جزاك الله خيراً يا"صوفي نيبو"، لقد أدمعت عيوننا"، هكذا داعب الصحافيون المخرجة الشابة في مطلع الندوة التي أعقبت عرض الفيلم الفرنسي"رقبة الزرافة"كم أدهشتنا تلك الصغيرة بعينيها الذكيتين وأدائها السهل الممتنع، جذبت المشاهدين وحركت مشاعرهم، سكنت قلوبهم فاستحقت الصغيرة لويزا بيلي شهادة تقدير، تسلمتها من وزير الثقافة المصري في حفلة ختام المهرجان، لقدرتها الطبيعية على التعبير في إطار ما تلهمها به طفولتها وبراءتها. جرى الحوار على لسانها طبيعياً، وإيماءاتها وحركاتها أيضاً جاءت متسقة مع سنوات عمرها، حتى أنستنا أن هناك مخرجة فنانة وراء الكاميرا تعزف على موهبتها. بيت المسنين يستحوذ صوت الصغيرة على انتباه المشاهدين، قبل ظهور الصورة على الشاشة، إذ تسجل بصوتها معالم الطريق، ليحفر في ذاكرتها، تصف انحناءاته وتحصي أشجاره، فتعد الجمهور لمغامرة شائقة. يستهل الفيلم بلقطة بعيداً جداً لطريق يشق الغابة، شريان حياة تنزلق عليه السيارات، كما الكائنات الدقيقة، رمزاً للسعي على سبيل الوصول. تصل الصغيرة ماتيلدا في رفقة أمها إلى حيث يقيم جدها في مركز طبي لخدمة المسنين، في قاعة الطعام يجتمع النزلاء فتفاجئه بقبلة وتهديه"كوفية"بديعة فتبرق عيناه بطيف ابتسامة، تدخل الممرضة بشمعة متوهجة على كعكة التفاح وتكتمل البهجة بمعزوفة عيد الميلاد على البيانو يلعبها ليو صديق الجد الحميم ويشاركه بالغناء جميع النزلاء. تحتضن الكاميرا وجوهاً تشي بمسحة من جمال متمايز، غير أن الجد ناقم على اعتزاله الحياة في تلك المصحة، فتحنو عليه ابنته هيلين، تجثو على ركبتيها وتمسح برفق على كفه المعروقة، تذكره بأنه من الصعب أن يعيش بمفرده في شقته، تتتابع اللقطات في نعومة لتنامي المشاعر بين الصغيرة وجدها وحينما يسدل الليل أستاره على الغابة، يتأملان خلف النافذة نتف الثلج المتساقطة، تنتشي الصغيرة بالمنظر وتدعو جدها للخروج إلا أنه يحجم، فالمنظر ذاته يبعث في نفسه الأسى. تستشعر الصغيرة بفطرتها الاغتراب الذي يعانيه الكبار حينما تتخلى عنهم عائلاتهم لتتفرغ لأعمالها وحياتها. الرسم بالإضاءة والتصوير بالموسيقى في شقة صغيرة في المدينة، تعيش ماتيلدا مع أمها حياة باردة، يقام جدار فاصل بينهما. تؤنبها على هبوط درجاتها فتقيم عالماً خاصاً بها أسفل فراشها تأتنس فيه بأحلامها وخيالاتها حتى تكتشف خبيئة ثمينة تحت الحاشية تغير نمط حياتها، تفضح حزمة من الرسائل سراً بقي مدفوناً عشرات السنين، قبل ميلادها، تدرك أنها ضحية أكذوبة وفاة جدتها بينما هي حية ترزق، فتشرق نفسها بالأمل في لقائها وتعقد العزم على البحث عنها. في مشهد كاشف تغادر ماتيلدا البيت على ضوء بطارية صغيرة، تهبط السلم الحلزوني في لقطة علوية معبرة، لتنطلق على طريق الغابة في ساعة متأخرة، تسترجع ما سجلته ذاكرتها عن ملامح الطريق إلى جدها، تنحت الدراما مساراً تصاعدياً فتحصد تعاطف المشاهدين، تتلاحق دقات قلبها وهي تتسلل إلى المصحة حتى تغافل ممرضة الخدمة الليلية لتفاجئ جدها في حجرته بأنها جاءت لتصحبه في رحلة للبحث عن جدتها وتسرد له رسالتها الفياضة بالأشواق. على مدار الفيلم تأتي اللقطات القريبة مشبعة بالإحساس، متزامنة مع موسيقى رقيقة بينما تتدفق الإيقاعات بقوة وتعلو نغمتها مع اللقطات الواسعة للمناظر الرائعة في الغابات وعلى شاطئ البحر. وتدهشنا المخرجة الشابة في عملها الأول بإيقاع متوازن فهي لا تسابق الأحداث ولا تحفل بالإثارة بقدر ما تتأمل الحال لترسم بلمسات ضوئية تضفي على المشهد نبلاً وجمالاً، بلمسة ضوئية لأشجار الغابة في ليلة معتمة تتبدد وحشتها وبشعاع من نور على وجه ماتيلدا يضفي عليه بعداً تعبيرياً. حرفية السيناريو اعتمدت المخرجة كتابة السيناريو أيضاً على قصة في غاية البساطة اكتسبت مغزاها خلال سيناريو ثري بالتفاصيل وقوة تأثيرها خلال العرض الفني. في حرفية قدمت الكاتبة المعلومات الضرورية لفهم الشخصيات، على دفعات متوازنة في السرد، ففي رحلة القطار يفسر الجد لحفيدته موقف الصمت الذي التزمت به ابنته هيلين تجاه والدتها لأنها تركتها وهي بعد طفلة في العاشرة، وفي موقع آخر من الرحلة ذاتها تبوح الصغيرة ببعض ما يثقل روحها لمسافرة تشاركهما"الصالون"فتخبرها أنها سترى جدتها للمرة الأولى منذ ميلادها، إذ رحلت الأخيرة مع أعز صديق لجدها، وفي قسم الشرطة تدلي هيلين ببعض المعلومات عن عملها كمترجمة في دار للنشر وحالها الاجتماعية كمطلقة ومحل إقامة والد الطفلة في أميركا لمعاونة الشرطة في البحث عن الهاربة، وقد عنيت الكاتبة أيضاً بإضافة بعض الزخارف الدرامية لإثراء السرد وتبديد الملل. فيض الذكريات تنطلق السيارة على شاطئ البحر إلى مدينة بياريتز حيث تقيم الجدة وأمام منظر رائع لتكسر الأمواج على الصخور يتخذ الجد وحفيدته مجلساً، تصفو نفسه ويصل لحال من التطهر، فيحكي لحفيدته عن الزمن الجميل ويمتدح جدتها التي اخذتها بيده في عالم الثقافة، فقد كانت راقية ومثقفة وتجيد لغات عدة. وكان مدفوعاً لاحتراف الفلاحة بناء على حكمة قديمة مفادها"من لا يعمل واقفاً لا يلمس عنق الزرافة". ولكنه انجذب إلى عالم المكتبات واطلق على مكتبته اسم"عنق الزرافة"تيمناً بحكمة جده. تفيض الذكريات فيتذكر حسن إدارة مادلين للمكتبة وجاذبيتها الاجتماعية التي ربطته بمجتمع رجال الأعمال. بقيت"عنق الزرافة"زاخرة بالكتب وإن لم يتذكر أحد من العاملين مؤسسها ولا زوجته. في نزل للمسنين يلتقي الجد بصديق زوجته الذي تقدم به العمر فوهنت ذاكرته، تذكر بالكاد مادلين التي تركته منذ ربع قرن ليؤسس أسرة ويواصل حياته. تطفو بسمة ساخرة على وجه الجد حينما يكتشف أن حفيدته وريثة طبيعية لسلالة من صناع الأكاذيب عندما يطلع على رسالة الجدة المؤرخة منذ تسع سنوات، غير أن المراوغة الصغيرة أخفت عنه التاريخ لتحتفظ بحماسته في البحث. تصل الأحداث إلى ذروتها بوصول هيلين إلى بيارتز وفي فناء الفندق تتم المواجهة بينها وبين العجوز فتلومه بشدة على انتقامه من زوجته الهاربة في شخصها باخفائه محاولات أمها المتكررة الاتصال بها. إن كانت قد هجرته زوجته فلا يعني بالتبعية أن تهجر ابنتها. تصل هيلين إلى قمة ثورتها فتقطع علاقتها بأبيها ليحمله القطار بعيداً. يذوب الجليد وتلتئم الجراح بين هيلين وصغيرتها. يتسوقان معاً وتسألها المشورة في تناسق الألوان ويأخذان وجهتهما شطر قرية إسبانية رائعة على قمة الجبل ليوصلان ما انقطع، يلتقيان بالجدة وقد وهنت ذاكرتها، تتعانق الأيادي وتثبت الكاميرا إجلالاً للحظة في غاية الإنسانية يتحقق فيها الوصل لعل الأيام تعوض ما فات. "رقبة الزرافة"لمبدعته صوفي نيبو فيلم يسعى في نعومة للتواصل ويمجد الوصل، يأسى لوهن الذاكرة ويحتفي بتلاقي الأجيال فاستحق أن يفوز بجائزة تحمل اسم"نجيب محفوظ"كأفضل عمل أول في المهرجان. * ناقدة مصرية.