الطريقة الفضلى لاحترام أرواح ضحايا تفجيرات نيويورك سنة 2001 والاعتبار من هذه الذكرى المؤلمة أن نفكر بهدوء في ما كان يقال بصخب. كان خبير الاستراتيجيا الأميركي روبارت كاغان قد ذهب بأفكار المحافظين الجدد إلى منتهاها عندما أضاف إلى أسطورة نهاية التاريخ ادعاء انهيار مفهوم"الغرب"وحلول شرخ دائم بين أوروبا والولاياتالمتحدة، ما يعني أن الولاياتالمتحدة ستعادي بقية العالم الذي تمثل أوروبا فيه الطرف الأكثر تهيؤا لأن يكون حليفا لها. وكالعادة، تحوّلت المعاينات المباشرة للخصومات السياسية الآنية إلى نظريات يُستنجد لها بالأسماء الكبرى للفلاسفة والأساقفة. لذلك أكد على أسماعنا أن التعارض في مجال سياسة العلاقات الدولية يرجع إلى فلسفتين لا إلى اختيارين: الولاياتالمتحدة اختارت، في رأيه، المنهج الهوبسي نسبة إلى الفيلسوف الانكليزي توماس هوبس، بينما اختارت أوروبا المنهج الكانطي نسبة إلى الألماني كانط. هوبس كان يرى أن الإنسان ذئب لأخيه الإنسان، وأن القوة وحدها هي التي تردع الميل الطبيعي للبشر للاعتداء والعنف. بينما كان كانط أكثر تفاؤلا بمستقبل الإنسانية، فآمن أن المنشود إقامة سلام عالمي يقتضي سحب قواعد السياسة الحديثة إلى مجال العلاقات الدولية أيضا، كي تقوم هذه العلاقات بدورها على مبدأ السلام واحترام الآخر والتقيد بالمعاهدات والمواثيق. وأكد كاغان أن أوروبا والنظام القديم المرتبط بها، نظام الأممالمتحدة ومختلف الهيئات والمؤسسات المتفرعة، عنها أصبح مصنعا لإنتاج النصوص، بينما تنفرد الولاياتالمتحدة بصناعة الأحداث. واتهم مسار الوحدة الأوروبية بأنه السبب في ضياع أوروبا، فقد جعل له طموحا أن يوحّد مواقف بلدان مختلفة في مصالحها وتاريخها ورؤاها وإمكانياتها، فأصبح همه الأكبر الوصول إلى نصوص معاهدات مشتركة وإن خلت من النجاعة ولم تتمخض عن فعل. أصبح النص هو الهدف، على غرار فلسفة ما بعد الحداثة بمختلف تياراتها التي تلغي كل واقع غير الواقع النصي. ورأى كاغان أن القضية ثقافية أساسا جوهرها الاختلاف حول مفهوم"القوة"أو"القدرة"the Power مع الملاحظ أن الحقل الدلالي لهذه الكلمة شديد الاتساع والتداخل في الاستعمال الأميركي ويعني: القوة، القدرة، النجاعة، النفوذ، السلطة، التسلط، الخ. فعبر عن ذلك رمزيا بأن أوروبا تدين إلى فينوس آلهة الجمال والولاياتالمتحدة إلى المريخ إله الحرب. على أن هذا التقابل ليس جوهريا بل تاريخي، ولا توجد في رأيه إلا حقيقة تاريخية ثابتة هي أن كل أمة تعتمد سياسة المسالمة ما لم تحقق وسائل القوة، وتعتمد القوة عندما تصبح قادرة على ذلك. وقد اتهم أوروبا بأنها ستفرط في الأهداف إذا أصرت على المسالمة، وأنها أعادت مع الإرهاب الأصولي نفس الخطأ التاريخي الذي اقترفته مع النازية، فقد تجاهلته وتركته يقوى إلى أن أصاب الغرب على حين غرة. كما أنها أعادت نفس السيناريو وهو الاستنجاد بالقوة الأميركية لإنقاذها حين لا مناص، مع الإصرار على عدم الاعتراف للولايات المتحدة بفضل المخلص. لنضرب صفحا عن المغالطات التاريخية الفجة التي قام عليها هذا التحليل، ومنها أن كاغان نظر إلى النازية على أنها مؤامرة ضد الغرب ورفض أن يناقش مسؤولية المنتصرين في الحرب العالمية الأولى الذين فرضوا على ألمانيا شروطا مذلة سمحت لهتلر بأن يبث سمومه بين الألمان المنهكين ويوجه طاقتهم الإبداعية نحو الشر والعدوان، ضد مواطنيهم أولا من اليهود والاشتراكيين، ثم ضد شعوب أوروبا والعالم. ومنها أنه قام بقياس باطل بين وضعين، فالنازية هي فعلا مسؤولية أوروبا، ومسؤولية معاهدة ميونيخ، لأن القادة فضلوا سياسة النعامة على مواجهة الأحداث بحزم. أما كارثة 11 أيلول سبتمبر 2001، فهي من مسؤولية أميركا ولا دخل للأوروبيين بها، فالذين قاموا بالتفجيرات أشخاص ينتمون إلى بلدان خاضعة للنفوذ الأميركي ومنظمات شجعت الولاياتالمتحدة قيامها ونموها، وابن لادن كان ينتمي إلى فصائل المجاهدين الأفغان التي دربتها المخابرات الأميركية وتركتها وشأنها مع نهاية الحرب الباردة. المهم أن نرى اليوم، في وضع أكثر هدوءاً، كم كان جديرا بالسيد كاغان وغيره من المحافظين الجدد أن يناقشوا السؤال الرئيسي: هل أن الإفراط في استعمال القوة يدعم التطور الإنساني نحو الأهداف المنشودة الأهداف التي حددتها فلسفة الأنوار مثلا أم أنه، على العكس من ذلك، يخلق عوائق إضافية تحول دون تحقق هذه الأهداف؟ إن تقييم تاريخ الغرب طوال القرون الثلاثة الأخيرة رهين بالموقف الذي نتخذه أمام هذا السؤال. يمكن أن نفترض أن الحداثة وأنوارها ليست إلا مشروعا إمبراطوريا مثل كل المشاريع التي حفل بها التاريخ، فهي تنمو أو تنهار حسب قدراتها في استعمال القوة والمحافظة على الغلبة، وأن علاقتها مع الآخرين ليست علاقة اندماج بل علاقة سيطرة، لذلك فهي مضطرة دائما إلى مزيد القوة للمحافظة على السيطرة، وحين تغفل عن ذلك يكتسحها البرابرة. ولكن هذا التحليل لا علاقة له بالأنوار، وإن ظل قوي الحضور في المتخيل التاريخي الغربي. فكما أن العرب يظلون ملتفتين دائما إلى ابن خلدون عندما يفكرون في ماضيهم، يستحضر الغربيون، بوعي أو من دون وعي، غيبون عندما يفكرون في مستقبلهم. يعيش الغرب رعب سقوط روما كما يعيش العرب رعب سقوط الخلافة. ولعلنا غير مضطرين إلى التذكير بأن هذا التحليل يلتقي حوله المحافظون الجدد في الغرب والمحافظون القدامى والجدد في الثقافة العربية السائدة، بل يلتقي حوله المحافظون من كل الفضاءات الثقافية. فمقولات مثل تلك التي طرحها كاغان تخون مشروع الأنوار في محاولتها حشد مزيد من القوة لحمايته، وتتحالف ثقافيا مع أعدائها السياسيين وهي تشن الحرب ضدهم. توجد من حسن الحظ طريقة أخرى لقراءة القرون المعاصرة. طريقة تستمد أدواتها وشرعيتها من فلسفة الأنوار ذاتها، دون أن تواصل المثالية الساذجة التي بدا عليها فلاسفة الأنوار قي القرن الثامن عشر. إن العالم لا يتصارع فقط، إنه يتطور أيضا في ظل الصراع. وهو يحقق الأهداف التي تتفق حولها الإنسانية من خلال التقريب بين المصالح والاستفادة من التجارب. لذلك يمثل المشروع الكانطي، مشروع السلام الدائم، الاستمرار الشرعي والضروري لفلسفة الأنوار، لأنه يمثل على مستوى المعاملات الدولية ما تمثله الدساتير على مستوى المعاملات الوطنية. فهو مثل الإنسانية ترنو إليه متدرجة وإن لم تبلغه كله. دون هذا المشروع تفقد الحداثة طموحها الكوني وتتحول أيديولوجيا إمبراطورية تافهة. ودونه أيضا تفقد حقوق الإنسان معناها، إذ تنحصر في الأقوياء أو في القضايا الصورية لأن مشاكل العالم لا تحل بمزيد من القوة، بل بمزيد من العدل. والإرهاب إحدى قضايا العالم وليس القضية الوحيدة. أما الكونية فهي أن يتجه التاريخ باتجاه دمج المهمشين في النظام وليس إقامة الأسوار حوله لمزيد من إقصائهم.