بقيت مشكلة الحرب ضمن الأسئلة الكبيرة التي تطرح في النظرية السياسية منذ العصر اليوناني وإلى اليوم... بين بسالةٍ ترمز بها الحرب، وقوةٌ تستعرضها، وبين إشكالية أخلاقية، وبحثٍ عن سلامٍ دائمٍ، تضخمت المشكلة ليتفرّع عنها أسئلة أخرى... وإذا كان «هيراقليطس»، في المئة الخامسة قبل الميلاد، وصف الحرب بأنها «ربّة الأشياء»، فإن هذه المقولة ستمتدّ فاعلةً لربطها الحرب بتحريك دوائر الحياة. بالحرب تتحرك الحياة وتحرّك مراوحها بقية المجالات، هكذا تحدث «هيغل»... أسست فلسفة هيغل المثالية الواحدية للنزعة الحربية، إذ مدد تحكّم الفرد الطاغية بغية تثبيت المفهوم، مهما كان موقف الشعب، وأعلن أن الحرب حال قومية، وهو تنظير انتقده «كارل بوبر»، ويكفي أن نعرف أن شظايا فلسفة «هيغل» هي المكون الرئيس للفلسفات الرئيسة التي تحكم في بعض دول العالم اليوم، وآخرها قراءة «كوغيف» لهيغل، التي عززت أطروحة «فوكوياما» حول «نهاية التاريخ»، وعلى رغم دفاعاتٍ عن منطق هيغل حول الحرب غير أن نصوصه تعتبر الحرب جزءاً من مسيرة الإنسان التاريخية. وبما أن أطروحة «كانط» حول «السلام الدائم»، في الثلث الأخير من القرن ال18، كانت مجرد فكرة أسست لمجالس أمنية لم تحجب الحرب وإنما قننتها ضمن القوى الكبرى التي تمتلك فائض القوة، وبما أن هيغل سخر من «السلام الدائم» الكانطي، فإن الحرب انتصرت على النظرية، وبقيت الأسئلة محصورة بنقاش «أخلاقيات الحرب»، حينها تم تجاوز مشكلة «الحرب». كتب قبل أيام في «واشنطن بوست» ديفيد أغناتيوس كتابةً تتعلق بمشكلة «أخلاقيات الحرب»، جاء فيها: «لقد نسينا كيف أفسدنا هذه المعايير الأخلاقية خلال العقد الذي تلا خوض أميركا الحرب ضد «القاعدة»، وأصبحت الطائرات من دون طيار السلاح الأكثر تفضيلاً... تم تذكيري بهذا الاستناد لقانوننا الأخلاقي من خلال مسؤول الاستخبارات السابق، الذي شارك في السابق في الكثير من العمليات التي استخدمت فيها القوة القاتلة... يستدعي الرجل المخضرم في وكالة الاستخبارات موعظة من مسؤول بارز في بداية الثمانينات، عندما بدأت الوكالة تبني غارات مميتة ضد قوات العملاء السوفيات، الذي قال: لا تقم بأي شيء في الميدان، وأنت تعلم في قرارة نفسك أنه سيهز ضمير الأمة عندما يتكشف». الفلسفة ليست دائماً بريئةً من الشر، لكنها تسهم أحياناً بتنظيمه تبعاً للإحراج الذي تولد فيه الفكرة أو النظرية، «توماس هوبز» الذي عاش الحروب الأهلية الإنكليزية، ووعى على الخراب منذ أواخر القرن ال16 إلى ثلثي القرن ال17، سنعثر على تناسل نظري لم يتوقف حتى القرن ال20. ثمة دور لعبه «هايك» - أبرز شرّاح فلسفة «هوبز» و«أفلاطون» السياسية - تجاه فلسفة هوبز، إذ شملها بالاهتمام والشرح، بوصفه المرجع الأول لليبرالية الأنجلو أميركية تحديداً... يقول عنه «مطاع صفدي» في كتاب «نظرية القطيعة الكارثية»: «درّس هايك أجيالاً من الشباب الأميركي طيلة ثلاثة أرباع القرن ال20، وكان له التأثير الحاسم في نمو اليمين المتطرف المسيطر على رسم الاستراتيجيات في البيت الأبيض خلال عهد بوش الحالي، ويعتبر ولفوفيتز مساعد رامسفليد أحد تلامذة هذا المفكر هايك، وولفوفيتز هذا يعتبر أحد المهندسين الأساسيين للحرب على العراق». تعيد أسئلة الطائرات من دون طيار الأخلاقية موضوع مشكلة الحرب من جذرها، غير أن الحرب ستبقى ما بقيت القوة، ذلك أن كل حربٍ هي تنفيسٌ للقوة، هذا فضلاً عن وجود «فائض القوة» لدى الولاياتالمتحدة التي تضرب من دون هوادة في كل مكان. قلق «أغناتيوس» هو قلق تاريخي حول الحرب والسياسة والأخلاق، يمكن مقاربتها لكن يستحيل حلّها، لتكون «قواعد الاشتباك» حالاً من تنظيم الشر. [email protected]