ترك بوريس يلتسن لخليفته فلاديمير بوتين عبئاً ثقيلاً من المشكلات الاقتصادية تمثلت باقدامه على خطوة غير مسبوقة على خصخصة الشركات والمؤسسات الحكومية، لا سيما في قطاعات النفط والالومنيوم والطيران المدني. واتاحت العشوائية في تنفيذ عمليات الخصخصة لطائفة من رجال الاعمال، ومعظمهم من اليهود الذين يحملون الجنسيتين الروسية والاسرائيلية، السيطرة على اهم مرافق البلاد بأبخس الاسعار، اثر انهيار النظام الشيوعي والانتقال الى اقتصاد السوق. وتلوك ألسن المواطنين الروس قصصاً كثيرة عن شركات ضخمة بيعت بأسعار تقل بعشرات المرات عن ثمنها الحقيقي. فضائح عمليات الخصخصة بهذا الحجم اثارت نقمة غالبية الشعب الروسي الذي يعاني ازمة معيشية خانقة، في وقت ترزح الدولة الروسية تحت ديون تقارب 100 بليون دولار ولا تجد بالتالي سبيلاً الى تقديمات اجتماعية تخفف عن المواطنين اعباء الازمة، فيما تنعم بثروات البلاد ثلة من حيتان المال. واذا كان يلتسن نقل البلاد الى نظام الاقتصاد الحر، فإن هذا كان بالتأكيد على حساب الخزينة العامة والتفريط بحقوق الناس، ما أدى بالمواطنين الى ابداء حنينهم الى ايام ماضية كانوا يمارسون حياتهم في شكل افضل. وامام هذا الوضع المتردي كان لا بد للرئيس بوتين من اتخاذ موقف حاسم، بعدما ثبت حكمه خلال السنوات القليلة الماضية، من ازمة شركة "يوكوس" النفطية فلجأ الى تصحيح الامور وأفسح المجال أمام القضاء الروسي لممارسة مهماته في قمع المخالفات القانونية ومتابعة التحقيق مع الشركة ورئيسها السابق ميخائيل خودوركوفسكي بتهمة التهرب الضريبي والاحتيال والتزوير. ولم تجد الضغوط الداخلية والخارجية المطالبة باطلاق خودوركوفسكي. اذ أكد بوتين انه لن يتدخل في عمل القضاء. فيما أكد رئيس الحكومة ميخائيل كاسيانوف ان الجميع سواسية امام القانون لا ان يعاملوا على قدر ما يملكون من ارصدة. وقمة الضغوط التي تعرض لها بوتين تمثلت في مأدبة العشاء التي اقامتها مؤسسة "كاريل" الاميركية القريبة من البنتاغون في 14 ايلول سبتمبر الماضي وحضرها جورج بوش الأب الذي قام بزيارة مفاجئة لروسيا، وهنري كيسنجر صديق خودوركوفسكي وعضو مجلس ادارة مؤسسة "روسيا الانفتاح" التي اسسها خودوروفسكي نفسه، وشمعون بيريز وفاليري جيسكارديستان، اضافة الى رجال اعمال وصناعيين مؤيدين لرئيس "يوكوس". الازمة نشأت في تموز يوليو الماضي، عندما اعلن احد نواب الائتلاف الحكومي في تصريح الى وسائل الاعلام ان شركة "يوكوس" سددت عن عام 2002 رسوماً وضرائب بقيمة 5،3 مليون دولار، فيما كان يتوجب عليها تسديد اكثر من اربعة بلايين دولار. قبل مغادرة بوش الاب روسيا اجرى مفاوضات مع خودوركوفسكي لشراء 25 في المئة من اسهم الشركة لحساب شركة "شيفرون تكساس" التي يترأسها. كما ان شركة "اكسون موبيل" كادت توقع اتفاقاً مع "يوكوس" لشراء 40 في المئة من اسهمها، بحيث تصبح معظم اسهم "يوكوس" اميركية. ويبدو ان خودوركوفسكي حاول تهريب امواله او معظمها الى الخارج، كما فعل ابراهام ابراموفيتش رئيس شركة "سينفن"، اذ تخلى عن 50 في المئة من اسهمه في شركة الطيران الوطنية "ايروفلوت" واشترى نادي تشلسي الانكليزي لكرة القدم فضلاً عن انه مطالب بدفع مبلغ 330 مليون دولار متأخرات رسوم وضرائب تهرب مع دفعها. الا ان اعتقال خودوركوفسكي ادى الى تريث الشركتين الاميركيتين في متابعة المفاوضات لشراء 65 في المئة من اسهم "يوكوس". بعض من هالهم امر اعتقال خودوركوفسكي وشركته كال الاتهامات بأن وراء الحملة خلفية سياسية تهدف الى تحويل روسيا عن نظام الاقتصاد الحر الى النظام السابق واحكام سيطرة الدولة على المرافق العامة. كما اتهم آخرون من مؤيدي خودوركوفسكي بوتين بأنه يسعى الى تشويه سمعة "يوكوس" ورئيسها للحد من طموحاته الرئاسية التي لم يخفها. المهم ان بوتين وجه ضربة موفقة وافقت رغبات الروس، اذ أظهر استفتاء اجرته احدى المؤسسات المتخصصة ان 77 في المئة من المواطنين الروس يطالبون الرئيس باعادة النظر في عمليات الخصخصة واسترداد الاموال المهدورة ويؤيدون الاجراءات القضائية في حق "يوكوس" وحيتان المال. والسؤال الآن: هل تؤدي اعادة النظر في عمليات الخصخصة الى اعادة سيطرة الدولة على المرافق العامة لا سيما قطاع النفط، وكل الظروف مهيأة لذلك، ام ان بوتين سيكتفي باعتماد اسس جديدة ترعى المصلحة العامة فيحقق طموحات الشعب باسترداد امواله؟ اغلب الظن ان بوتين لن يعود بالتاريخ الى الوراء. * صحافي لبناني.