انخفاض أسعار النفط عند التسوية    الدولار يتجه نحو أكبر خسارة أسبوعية أمام الين    الحسيني يحتفي بالضويحي    الهلال يتوَّج بأول لقب في تاريخ الدوري الممتاز للناشئات تحت 17 عامًا    العلا يتوَّج بطلاً لدوري الدرجة الأولى تحت 17 عامًا ويصعد للممتاز    4 أيام على انطلاق منافسات بطولة كأس آسيا تحت 17 عامًا "2026 السعودية" في جدة    هيكلة شاملة في الهلال تحت إشراف الوليد بن طلال.. وتغييرات جذرية تطال ملف التعاقدات    مطار المدينة يستقبل أولى رحلات حجاج الفلبين    ضبط 3 مقيمين بالعاصمة المقدسة لارتكابهم عمليات نصب واحتيال    ترمب: لا يمكن أن نسمح للمجانين بحيازة سلاح نووي    الذهب يتحول للارتفاع مع تراجع أسعار النفط        انطلاق مهرجان الفن الجرافيتي2 بينبع الصناعية بمشاركة فنانين من مختلف مناطق المملكة    أمام السنغال والإكوادور.. الأخضر يضع اللمسات الأخيرة لمونديال 2026    خلافة إنزاغي تشعل التكهنات.. مدرب بورنموث "سيمون فرانسيس" على رادار الهلال    المملكة توزّع (1,210) سلال غذائية في مدينة خان يونس بقطاع غزة    في الرياض.. المجتمع النفسي يناقش أخطر تحديات الصحة النفسية    غوارديولا للاعبي البريمرليغ: من لا يحتمل ضغط المباريات فليذهب لفرنسا أو البرتغال    إطلاق عدد من الكائنات الفطرية في محمية الإمام عبدالعزيز    فندق سويسوتيل كورنيش بارك تاورز الدوحة يقدم عرض عطلة للعائلات خلال عطلة عيد الأضحى وإجازة الصيف    فليك يستعد لتمديد عقده مع برشلونة    هيئة الأدب والنشر والترجمة تدشن جناح المملكة المشارك في المعرض الدولي للنشر والكتاب 2026    حائل.. حين يتجسّد الجمال في لوحة الطبيعة    «وزارة الشؤون الإسلامية» تختتم تأهيل الأئمة والدعاة في بوروندي    الحذيفي: تقوى الله مفتاح الخيرات ودروس الأنبياء ترسّخ اليقين    السند: يؤكِّد على أن تكون مشاركة «الأمر بالمعروف» ذات تميز ومهنيه    السديري: علم "الأنثروبولوجيا" يعزز فهم الإنسان السعودي    كباجي التوف ابتكار جديد يمزج المالح بالحلو من القطيف    نزاهة تحقق مع 259 موظفا وتوقف 97 بتهم فساد في أبريل    الأمم المتحدة تمدد مهمة حفظ السلام في جنوب السودان    نائب وزير الدفاع يرعى حفل تخريج الدفعة ال (39) من طلبة كلية الملك فهد البحرية    3 % مساهمة الاقتصاد البرتقالي في اقتصاد المملكة    مجمع الملك عبدالله الطبي بجدة يرسم ملامح جديدة لرحلة الاستشفاء    ولي العهد يعزّي رئيس مجلس الوزراء المصري في وفاة والده    د. محمد عبده يماني.. الوزير الإنسان    حرس الحدود يشارك في المعرض المصاحب لأعمال مبادرة قافلة جازان الرقمية    رئيس بر بيش يبحث التعاون مع بر الرياض لتعزيز الشراكات الخيرية    تتحول إلى واقع: ماذا حققت رؤية السعودية 2030    دعت لتعزيز نزع السلاح النووي.. قطر: اعتداءات إيران تستهدف السيادة الوطنية والبنى التحتية    المملكة تؤكّد أن السلام يتطلّب وقف إطلاق النار ومنع التهجير وإقامة دولة فلسطينية على حدود 1967    أمير المدينة المنورة يرعى تخريج الدفعة الثامنة من جامعة الأمير مقرن بن عبدالعزيز    محتال التصاريح الوهمية في قبضة الشرطة    ثانوية مؤتة تحتفي بالأحمدي    إجراءات نظامية لمتهمين ب«إثارة التعصب».. «الداخلية»: عقاب رادع بحق مهددي الوحدة الوطنية    أمير الشرقية يدشن مشاريع تنموية واستثمارية بملياري ريال    35 كياناً وفرداً تحت طائلة العقوبات.. واشنطن: خطوات صارمة لمنع «التفاف إيران»    الإسلامية تكثف التوعية للحجاج ب«ذي الحليفة»    تحت رعاية عبدالعزيز بن سعود.. «الداخلية» و«الأوقاف» توقعان اتفاقية تكامل في «طريق مكة»    غارات إسرائيلية وعمليات تفجير مستمرة في لبنان.. عون: بانتظار موعد أمريكي للمفاوضات مع إسرائيل    840 ألف وفاة سنوياً بسبب ضغوط العمل    جاهزية متكاملة لخدمة الحجاج في مطار جدة    تجديد اعتماد عدد من المنشآت الصحية بتجمع القصيم    «القصيم الصحي» يفعّل أسبوع التحصينات لتعزيز الوقاية    جازان تهيئ 9327 خريجا لخدمة الوطن    حين تشهر اللغة سلاحا والتاريخ درعا في مواجهة ترمب    أمير تبوك يواسي أبناء الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن الفوزان في وفاة والدهم    السعودية تؤكد أهمية التنفيذ الكامل لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية وتحقيق التوازن بين ركائزها الثلاث    أمير الرياض يؤدي صلاة الميت على محمد بن فيصل    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



"امرأة الموساد" لبيتر هونام . عرض جيريرو خدماته على "موساد" و"أضاع" الصور النادرة لديمونا في قطار الأنفاق 2 من 6
نشر في الحياة يوم 07 - 08 - 2002

هذا الكتاب محاولة لعرض الأحداث التي رافقت السقوط المأسوي لموردخاي فعنونو بسبب محاولته القاء الضوء على دور الحكومات التي ساندت عملاً من الأعمال المنافية للشرعية والانسانية وغضت النظر عنه على رغم ما يصيب به النفس من غثيان وهو مساعدة اسرائيل على تطوير قنبلة نووية.
ويروي بيتر هونام، مؤلف كتاب "من قتل ديانا" الذي درس الجريمة والفساد في عدد من البلدان باعتباره من أشهر الذين يجرون التحقيقات الصحافية، جوانب خفية من قصة فعنونو، وكيف تم خطفه من ايطاليا واعادته الى اسرائيل، في محاولة جديدة لفتح هذا الملف وممارسة الضغط داخل اسرائيل من أجل تحرير رجل مهذب أراد ببساطة أن يخبر شعبه كيف أن طغمة صغيرة من السياسيين والجنرالات أنفقت سراً مبالغ هائلة من المال العام.
"الحياة" تنشر حلقات من الكتاب، تناولت الاولى منها قصة الصحافي الكولومبي الغامض الذي كان صلة الوصل بفعنونو، ولقاء الكاتب بالفني الاسرائيلي الذي عمل في مفاعل ديمونا في النقب. وفي هذه الحلقة يروي الكاتب استجوابه لفعنونو في سيدني حول تفاصيل عمل مجمع ديمونا وابلاغ الصحافي الكولومبي جهاز "موساد" بنية فعنونو كشف قصة ديمونا ورحلة العودة الى لندن. ترجمة: ابراهيم محمد ابراهيم، ويصدر الكتاب قريباً في منشورات الجمل في ألمانيا
فيما كان جيريرو يتصل بانتظام بخدمة الحجرات طالباً المزيد من المؤن من زجاجات البيرة وقطع البفتيك والآيس كريم من دون أن يبدي أي اهتمام بعملية الاستفسار بدأت قصة مثيرة بالتكشف. قال فعنونو ان مركز الأبحاث النووية في النقب "كيريا ليمهيكار جاريني" يقع في واحة مزروعة بالنخيل خارج طريق بئر السبع وسدوم على بعد تسعة أميال من مدينة ديمونا الصغيرة حيث يسكن معظم العاملين. كل يوم في السابعة صباحاً يركب هؤلاء أسطولاً من 40 حافلة من طراز "فولفو" بيضاء وزرقاء، وبعد تفتيش أمني عند بوابة خارجية كثيراً ما يكون خاطفاً يمرون بالسور المكهرب الأول. بعد ذلك بثلاثة أميال يؤمرون بالتوقف للخضوع لعملية تفتيش أشد صرامة. كان كل شخص على علم بأن أي خرق للبروتوكول من قبيل التحدث بعدم مسؤولية مع الزوج أو الزوجة يعني حكماً بالسجن لمدة 15 سنة.
كان المركز يضم حدائق زهور ومزارع كبيرة تنبت فيها الشجيرات ومباني جيدة التصميم. أوضح مورد ان أهم المباني التي تعرف باسم "الماخون" تتعامل مع عمليات الانتاج النووية المختلفة ومعامل الأبحاث. وهذه لها امنها الخاص ويقتصر دخولها على من لديهم تصاريح. ولهذا السبب كانت معلوماته مركزة على مبنى واحد يسمى "ماخون 2" منفصل عن مفاعل ديمونا بطريق خدمات.
من الخارج بدا المبنى وكأن لا نوافذ له، وفيه منطقة تخزين في مستوى الأرض وطابق واحد أعلى. كشف فعنونو أن هذا جزء من خطة تفتقت الأذهان عنها في الخمسينات حين بدأ بناء المفاعل للتعتيم على حقيقة أنه أكثر مجمعات اسرائيل العسكرية التي يقصد اخفاؤها اخفاء تاماً. يتألف "ماخون 2" من ست طبقات مدفونة في الصحراء ولا يعرفه أحد خارج دائرة أولئك الذين يعملون في ديمونا ونواة صغيرة من أعضاء مجلس الوزراء. لم يكن أي دليل على وجوده سوى برج للمصعد. في هذا القبو تحت الأرض المحاط بجدران سمكها أقدام عدة كان مع فعنونو 150 آخرون يعملون في أكثر الأجزاء أماناً في صناعة البلوتونيوم.
شرح مورد كيف تستخلص هذه المادة الثمينة معتذراً عن افتقاره الى المعرفة العلمية المتينة. لكنه على ما يبدو كان يروي قصة مترابطة عن الوظائف المختلفة لهذا المصنع بالتقليب في كوم من الأشياء المطبوعة الملونة. كنت أعلم أن البلوتونيوم لا يظهر في الطبيعة وأنه ينتج في عملية الانشطار في مفاعل نووي حين تستأصل قضبان وقود اليورانيوم.
ربما كان موردخاي فنياً غير أنه بدا شاهداً مرتفع الذكاء يتمتع بسهولة تذكّر تفاصيل معدلات التدفق وكميات الكيماويات المستخدمة في مراحل مختلفة في عملية فصل البلوتونيوم. كان يعرف على وجه الخصوص كمية البلوتونيوم المنتجة وكان من الواضح أن هذا أكثر بكثير مما كان يُعتقد. قال ان التريتيوم والليثيوم 6 وهما مكونان للأسلحة النووية الحرارية كانا أيضاً يصنعان، وهي امكانية لم تخطر في بال أحد. فهذه أسلحة في امكانها محو أي مدينة كبرى من دون الدخول في أي معركة.
في نهاية اليوم الثاني غطّ جيريرو في النوم على الفراش في الفندق. كان من الواضح أن فعنونو توصل الى أني لست عميلاً لموساد الذي قد يكون عازماً على اغتياله، فبدأ يشعر بالاسترخاء. أما أنا فكان ذهني مستغرقاً في وفرة التفاصيل التي كان قادراً على امدادي بها. فكرت أن من الواجب التحقق من مزاعمه من طريق فحص قصته جيداً بالاستعانة بمساعدة علمية. فمن المحتمل أن تكون قصة كبيرة جداً. اذ عبر السنين كانت هناك تقارير تفيد أن ديمونا أنتج عدداً من القنابل الذرية. غير أن فكرة تكديس عدد كبير منها وتطوير قنابل نيوترونية وهيدروجينية كانت جديدة تماماً. والأكثر من ذلك أنه لا يوجد أي شخص قبله روى قصة ديمونا من الداخل، فهو شاهد عيان معه صور تبين أقصى ما يمكن الوصول اليه من المجمع. مع ذلك هناك أسئلة مهمة كانت في حاجة الى الاجابة عنها. اذ في خلفية ذهني كانت لا تزال امكانية ان يكون أفّاقاً يزرع رواية زائفة. في ذلك المساء بعثت بفاكس الى لندن لخصت فيه ما أخبرني به حتى يمكن لأعضاء فريق البحث والتقصي التحقق منها.
كان هناك موضوع ما اذا كان فعنونو يمكن أن يثبت لنا حقيقة شخصيته وأنه كان يعمل حقاً في أكثر الأجزاء حساسية في أكثر منشآت اسرائيل سرية، وكيف تمكن خصوصاً اذا كانت اجراءات الأمن محكمة الى هذا الحد من تهريب فيلمين التقطتهما آلة تصوير استطاع تهريبها الى داخل المصنع.
كانت هذه القضية التي واجهته بها في اليوم الثالث. فهم فعنونو أني يجب أن أكون حريصاً. "اني أحاول الاجابة عن كل أسئلتك. اذا لم تصدقني فلن يصدقني أحد". قال هذا وهو يرفض البيرة التي عرضها عليه جيريرو الذي بدأ فعنونو يفقد الثقة به: "أنت تعلم يا أوسكار أني لا أشرب لذا أرجوك أن تجلس في هدوء حتى يتمكن بيتر من توجيه ما يريد من أسئلة". كانت هناك رنة صدق في شرح موردخاي لكيفية حصوله على الصور. ففي أحد أيام أيلول سبتمبر عام 1985 وضع آلة تصوير من نوع بينتاكس في حقيبته مع بعض الكتب الجامعية بعدما اخترع عذراً يتذرع به اذا ما ضبط عند تفتيشه. "كنت سأقول اني كنت على الشاطئ في اليوم السابق وتركتها في الحقيبة بطريق الخطأ. وتركت الفيلم في الخارج حتى لا أثير شكوكهم. كل ما كانوا سيفعلونه هو تعليقها على شماعة حتى آخذها عند الخروج. بعد ذلك ببضعة أيام أدخلت الأفلام بالطريقة نفسها. أما المخاطرة الحقيقية فكانت اخراج الفيلم خارج المصنع، اذ كان من الممكن أن يقوموا بتحميضه وعندها كنت سأقع في متاعب كبيرة. وضعته في جيوب بنطلون الجينز. كنت عملت هناك فترة طويلة، وكان الكثير من الحراس أصدقائي". في النوبات الليلية كان هناك القليل من الأشخاص في "ماخون 2" ولم يكن يوجد أي شخص في الطوابق السفلى أثناء تغيير النوبات. في أحد الأوقات ذهب الى قسم التعدين في مستوى أربعة تحت مصنع فصل البلوتونيوم. وعرف أن البلوتونيوم النقي الذي كانوا ينتجونه يتم تجهيزه الى أجزاء قنابل. كان أحد المشرفين من شدة الكسل بحيث أنه لم يتبع النظام فترك مفتاحاً فوق الخزانة الصغيرة الخاصة به وبذلك دخل فعنونو وصوّر المهاجع أو الحجرات الصغيرة الزجاجية التي كانت تشكل فيها المخارط مكونات القنابل. في مناسبة أخرى تمكن من تسلق الدرابزين الى سطح "ماخون 2" والتقط بضع صور للمفاعل وغيره من المباني. على أي حال تم التقاط معظم الصور في مصنع البلوتونيوم مستوى اثنين وثلاثة اللذين كان مسؤولاً مراراً عنهما وحده ليلاً. قال موردخاي انه لم تكن لديه نية واضحة لاعطاء الصور لأية صحيفة. "كنت أريد سجلاً. شيئاً ما أتذكر به المكان. اذ كنت غاضباً لأنهم كانوا يريدون مني أن أترك العمل بسبب أنشطتي السياسية وكنت غاضباً لأنهم كانوا يسدلون ستاراً من الظلام على ما كان يتم انتاجه". وأخرج من حقيبته بضع صفحات بالعبرية كانت على ما يبدو تحوي خطاب اعفائه من العمل وشهادة بالانكليزية عليها الأحرف الأولى للمفاعل. "يمكنك أن تتقصى كي تعرف اذا ما كنت موجوداً ولكن من فضلك كن حريصاً. كل شخص في اسرائيل مهووس بالأمن". بدا على جيريرو الاحساس بالرضا عن النفس. "قلت لك يا بيتر هذا الرجل هو الشيء الحقيقي. هذه القصة كبيرة تماماً مثل ووترغيت".
في لندن كان الاهتمام بالقصة يتنامى. وأخذت تصدر شيكات بمبالغ كبيرة. وأرسل مخبر من فريق التقصي والبحث هو ماكس براغنيل الى اسرائيل ليبحث عن أشخاص يعرفون فعنونو ولكي يستوثق من حسن نياته. فيما عرض آخرون الملحوظات التي كنت أرسل بها الى لندن على علماء نوويين يمكنهم أن يقوّموا صحة التفاصيل التي وصفها عن عملية فصل البلوتونيوم. أثناء ذلك حان الوقت لأكون حلو المعشر اجتماعياً. فعلى سبيل التخفف من جلسات استطلاع المعلومات اقترحت أن أستأجر فعنونو وسيارة الأجرة التي يعمل عليها للذهاب في رحلة الى الجبال الزرقاء الى الداخل من سيدني. في طريقنا توقفنا بجانب أحد الشواطئ كي نلتقط بعض الصور لفعنونو ومن دون علمه أرسلت بصورة الى لندن نشرت منذ ذلك الوقت في كل أنحاء العالم. كما قمنا برحلة الى احدى الحدائق الوطنية على طول الساحل المؤدي الى جنوب سيدني وأوقفنا السيارة قرب أحد شلالات المياه. كنت أشعر برغبة حادة في أن أتحدث حديثاً خاصاً مع فعنونو من دون وجود جيريرو المزعج. تطلعت أنا والاسرائيلي الى القيام بنزهة على الأقدام لصعود المنحدرات الصخرية، ولكن لحسن الحظ رفض الكولومبي أن يذهب معنا. قال بلهجة رجاء: "سأنتظر هنا يا بيتر وأستريح. فأنت تعلم أني لست في حال جيدة".
فيما كنت أسير بمشقة بين الزواحف في ممر مطروق أوضح فعنونو على الفور بأنه غير سعيد بصديقه أوسكار. "يمكنني أن أرى أنك أيضاً لست سعيداً به غير أني يجب أن أكون ممتناً له لأنه ذهب الى أوروبا ووجدك. يجب أن تعطوه شيئاً، ولكني كنت أفكر: ماذا لو أعطيتك الصور وجميع المعلومات من دون أن تنشروا اسمي. سأكتفي بالاختفاء. اذ لست مهتماً بكسب أي مال من هذا الأمر. كل ما أريد هو أن تعلم الدنيا عن وجود ديمونا".
لم يفاجئني الاقتراح. ففعنونو كان رجلاً مقتصداً غير مهتم بالوجبات الفاخرة أو المشروبات الكحولية أو الملابس المرتفعة الثمن. طلب نقوداً كي يستقر من جديد ربما في نيوزيلاندا ووافق على هذا ليس كثمن لقصته وانما كجزء من صفقة لكتاب واعداد مسلسل. لم يكن من طلاب الثروة أو الشهرة. كان رجلاً ذا ضمير وصاحب قضية.
لم يكن قلقه من ناحية الأمن على غير أساس، ولو أنه كان يعلم أن جيريرو ذهب بالفعل الى القنصلية الاسرائيلية في شارع يورك بحثاً عن المزيد من المال كما كشف عن ذلك في ما بعد الصحافي الأميركي لويس توسكانو لكان شعوره بالناحية الأمنية أكثر شدة. فطبقاً لرواية توسكانو في 12 آب أغسطس تقريباً اتصل جيريرو بالبعثة الاسرائيلية والتقى آفي كليمان وهو ضابط استخبارات. قدم كليمان نفسه باسم يوسف دار وأبدى الرفض حين عرض جيريرو المساعدة على الايقاع باسرائيلي خائن يخطط للكشف عن القنبلة الاسرائيلية. مع ذلك كان لزاماً على كليمان أن يأخذ المعلومات مأخذ الجد فدوّن اسم فعنونو ورقم جواز سفره. حين يأتي الوقت الذي سيلتقي الاثنان مرة ثانية كان كليمان سيعرف أن فعنونو عامل سابق في المفاعل النووي غير أنه ليس من العلماء. أخبر جيريرو أنه يريد أكبر قدر ممكن من المعلومات. لكن الديبلوماسي فوجئ حين سلمه جيريرو أربع صور فوتوغرافية منسوخة في شكل غير متقن. وخلال ساعات كانت المعلومات في يد "موساد".
لن يكون هذا الاتصال الأخير الذي يجريه جيريرو مع من خططوا ونفذوا سقوطه التراجيدي اللاحق. بعد هذه اللقاءات مع كليمان في أحد مراكز التسوق في سيدني، وضعت الأختام على مصير فعنونو. وفيما استمر موردخاي ببراءة يقود سيارة الأجرة، كانت احدى أقوى وأقسى المنظمات تقيم غرفة عمليات في مقرها وتشكل فريقاً من العملاء لاعدامه اذا لزم الأمر.
كان مكتبي في لندن يلح عليّ بأن أحضر فعنونو لمزيد من الاستطلاع العلمي التفصيلي. وبما أن جيريرو لم يقم سوى بوظيفة واحدة ذات فائدة وهي احضاري بادعاءات زائفة الى أستراليا وتقديمي الى الاسرائيلي ففي امكانه البقاء في سيدني حيث اكتشفت أن لديه شقة مع اعطائه وعداً بالدفع اذا نشرنا القصة.
عندما عدنا الى "هيلتون" شرحت الموضوع وبدا جيريرو راضياً خصوصاً أنه سيتلقى 25 ألف دولار مما يكسبه فعنونو من كتابه أو تحويله الى مسلسل بمجرد أن تخرج القصة في "صاندي تايمز". كتبت تعهداً بهذا المعنى على أن يكون ملزماً قانونياً ملحقاً اياه بتعهد أكثر عمومية يقدمه له روبين في لندن. في اليوم التالي تغيرت سحنته: "كيف لي أن أعرف أنكم لن تغشوني فأنتم مسافرون من دوني". شرحت له بصبر أن "صاندي تايمز" لا تستطيع أن تخاطر بالتسبب في الضرر لسمعتها. مرة أخرى بدا أن جيريرو راض، ولكن بعد مرور بضع ساعات اتصل تليفونياً بحجرتي قائلاً: "بيتر اني آسف. اختفت جميع الصور. كانت في حافظة أوراقي وسرقت في مترو الأنفاق. أنا آسف جداً لكنكم لا تستطيعون نشر القصة". لما كنت أشعر بالحيرة والغضب أبلغته بأن يحضر فعنونو الى حجرتي خلال ساعة. وصل وعلى وجهه امارات الوداعة ومعه موردخاي وقد أخذت منه الحيرة كل مأخذ. قال أوسكار: "اني آسف يا بيتر. كان ذلك خطأ كبيراً. لم يكن يجب أن آخذها معي". ما أصابني بالحيرة والذهول أنه كان يستحوذ على الأدلة الثمينة. اتضح أنه من وراء ظهري نقلت الصور من أمانات "هيلتون" حيث رتبت أن يحتفظ بها فعنونو. كانت نبرة موردخاي اعتذارية: "اني آسف. أقنعني أوسكار بأن أفعل ذلك. هل هناك ما يمكننا عمله". أخذ غضبي يتصاعد، وقلت: "هناك شيء يمكن عمله يا مورد. أوسكار يحاول أن يغشك. أنه يكذب في ما قاله بخصوص الصور. لقد خبأها في مكان ما". نظر فعنونو الى جيريرو نظرة أسى: "أين الصور يا أوسكار، فهي ليست من ممتلكاتك. اذ أني خاطرت بالتقاطها وأخراجها من اسرائيل". هز الكولومبي كتفيه: "اني آسف لقد فقدت". عند ذلك انتابني انفعال عصبي. أمسكت بأوسكار من ياقة سترته وجررته عبر الحجرة، وفتحت الباب وكومته في الممر خارج الحجرة: "أمامك ساعة كي تعود بالصور والا فسأكون على الطائرة في طريقي الى انكلترا غداً، ولكن من دون مورد". صفقت الباب. ونظرت بيأس الى الاسرائيلي. فهز كتفيه بانكسار كما هز رأسه. ولم يكن لدى أي منا شيء يقوله. تعلقت القصة لما يزيد قليلاً على ساعة غير أن جيريرو عاد بالفعل من دون حافظة أوراقه. كان ذلك في أوائل مساء يوم الأربعاء العاشر من أيلول سبتمبر. من المقرر أن نطير أنا ومورد الى لندن ظهر اليوم التالي لكن بدا أن ال12 يوماً التي قضيتها في سيدني كانت كارثة. تلعثم جيريرو قائلاْ: "أنا آسف اذ لم أقل الصدق. ذلك أني كنت أشعر بالذعر من أنكم ستغشونني. يمكنني أن أعيدها غداً صباحاً". لم يكن أمامي من بديل سوى أن آمل أنه يقول الحقيقة. أبلغته أن يحضر الى "هيلتون" في العاشرة صباحاً ومعه الصور جميعاً بلا نقصان بما في ذلك الصور المعكوسة النيغاتيف والشرائح. أما اذا لم يفعل ذلك فسأنفذ تهديدي بالسفر وحدي في اليوم نفسه. اتصلت بلندن تليفونياً وأبلغت روبين مورغان بالنكسة التي حدثت كما أبلغته بسلوك جيريرو المجنون. في تلك الليلة لم أنل سوى قسط قليل من النوم ولكن في العاشرة صباحاً كنت أنا ومورد ننتظر في المطعم. وما أن انتهينا من تناول الافطار حتى وصل جيريرو والإنشراح باد على محياه. ومد مظروفاً عبر المائدة. "تفضل يا بيتر كل شيء هنا. صدقني هذه أحسن قصة صحافية منذ ووترغيت".
افترقنا أنا وفعنونو بعدما سلم جيريرو الصور صباح 11 أيلول واتفقنا على أن نلتقي في المطار. وصلت حافلة صغيرة مكتظة بالأصدقاء من كنيسة سانت جونز بمن فيهم القس جون مكنايت لوداع مورد. وما أدهشني أن جيريرو أيضاً ظهر ونحن ندردش في قاعة السفر، اذ كان وصل أيضاً في الحافلة الصغيرة وهز يدي بقوة. ولما كنت أتوقع أنه قد يكون لا يزال متوتراً قلت له: "لا تقلق يا أوسكار. ستحصل على نقودك بمجرد نشر القصة". وشعرت بالراحة لما بدا على الكولومبي من علامات الرضا. وبعدما لوحنا مودعين توجهت أنا ومورد الى بوابة السفر.
بعد ذلك بست سنوات عام 1992 سيروي جيريرو قصة هذا اللقاء في المطار في شكل مختلف تماماً. وكما سيتضح في ما بعد قام الكولومبي بمحاولات عدة كي يغش فعنونو بعدما طرنا الى لندن. اذ حاول بحماقة أن يبيع القصة ل"صاندي ميرور" من دون موافقة فعنونو خارقاً بذلك ما اتفقا عليه من الحصول على 25 ألف دولار من "صاندي تايمز" فانتهى به الحال بأن خرج صفر اليدين من أفضل قصة صحافية منذ ووترغيت. بعد هذه الهزيمة المنكرة ظل يعيش في أستراليا يلعق جراحه لسنوات حين رفع فجأة قضية مدنية ضد صحيفتي مدعياً أنها أخلت بالعقد، ونسج قصة من خياله حول خداعي اياه، لكن القاضي رفض القضية معتبراً ان السيد جيريرو يعيش في عالم من الخيال. وبالفعل لم يكن الكولومبي أكثر من مغامر خداع. فمن بين "نجاحاته" الصحافية أنه باع صوراً عن الصراع في تيمور الشرقية عام 1983 لاحدى الصحف البرتغالية قبل ان يتضح أنها صور قديمة موجودة في المكتبات عن حرب فيتنام.
استمر فعنونو يقود سيارة الأجرة ببراءة، فيما كانت احدى أقوى وأقسى المنظمات تقيم غرفة عمليات في مقرها وتشكل فريقاً من العملاء لاعدامه اذا لزم الأمر.
الحلقة الثالثة السبت المقبل.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.