انتهى "شهر استعادة الطقس السينمائي" وكان "قائظاً" مثل صيف دمشق... وبدأ "خريف" اسبوع لآلئ فن سابع اصيل، هكذا من دون تعريف. وظلت الأزمة متعالية وتراوح مكانها، وهذه الأزمة ليست من شأن هذا القيظ، فما نراه في الاستعادة شهراً أو اسبوعاً أو حتى في يوم واحد إن هو إلا تبريد لهذه اللآلئ وهي متوافرة على الأقراص المدمجة... الأصلية منها والمزورة. في اسبوع سينمائي بلا تعريف استُهل بفيلم "الآخرون" للمخرج الإسباني أليخاندرو امينابار، لم نقع على لؤلؤ في ما نبحث... فالفيلم لا يتعدى حدود دراما نفسية عادية خارجة للتو من كتابات مسرحية عن إسطار قديم ترفعه عنوة حيطان البائدين، ولم يكن اداء نيكول كيدمان كافياً للارتفاع بمنسوب الفيلم حد اللؤلؤ. فاللعبة الوسيطة بين الضوء والستائر زادت من استنساب الفيلم الى مسرح قتيم سقيم يتجمع ممثلوه في قاع الصحن، ولا نرى سوى ذلك الضباب اليتيم الشيء الواقعي الوحيد في الفيلم كما يبدو لنا، وهو الذي يجيء بالزوج الشجاع الذي يحارب النازي على الجبهة ولا يقبل ان يتلقى اوامره بالحرق في حرب لا تنتهي...!! الآخرون هم أولئك الدخلاء الأحياء في الفيلم... اي اصحاب البيت. اما كيدمان وولداها ومدربة المنزل ومنسق الحدائق... وتلك البكماء، فهم الخارجون لتوهم من كتاب الموتى... وإذ تقضي المدبرة الوقت في محاولة إقناع كيدمان بأنها قتلت ولديها خنقاً بالمخدة، وأنها انتحرت من بعدهما، فإن في هذه القصة ما يصلح لأن تكون مرآة للسينما التي تأبى الاستعادة، أو تأبى ان تستعاد طوعاً في شهر او في أسبوع، فالفقيدة انقضى عهدها ومضى، والعودة بالزمن الى كثافة الشريط السينمائي المفقود بدوره في لحظة موت غائية، لا ينقصها إلا الدخلاء، ليكسبوا ملحها وملامحها، فما نراه في تابعة ذلك القيظ، ان الطقس السينمائي مات. خنق بالمخدة اياها، وعلى المدبّر ان يقنعنا بجدوى استعادته، او استعادة مناخاته، وهيبته على الأقل... وهذا ما لم يعد مقبولاً مع جلاء كل ذلك الضباب الواقعي الذي يحيط به من فوق، ومن تحت، ومن اعلى، ومن الجانبين كل رموز وسائل الاتصال الأخرى، والتي لا يريد هذا المدبّر ان يدرجها في جدول استعاداته التي لم تعد واقعية البتة، فالصالات، مسرح احداث الاستعادة ليست في وضعية مؤهلة لاستعادة كل اولئك المنذورين لكتاب الموتى، فهي خربة ومهجورة، ولا تشجع احداً على مجرد التصفيق لمحاولات يائسة في الاستعادة... وحتى الأفلام التي تدرج في قوائم الضربات الكبيرة هي موجعة بعضها قد يصل الى 400 فيلم كما وعد السيد محمد الأحمد المدير العام للمؤسسة العامة للسينما في سورية، جمهور مهرجان دمشق السينمائي القادم. فهذه الضربات - التي نتمنى لها التوفيق - لا نعرف ما اذا كانت في هذه الأجواء ستسمح باستعادة كل أولئك الدخلاء وشدّهم الى كتاب الطقس السينمائي. في الشهر الذي - باسمه - كنا شاهدين على افلام لم يتدافع احد من اجلها، صرنا شاهدين ايضاً على جمهور غير متطلب البتة، وإلا ما معنى ان نشاهد النصف الثاني من "لؤلؤة" "غرفة الابن" لناني موريتي في حال خارجة من الوضوح البؤري من دون ان يحتج احد في الصالة على الوضعية البائسة التي وصل إليها المحلل النفسي والذي لم يفقد ابنه في الفيلم فقط، بل فقد القدرة على التركيز امامنا إذا افترضنا اننا دخلنا برؤوسنا الكبيرة في الشاشة، على كل اولئك الدخلاء الموجودين في قاعة قديمة ومتهالكة مثل ذلك الإسطار القديم. وهذا ما ادى الى اختلاق حال من الضباب الواقعي في العلاقة مع الأفلام الأخرى جرى هذا ايضاً مع فيلم "المستنقع" لغريغوري تشوخراي بجمهورها الذي اصبح دخيلاً فعلياً على المشهد السينمائي من اسف شديد، وما عليه إلا المغادرة والكتابة على بوابة الصالة برسم البيع، تماماً كما في الفيلم الذي افتتح به الأسبوع، ففيه يضطر الآخرون اصحاب البيت الى مغادرته تحت وطأة كتاب الموت وتغريره بالموتى انفسهم. الضباب الناقص هذا الوهم باستعادة الطقس، ينقصه فعلاً كل ذلك الضباب الملهم ليجيء واقعياً، فمع اناخة الطبقة الوسطى وإراحتها في اكثر من هودج، وأكثر من مكان، اصبح الطقس مفارقاً لسينما لا تعود وهذا يحدث في اماكن كثيرة في العالم ولكن في وسع مدبّر المنزل ان يقوم بتزجية الوقت العارم في سبيل احلال الفيلم الجديد على اطلال الحيطان البائدة، بالتفكير بخلق آلية تعود بالجمهور الى الصالات، وبتعريف الطقس ثقافياً وعلى الملأ، حتى لا يظل حالاً هلامية سائدة لا معنى لها، وبفهم كل تلك العلاقة الجديدة الملتبسة التي باتت تشد السينما الى ثورة الاتصالات بكنهها المنفتح وذائقتها وإلا ما من معنى في ترسيم 400 ضربة في الهواء الثقيل اصلاً حتى لا يصبح الجمهور فعلياً من اولئك الدخلاء الذين لا يعترضون على انفاس الموتى ومضايقاتهم... ذلك ان فيلم الآخرون كان مناسبة للحديث عنهم الدخلاء الذين يغادرون منازلهم على رؤوس اصابعهم هرباً من كل اولئك الموتى الذين يعيثون فيه بأنفاسهم الكاذبة؟!