لم يشهد مجلس الوزراء اشتباكاً سياسياً منذ الاشتباك الذي حصل قبل نحو الشهر بين رئيس الجمهورية اميل لحود ووزير الإعلام غازي العريضي. ويتجنب الأول الدخول في سجال مع الوزراء المنتمين الى الأكثرية النيابية الذين لا يحضرون الى قصر بعبدا إلا للاشتراك في جلسات المجلس. فرئيس الجمهورية الذي ابدى ارتياحه لما ورد على لسان رئيس لجنة التحقيق الدولية في جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري القاضي الألماني ديتليف ميليس من ان لا شبهة عليه في الجريمة، لا يرى في المقابل - بحسب قول مصادر وزارية - لپ"الحياة"ان هذا الكلام يشفي غليله مئة في المئة، ليس لأن التحقيق القضائي لم يبدأ حتى الساعة، بعد التمديد للجنة الدولية حتى 15 كانون الأول ديسمبر المقبل، وإنما لشعوره بأن الاتفاق السوري - الأميركي وحده يحفظ له رأسه. لذلك لم يبادر لحود بعد سماعه ما قاله ميليس، الى الانقضاض على الأكثرية الوزارية في مجلس الوزراء باعتبار ان لا بد من انتظار جلاء الحقيقة في الجريمة من خلال الحكم القضائي الذي سيصدر، وعلى الأرجح عن محكمة دولية تشكل خصيصاً للنظر في الجريمة، لا سيما ان المسؤولية المعنوية قد تطاول النظام الأمني الذي كان مسيطراً طوال الحقبة السياسية التي سبقت اغتيال الحريري بصرف النظر عن ارتباط الإدارات الأمنية مباشرة بالوزراء المعنيين بالإشراف على وظيفتها... فالملف الأمني يتبع رئاسة الجمهورية وأن"المعلومات السرية"كانت تحجب عن رئيس الحكومة ومعظم الوزراء الذين لا يحاطون علماً إلا بالحوادث الأمنية العادية... كما ان الرئيس لحود يتريث في"الثأر السياسي"من النواب المنتمين الى الأكثرية في البرلمان على خلفية توجيه الاتهامات له، وبالتالي دعوته الى الاستقالة، بل يطمح الى تطبيع علاقته برئيس الحكومة فؤاد السنيورة الذي يعلن باستمرار ان لا بد من استقالته لكن الأمر في نهاية المطاف يتعلق به شخصياً ويعود له اتخاذ القرار في هذا الصدد. اما لماذا يتبع لحود سياسة الهدوء في ظل إحجام وزراء ونواب وسفراء ومديرون عامون عن مقابلته في بعبدا، مع ان جهات في دوائر القصر الجمهوري تحاول من حين الى آخر الطلب من كبار الموظفين في الدولة يتعاطفون مع الغالبية النيابية الصعود الى مقر الرئاسة لمقابلة رئيس الجمهورية؟ تقول مصادر وزارية ان في مقدور لحود الانقضاض على خصومه في مجلس الوزراء لبعض الوقت وإنما ليس لكله مستفيداً من كلام ميليس بأن التهمة لم توجه إليه، لكنه لن يبادر الى شن هجوم مضاد ريثما ينتهي القضاء المختص الناظر في الجريمة الى اصدار الأحكام مع انه يحتاج الى مدة طويلة. وتضيف بأن ميزان القوى داخل المجلس لا يتيح لرئيس الجمهورية الخوض في سجال سياسي مع وزراء الغالبية النيابية لذلك يعتمد من حين الى آخر لينقل موقفه الى العلن على وزراء ونواب سابقين وأن وديع الخازن نجح حتى الآن في تسجيل رقم قياسي على هذا الصعيد اذ انه يتردد على بعبدا مرة او مرتين في الأسبوع. وتعتقد المصادر ان وزير البيئة يعقوب الصراف الذي كان لحود اختاره وزيراً بدأ يلوذ بالصمت لاعتبارات تتعلق اولاً وأخيراً بانتظار التحقيق الدولي بعد ورود اسمه في تقرير ميليس حينما كان محافظاً لبيروت. وتضيف ان نائب رئيس الوزراء وزير الدفاع الياس المر الذي انضم اخيراً الى جلسات مجلس الوزراء يحرص على ان يميز نفسه عن لحود وكان حاول من حين الى آخر التدخل وقبل تعرضه الى محاولة الاغتيال، لإصلاح ذات البين بين عمه رئيس الجمهورية والد زوجته وبين الوزراء المشاكسين في الحكومة السابقة برئاسة نجيب ميقاتي. ويرفض المر ان يصنف على انه رأس حربة الفريق المدافع عن لحود وهي المهمة التي يتصدرها حالياً وزير العدل الحالي شارل رزق في وجه الحملات الإعلامية والسياسية التي يتعرض لها، لكنه سرعان ما يتدارك الأمر لأنه قد يكون مرشحاً لرئاسة الجمهورية يهمس في اذن زملاء له بعدم تصنيفه في المطلق على خانة الرئاسة الأولى. وبالنسبة الى وزراء"الثنائية الشيعية"فإن الوزيرين المحسوبين على"حزب الله"يرفضان التعرض للحود، لكنهما لا يدافعان عنه باستمرار خلافاً لزملائهما المحسوبين على حركة"امل"فإنهم يقيمون مع لحود علاقة رسمية تكاد تكون نسخة طبق الأصل عن العلاقة الراهنة بينه وبين رئيس المجلس النيابي نبيه بري الذي اوقف زياراته الأسبوعية لبعبدا منذ اربعة اشهر. وفيما يرفض وزيرا الحزب الانضمام الى الحلف الوزاري الداعي الى استقالة لحود وينظران إليه على انه كان ولا يزال يقف وراء دعم المقاومة ويوفر لها ورقة الحماية السياسية، فإن وزراء"امل"لم ينخرطوا حتى الساعة في الحملات ضده لكنهم يتقيدون بموقف بري الداعي الى التعاطي مع ملف الرئاسة على اساس السير خلف البطريرك الماروني نصر الله صفير. كما أن لحود يستقوي في بقائه في سدة الرئاسة بالاختلاف المستمر بين الأطراف الموارنة حول الموقف من الرئيس البديل لخلافته اضافة الى رهانه على دور رئيس كتلة"الإصلاح والتغيير"العماد ميشال عون الذي يرفض حضور أي اجتماع مسيحي للتشاور في مستقبل رئاسة الجمهورية مشترطاً في شكل مسبق ان يأتي القرار النهائي لمصلحته من دون سواه من المرشحين. لكن اصرار عون على موقفه قد لا يدوم في حال شعوره بأن الزخم الدولي سيدعم التوافق على رئيس جديد للبنان لا سيما ان استيعابه من المجتمع الدولي وتحديداً الولاياتالمتحدة لا يعني ابداً التسليم بشروطه في ضوء اضطراره الى تأجيل زيارته لواشنطن ليس بسبب الظروف الطارئة التي اوجدها تقرير ميليس وإنما لشعوره بأن برنامج لقاءاته الرسمية سيكون اقل من عادي نظراً الى عدم تحديد مواعيد له مع نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني ووزيرة الخارجية كوندوليزا رايس اللذين اجتمع معهما رئيس"كتلة المستقبل"النيابية سعد الحريري في زيارته الأخيرة للعاصمة الأميركية. إلا ان كل هذه الاعتبارات لا تدعو لحود الى الارتياح وإن كانت تؤجل تسريع فتح المعركة الرئاسية، خلافاً لرهانه على احتمال تفاهم واشنطنودمشق على تسوية في اللحظة الأخيرة، لما سيكون لها من وجهة نظر اوساط قريبة منه، من تأثير مباشر على اطالة عمره في بعبدا، الى حين انتهاء الولاية الممدة له، خصوصاً انها تعتقد بان التمديد للجنة التحقيق قد يسمح في استقدام الوساطات العربية والدولية لإنضاج ما يسمى بصفقة اميركية - سورية على قاعدة تعاون الأخيرة مع ميليس واستعدادها لتغيير سلوكها وإعادة النظر في ادارتها الأمنية والسياسية بما يتيح لها الاستجابة للشروط التي وضعتها واشنطن والتي كان عرضها وزراء خارجية عرب على القيادة السورية قبل ان يتخلوا عن وساطتهم بعدما شعروا بأن التشاطر السوري ليس في محله وأن على دمشق ان تأخذ قرارها في التكيف مع الواقع الجديد في المنطقة والعالم.