"من دون البيت يصبح الإنسان كائناً مفتتاً": هكذا قال باشلار. أما عبدالله البردوني فقال: "عرفته يمنياً، في تلفته خوف، وعيناه تاريخ من الرمد". وهذان القولان اللذان يتصدران رواية أحمد زين "تصحيح وضع" ليسا فقط عتبة أو مفتاحاً، بل لعلهما أيضاً أو أولاً خفق هذه الرواية في فضاء يترامى بين ديترويت الأميركية والرياضوالدمام السعوديتين واليمن، ناهيك عن البحر وعن الإمارات أبو ظبي ودبي. ويترامى خفق الرواية أيضاً بين بداية الهجرة اليمنية إلى الولاياتالمتحدة منتصف القرن الماضي وبين العهد الإمامي اليمني وحرب الجمهورية اليمنية - من ينسى مصر هنا؟ - وحرب الوحدة اليمنية بين الشمال والجنوب، وصولاً إلى بؤرة الرواية التي تشكلها حرب الخليج الثانية. وها هنا، قد يكون من المهم أن يسرع القول إلى أن رواية "تصحيح وضع" تخفق أيضاً أو أولاً في فضاء الرواية العربية الحداثية، وبخاصة ما آل إليه التجريب الروائي العربي في هذا الفضاء في العقدين الأخيرين. وهنا يقوم التحدي أمام رواية مثل "تصحيح وضع" بين تجريبيتها ونشدانها الحداثي، وبين ما يبدو للوهلة الأولى من نزوع الفضاء والزمن الروائيين المتراميين إلى الاستجابة التقليدية التي أرساها تاريخ الرواية العربية وغير العربية. أما عتلات هذا التحدي أمام رواية "تصحيح وضع" فقد جاءت في ثنائية الفرد والجماعة، وفي الثنائية الجيلية، وفي ثنائية الذاكرة الماضي والشهادة الحاضر، وقبل ذلك كله وبعده: في السؤال اليمني - الإنساني عن الوطن والمغترب، عن البيت الباشلاري، حيث يتكثف "المعنى" بعد أن تكون الرواية قد فككته وفتّتته حدَّ الهباء. هو ذا شائف يتملى البطاقة التي أرسلها شقيقه الأصغر من ديترويت، حيث اليمنيون المهاجرون الغارقون في عيش وأعمال الهامش والقاع، وعلى رغم ذلك تقول البطاقة: "خيّ الأكرم: بدأت أحب هذه البلاد، فهي لا تمنّ علينا بما تقدمه". وهذا الشقيق الذي يسعف شائف بحوالات الدولارات، كان اشتراكياً الحزب الاشتراكي اليمني، ويحسب عدنموسكو، ويقدس قرية الزعيم الرمز عبدالفتاح اسماعيل الحجرية. لكن الشاب عاف كل شيء بعد أحداث كانون الثاني يناير 1986 وهاجر. وأما شائف فهو على إيقاع أحداث آب أغسطس 1990، نهب ما سيعصف باليمنيين في السعودية جراء احتلال العراق للكويت، ونهب ذكرياته قبل عهده بالبحار في ستينات القرن الماضي، وبعدما طافت به السفينة أفريقيا وألقى مرساته في الرياض، حيث يتخفّى في الليل خوفاً من القبض عليه، شأنه شأن من بدأ ترحيلهم بعد الذي كان من مناصرة الحكومة اليمنية للعراق. هذا الحاضر الذي سيتطاول سنوات قليلة بعد حرب الخليج، هو ما ستتقلب فيه معارف أو نكرات الرواية، بالاشتباك دوماً مع الماضي، مع الذكريات الفردية والجماعية. وستتوزع كتابة ذلك في الرواية بين الفصول التي يرويها الراوي بضمير المتكلم، وبين الفصول التي يرويها السارد بضمير الغائب، مرة للمعارف: للجدة وللشابة قبول ولقاسم وللخياط وللمهرب وللتاجر، ومرة للجماعة - النكرات. وعبر ذلك تتطاير المفردات الطارئة بفعل الحرب والترحيل، من رخصة الإقامة إلى تصريح التنقل إلى طلب التجنس إلى التخفي والسجن والتهريب والحدود... وستمضي بالسرد كل مفردة من تلك المفردات إلى نبش الماضي وإلى الوقائع الجديدة، وبالتالي إلى تدمير الروح الفردية والجماعية، سواء في الوطن اليمن أم في المغترب السعودي. الصرح المقيم من بين الجميع تظل الجدة وحدها صرحاً مقيماً مثل بيتها الذي سيؤوي من عادوا تهريباً أيضاً من الوطن اليمن بعد الحرب. وستظلل ذلك ذكريات الجدة عن مضايقات عساكر الإمام أحمد، وعن صراع الملكيين والجمهوريين، وعن أيامها الأولى في المغترب، حين كانت الأرض في "رخص التراب"، ولم يفكر مهاجر بشراء بيت. وعلى رغم السؤال عن توقيت مساواة اليمنيين بسواهم في إجراءات الإقامة، وعن علاقة ذلك بموقف الحكومة اليمنية من الاحتلال العراقي للكويت، وعلى رغم الحسرة على زمن كانت فيه الجنسية تعرض لمن يريدها، وبعضهم لا يقبلها كيلا يبدل جنسيته... على رغم كل ذلك تتصدر صورة كبيرة ملونة للرئيس اليمني صرح - بيت الجدة، وتنظر الجدة إلى الصورة معاتبة، لكن لسان حالها يقول: "لعله يرى ما لا نراه ويعرف ما نعجز عنه... هو الراعي ونحن القطيع". في مقابل الجدة تأتي شخصية الشابة قبول التي ولدت في الدمام، ولا ذكريات لها في اليمن، والتي ستفجّر شهوتها أصابعُ الدركي الذي يفتشها على الحدود، حيث أدركت أنها تستطيع وحدها تغيير مصير أهلها. لكن قبول لا تعرف عن بلاد أبويها الوطن شيئاً. بالرحيل وبعده أحست قبول أنه لم يعد لها وطن، وشعرت بفراغ أليم، وتساءلت: "هل الوطن مجرد أمكنته جغرافيا، والناس هم حركتها، عافيتها؟". إذا كان ذلك نعم، فليس هناك وطن. ذلك ما بات يتأكد لها، حيث شاهدت الحياة المختلفة في اليمن وخبرتها. لا وطن لها لأنه لا يوجد أناس ولا حركة، فقط أشباح، مخلوقات تفتك بها الفاقة. وشأن قبول هذا هو شأن سواها ممن لفظهم المغترب، وبينهم كثيرون كانت سفراتهم إلى اليمن نادرة وقصيرة. وها هم جميعاً "يكتشفون بعد كل هذه السنوات أن ما عرفوه عن وطنهم ليس أكثر من صورة باهتة". ففي صنعاء وتعز والحديدة وعدن طارت إيجارات الشقق والفنادق وأسعار السلع، وتكاثرت الخيام التي جلبها المرحَّلون أو وهبتهم اياها الحكومة، كما تكاثرت حجرات الزنك وأكواخ القش، بينما تجمع صورة صانعي الوحدة اليمنية: الرئيس ونائبه علي سالم البيض، وتصدح الأغاني الثورية ل"الصقور" العائدين. غير أن حرباً مختلفة نشبت بعدما انتصرت قوات الحلفاء وحررت الكويت. إنها حرب صامتة داخل كيانات صغيرة، ليس لها جغرافيا ولم تُرَق فيها دماء. إنها حرب في عراء الكائن بينه وبين نفسه، حرب مع الذاكرة ستجعل صلاحية الوطن تنتهي بالنسبة الى قاسم، وستجعل شائف يتساءل: "ما معنى أن مهاجرين يمنيين كثيرين في العالم لم تنطق شفاههم بأي لغة أجنبية غير لغة قراهم". إنها غربة بلا معنى ولا بديل: "فالوطن الذي نحتفظ به كصور عتيقة، ليس له أدنى شبه بمسقط الرأس ذاك، وربما هو مجرد ذريعة فقط لئلا نتيه أكثر أو نتبدد بلا هوية في الخواء واللامكان". وبالسؤال عن المعنى الذي ستصير إليه الأوطان بعد عشرات السنين في المهاجر والمنافي، تبلغ لوعة شائف وحيرته مداها، مستبطنةً لوعة الشخصيات الأخرى وحيرتها في الرواية، بينما السؤال يتشظى في الكون كله، وحسبي هنا الإشارة إلى الفلسطيني بعد أكثر من نصف قرن من اجتثاثه من أرضه وقيام اسرائيل مقامه: ما وطن الفلسطيني وما وطن الإسرائيلي؟ لقد تحرر الضمير المفرد المتكلم في "تصحيح وضع" من حُبْسة الأنساق اللغوية المستعادة، ومن ضغوط المكان الفيزيائي ودفق الحالات المباشرة، كما شخّص مصطفى الكيلاني في التجريب الروائي العربي الحداثي. ولا بد من إضافة أن ذلك التحرر فتح السردي على الأقاصي في الروح الجمعية، كما يدلل وصف حالات الجماعة في المسجد والشارع وسوق البطحاء وبيت الجدة ودورات المياه وعلى الحدود، حيث غدا المتخفون كائنات ليلية شائخة تنطق بأسماء قراها البعيدة، كما لو أنها تترنم بشيء غامض أخّاذ. ولئن كانت الأخطاء الإملائية والنحوية الزاخرة تنغّص على الرواية، فالأهم هو هذا التحرر من حُبسة الأنساق اللغوية ومن القيود التي يجسدها إرث رومانسي يسكن الكتابة الأدبية العربية، والكتابة الروائية تحديداً، ويعوق استمرار مغامرتها لتأسيس جمالياتها الخاصة ووعيها المختلف للمكان والزمان. وهذا ما يضيفه مصطفى الكيلاني في صدد التجريب الروائي العربي الحداثي، حيث يتبدى نسب رواية "تصحيح وضع" بامتياز، بالإفادة القصوى من المنجز الروائي خلال العقدين الماضيين، ومنه ما هو لكتّاب كانت السعودية فضاء رواياتهم مثل ابراهيم نصر الله وجمال ناجي وابراهيم عبدالمجيد وعزت الغزاوي ويحيى يخلف.