من شهقة البرودة الى غمرة المياه تسبح، تبتعد الى حيث لا يغيب الشاطئ عن ناظريك. هناك تشعر بالمعادلة بين وحدتك في غمر مياه مشعة وكثرة المقيمين على الشاطئ: أنت والبحر، والآخرون واليابسة. ينظرون الى البحر في جلستهم الآمنة وأنت وحدك تشاهد الشاطئ وأهله من مياه تحملك وتحمل معك احتمال الخطر، فلن تصل بالتأكيد الى وادي كلاب البحر العميق الذي يروي البحارة المتقاعدون عن ابتلاعه سابحين متهورين ومراكب متهالكة. وكنت نسيت حكايات هؤلاء وأساطيرهم عن كنوز المراكب الغارقة عند شاطئ بيروت وآخرها "شامبليون"، حين رأيت في متحف صغير في قرية "وايستيبل" البحرية في مقاطعة "كنت" البريطانية رأس تمثال خشبي كبير يمثل امرأة وقد كتب تحته انه وجه في مركب اسباني غارق عند شواطئ كنداالشرقية، كان وجه التمثال يشبه فتاة احببتها ثم تركتك وسافرت. أتكون سافرت الى الماضي ايضاً وهذا وجهها يكلمك من خلال الزجاج؟ ليس للبحر حدود، كذلك الكتابة عنه بلا حدود ايضاً، وهي المشاهد تطلع في البال كقبضة من ماء البحر تطلقها عالياً فتتحول نقاطاً من بلور يشع، قبل ان يعود الماء الى الماء. رحلات السندباد في "ألف ليلة وليلة" مغامرات بحرية طالما غذّت خيال القراء وأوحت لفنانين في غير مجال ابداعي، لكن تأثيرها قليل في العرب المعاصرين، فكأنها كانت تعبيراً عن انفتاح العرب الذين يبدو بحرهم اليوم مفقوداً او مغيباً: زرت طرابلس الغرب قبل سنوات فخيل لي للحظة ان المدينة تدير ظهرها للبحر وتتوجه الى الصحراء. والكتابة عن البحر في أدبنا المعاصر ازدهرت بالاستناد الى معطيين: وجود ما تبقى من الكوسموبوليتية في المدن البحرية العربية، والتأثر بكتابات الأدب الكولونيالي عن البحر كمدى للاكتشاف والتوسع والنظر الى العالم كله كوحدة جغرافية وبشرية قائمة على التنوع، حتى اذا اصبحت مدن العرب البحرية وطنية، اي ذات لون واحد وانحسر الأدب الكولونيالي صارت الكتابة العربية المعاصرة عن البحر أكثر ندرة، إلا ما استرجع منها ذكريات الماضي موحداً بين السيرة والرواية، كمثل ما نقرأ من كتابات مصرية عن الاسكندريةولبنانية عن بيروت ومغربية عن طنجة. ولم يقتنع عرب عصر النهضة ومن أتى بعدهم بأن البحر جزء من المجال الحياتي والعاطفي لهم، فها هو خليل سركيس يقرر المشاركة على نفقته في معرض شيكاغو الدولي عام 1901، فيشحن من مرفأ بيروت الى مرفأ نيويورك اشياء شرقية للعرض ومن بينها مجموعة من الجمال مع مجموعة من البدو الذين يعتنون بها. هكذا رأى الصورة المعبّرة عن الشرق العربي، وربما ذهب خليل سركيس الى اختيار هذه الصورة ليؤكد انه وطني وليس تابعاً لأميركا، هو الذي أنشأ في لبنان "الكنيسة الانجيلية الوطنية"، فاصلاً اياها عن المبشرين الاميركيين البروتستانت. وقد ادى تدبيره الحكيم الى حماية طائفته من هجمة الاتراك أثناء الحرب العالمية الاولى إذ عمد هؤلاء الى مصادرة ممتلكات المبشرين الاميركيين باعتبارها املاك اعداء، وكان من بينها المطبعة الاميركية في بيروت. كتاب أحمد بن ماجد عن فن الإبحار في العصور الوسطى شهادة تقنية عن ماضي الانفتاح العربي الذي مضى، فعندما ترجم احسان عباس رواية هرمان ملفيل "موبي ديك" واجهته مشكلة المصطلحات المعبرة عن الإبحار في المحيطات لصيد الحيتان، واحتاج الى ما يشبه تأليف قاموس عربي جديد في هذا الشأن. بحرنا الواسع عند شواطئ العرب الشاسعة اشبه بيتيم، وتضاعف يتمه مع ازدهار الطيران وانحسار السفر في البحر وحصره في يخوت كبار الاغنياء وسفن شحن الحاويات. لكن مشاهد باقية هنا وهناك تعبر عن مجتمع البحر الآخذ في الانقراض، وأبرز هذه المشاهد ميناء الشارقة القديم حيث ترسو مراكب قديمة بحارتها "قدامى"، تشبه قمرتها المتقشرة غضون وجوههم، وترى هؤلاء يحملون من المركب واليه بضائع هامشية كالكرتون المستعمل وأكياس الملح والرز وصناديق ماء الزهر وماء الورد، بل ان بعضهم يعرض بضائعه للبيع بالمفرق على رصيف الميناء. كأن البحر ليس لنا أو انه لنا ولا نراه، وكأنه للانكليز في العصر الكولونيالي وفي أيامنا الراهنة. نسيت هولندا والبرتغال واسبانيا الى حدّ بعيد احساسها الغامر بالبحر، لكن انكلترا لم تنس، فالبحر دائم الحضور في آدابها وفنونها واهتمامات شعبها في طبقاته المختلفة. أيكون ذلك لأن لانكلترا شاطئاً طوله 1800 كيلومتر، وأبعد مكان فيها يفصله عن البحر نحو 75 كيلومتراً؟ يحضر البحر في تاريخ انكلترا، من الفايكنغ الآتين من الشمال الى الفرنسيين المجتاحين عبر القناة، الى اخطار اوروبا في الحربين العالميتين على الجزيرة التي هي جزء من القارة له وضعه الخاص، ولا ننسى حرب السويس التي هي بحرية ايضاً. طقس انكلترا دائم التأثر بالبحر، ومثل الطقس الأدب والفن والعلوم داروين أطلق نظريته في النشوء والارتقاء من سفينته "بيغل". الانكليز غيرنا ونحن غيرهم. لكن البحر لمن يريده وكذلك الفضاء والكواكب.