة، حصصاً راجحة في كبرى شركات القطاع العام في مجال النفط والمعادن والصيرفة والطيران والاعلام. والحال ان ما كان يساوي 100 في عام 1995 بات يساوي بعد ست سنوات 1000، وقد يساوي عما قريب 10000. وقد اعترف خودوركوفسكي نفسه عام 2002 بأن ثروته الشخصية بلغت 7 بلايين دولار، على حين ان تقديرات الصحافة العالمية المختصة تتحدث عن خمسة اضعاف هذا المبلغ. وبديهي ان القسم الاعظم من هذه الثروة مودع في البنوك العالمية المتمسكة بمبدأ السرية المصرفية، لا سيما منها بنوك اللوكسمبورغ وجبل طارق وقبرص واسرائيل التي لجأ اليها وحصل على جنسيتها شريك خودوركوفسكي الأول والدائم ليونيد نفزلين. والسؤال الذي يطرح نفسه: هل اعتقال خودوركوفسكي في 25 تشرين الأول اكتوبر 2003 وتقديمه الى المحاكمة بتهمة سرقة الدولة والتهرب الضريبي المقدر حجمه من قبل المدعي العام بما بين 1.8 و3 بلايين دولار سنوياً، يعني بداية النهاية بالنسبة الى بارونات الصناعة والمال والاوليغارشيين الجدد الذين أمسكوا، ابتداء من 1995، بمفاتيح الاقتصاد الروسي وتحكموا بالسياسة الروسية نفسها بقدر ما كانوا هم انفسهم وراء اختيار بوتين خليفة ليلتسن؟ لقد كتبت في حينه "الازفستيا" التي كانت ملكيتها قد انتقلت الى رجل الأعمال والمصارف فلاديمير بوتامين: "ان الرأسمالية في روسيا، مثلها مثل كل الناس، تاريخ ميلاد وتاريخ ممات. فقد ولدت في 2 كانون الثاني يناير 1992 تاريخ بداية الخصخصة وماتت في 25 تشرين الاول 2003". ولا شك ان هذه مبالغة. فسيد الكرملين الحالي، الذي تشير جميع الدلائل الى انه يخطط من الآن لولاية ثالثة، لا يريد، من خلال اعتقال خودوركوفسكي وعدد من كبار اعوانه، اعادة النظر في عملية الخصخصة بل فقط في الشروط التي تمت فيها، والتي ادت الى افقار الدولة على حساب الاثراء الفاحش والصاعق السرعة للاوليغارشيين. فالادارة البوتينية مع من تمثلهم من كبار موظفي الدولة والاجهزة الامنية، ممن يسمون في روسيا ب"المدراء الحمر"، تبدو مصممة على اعادة تقاسم الارباح. وفي الوقت الذي تتمسك فيه بمبدأ اقتصاد السوق، فانها تريد ان ترد الاعتبار الى دور الدولة القيادي، لا سيما في قطاع الطاقة الذي هو اليوم القطاع القائد لكل الاقتصاد الروسي. ومن دون ان يمارس بوتين، كما يتهمه خصومه من "الليبراليين"، "استبداداً ستالينياً جديداً" فان الديكتاتورية التي يبدو مصمماً على ممارستها هي ديكتاتورية سلطة القانون. وهذا ليس حباً بالقانون نفسه، بل فقط من حيث ان القانون يمكن ان يلعب دوره كوسيلة شرعية في اعادة توزيع خفية لملكية وارباح المشاريع المخصخصة لصالح "المدراء الحمر" الذين يظلون، على غناهم، فقراء بالمقارنة مع الاوليغارشيين الجدد. وازاء هذا الصعود اللامتوقع "للبيروقراطيين" الجدد، فان السؤال الذي ستتكفل التطورات اللاحقة الاجابة عنه: هل بوتين، الذي تخرج من مطابخهم، هو سيدهم فعلاً ام أسيرهم؟