المستشرق البوسنوي اليوغسلافي المخضرم توفيق مفتيتش يمكن اعتباره رمزاً للجيل الكلاسيكي من المستشرقين المخضرمين في تاريخ يوغسلافيا السابقة والبوسنة المعاصرة. فقد ولد قبل أيام من تأسيس يوغسلافيا 1918 وعايش انهيارها الأول في 1941 وتأسيس"دولة كرواتيا المستقلة"التي ضمت البوسنة ثم عايش تأسيس يوغسلافيا الاشتراكية 1945-1990 وصولاً إلى انهيارها واستقلال البوسنة في خضم الحرب 1952-1995. ومن ناحية أخرى فقد كان مفتيتش من جيل المستشرقين الكبار في يوغسلافيا السابقة الذين تميزوا بثقافة موسوعية وأتقنوا لغات أوروبية عدة الألمانية، الإيطالية، والروسية الخ مكنتهم من التواصل مع مراكز الاستشراق الأوروبي. ولد مفتيتش في سراييفو في 28 تشرين الثاني نوفمبر 1918، أي قبل ثلاثة أيام من إعلان تأسيس يوغسلافيا 1 كانون الأول 1918 التي ضمت مملكتي صربيا والجبل الأسود من ناحية والبوسنة وكرواتيا وسلوفينيا من ناحية أخرى بعد أن تخلصت من الحكم النمسوي الهنغاري. وبعد إكمال دراسته الثانوية توجه إلى جامعة زغرب حيث درس الأدب واللغات: الألمانية والإيطالية والروسية. وإلى تلك الفترة المبكرة المدرسة الثانوية والجامعة تعود اهتماماته باللغة والثقافة العربية حيث بدأ يتعلم العربية وحده وأصبح هذا شغله الشاغل حتى تمكن من تعلمها والغوص فيها. وقد تصادف بعد عودته إلى سراييفو تأسيس معهد الاستشراق في سراييفو خلال 1950 فانضم إليه وأصبح لاحقاً من أبرز الباحثين فيه. وفي غضون ذلك كان تابع دراساته العليا في مجال الدراسات العربية حيث اختار لرسالة الدكتوراه"المصدر الثلاثي في اللغة العربية"التي ناقشها في 1965. وفي ما يتعلق بالبحث والنشر فقد برز اسم مفتيتش بعد أن نشر بحثه الأول"الافعال الثلاثية في اللغة العربية"خلال 1953 في مجلة المعهد"إسهامات في الفيلولوجيا الشرقية"ولم ينقطع طوال خمسين سنة 1953-2003 عن البحث والنشر في مجالات عدة جعلت منه اسماً معروفاً في يوغسلافيا السابقة والبوسنة المعاصرة. وضمن هذه المجالات لا بد من ذكر المجال الأثير لديه ألا وهو ذلك المتعلق بدراسة اللغة العربية وخصائصها الأسلوبية، الذي بدأ فيه بحثه الأول عام 1953 ثم رسالته للدكتوراه 1965 وأتبع ذلك بكتابين مرجعيين: الأول"الكتابة العربية"الذي صدر في سراييفو 1982 وقدمت عنه عرضاً في حينه لمجلة"العربي" وكتاب"الخصائص الأسلوبية الكلاسيكية للعربية"الذي صدر في سراييفو 1992. أما المجال الآخر الذي استفاد منه من خدمته الطويلة في تعليم اللغة العربية في قسم الاستشراق في جامعة سراييفو، فقد توجه كتابه"قواعد اللغة العربية"الذي صدر في سراييفو 1998. ومع أنه كانت صدرت كتب عدة في هذا المجال كذلك الذي أصدره أ. كاديتش وأ. بوليتش في موستار 1907 وكتاب سيكريتش وباشيتش وخانجيتش الذي صدر في سراييفو 1936 وكتاب بسيم كركوت الذي صدر في سراييفو 1952، إلا أن كتاب مفتيتش يتفوق عليها جميعاً بشموليته حيث يستعرض تاريخ اللغة العربية ولهجاتها وكتابتها وأصواتها وصرفها ونحوها الخ، إضافة إلى قيمته العملية لكل من يرغب بتعلم اللغة العربية. ولكن اسم مفتيتش في يوغسلافيا السابقة كان يرتبط أكثر بالإنجاز الموسوعي الكبير الذي خصّص له معظم حياته، ألا وهو"المعجم العربي الصربو كرواتي"الذي صدر في طبعته الأولى في 1973. وقد جاء هذا القاموس في وقته بالنسبة الى المستشرقين والعاملين في مجال الدراسات العربية والترجمة من العربية إلى اللغات اليوغسلافية. فقد تأسس أول قسم للاستشراق في بلغراد 1926 وتأسس القسم الثاني في سراييفو 1950 بينما تأسس القسم الثالث في بريشتينا 1973، ولكن مع كل الأجيال التي درست واشتغلت في الترجمة من العربية إلى اللغات اليوغسلافية كانت الشكوى متواصلة من عدم وجود قاموس عربي يوغسلافي. وقد جاء هذا القاموس في حينه ليلبي حاجة الدارسين والمترجمين، إذ انه جمع نحو 150 ألف كلمة ومصطلح من اللغة العربية الكلاسيكية والحديثة. ومن هنا فقد شهدت الترجمة من الأدب العربي إلى اللغات اليوغسلافية زخماً كبيراً في السبعينات والثمانينات بعد صدور هذا القاموس الأول من نوعه، الذي كان دوره من دون شك في مساعدة المترجمين ومنهم صاحب هذه السطور على إنجاز ترجماتهم إلى اللغات اليوغسلافية. ويلاحظ هنا أن هذا القاموس يؤرخ في شكل ما لما كان من تطورات سياسية في يوغسلافيا السابقة. فقد صدر في طبعته الأولى بعنوان"معجم عربي صربو كرواتي". وحافظ على هذا العنوان في طبعته الثانية التي صدرت في سراييفو 1984، بينما صدرت طبعته الثالثة بعد إضافة بعض التعديلات البسيطة في سراييفو 1998 بعنوان"معجم عربي بوسنوي". فقد صدر القاموس في طبعته الأولى 1973 بعد أن تم الاعتراف بالبوشناق شعباً مستقلاً عن الصرب والكروات ولكن باسم آخر فرض عليهم من فوق المسلمون بالميم الكبيرة Muslimani تمييزاً عن المسلمين بالميم الصغيرة muslimani التي تعني كل المسلمين في كل الشعوب اليوغسلافية. ومع الاعتراف بالبوشناق كشعب مستقل بقيت مشكلة اللغة حيث لا يوجد"لغة مسلمة"ولم يحل هذا الإشكال إلا بعد استقلال البوسنة في 1992 حيث استرد البوشناق اسمهم التاريخي واسم لغتهم القومية، مما سمح للطبعة الأخيرة من القاموس أن تحمل العنوان الجديد"قاموس عربي بوسنوي". وإضافة إلى هذه المجالات التي برز فيها مفتيتش بإسهاماته العلمية الكثيرة، فقد كان له اهتمام بالترجمة من العربية إلى اليوغسلافية. وإلى جانب ترجماته المتفرقة لا بد من ذكر أهم إنجازين له: أما الأول فيتمثل في ترجمة"طوق الحمامة"لابن حزم التي صدرت في زغرب خلال 1978، بينما يتمثل الثاني في مقدمة ابن خلدون التي بدأ العمل فيها في 1980 ولكنها بقيت مخطوطة في انتظار من يطبعها. وأخيراً لا بد من ذكر انني حظيت بالتعرف إليه قبل نحو ثلاثين سنة 1975 خلال زيارة إلى معهد الاستشراق مع مجموعة من طلابي في قسم الاستشراق في بريشتينا، حيث استقبلنا بحفاوة لا تنسى ومنحنا خلاصة تجربته التي بقيت في الذاكرة منذ ذلك الحين.