ليوني مرزوق شابة لم تتجاوز بعد ربيعها ال15، ولدت في مدينة امستردام لأب تونسي وأم هولندية... لا تعرف عن "بلدها" تونس سوى أطياف مبهمة ومشاعر خفية، تجهل ابجديات اللغة العربية باستثناء كلمة "يعيشك" المحببة الى قلوب التونسيين. ذات خريف من عام 2000 انتسبت من طريق والدها الى الاتحاد التونسي للجمباز، وما بين خريفين تمكنت هذه الشابة من ان تصنع ربيع الجمباز التونسي في اجمل حلله وأن تنتقل من دائرة المجهول الى بطلة قومية أو "ناديا كومانتشي" التونسية. ففتاة نادي امستردام توجت عام 2000 ثلاث مرات بالبطولة الأفريقية وبالميدالية الذهبية في الألعاب المتوسطية ودخلت التاريخ بإحرازها الذهب كأول بطلة عربية في القفز على الحصان وللمرة الاولى متوسطياً منذ 42 عاماً بعد منافسات حامية. لكن في عيون ليوني الموشحة بالراية التونسية والنجمة والهلال فوق منصة التتويج، كانت الفرحة العارمة والدهشة الشديدة بحفاوة الاستقبال من قبل مواطنيها... والأهم من ذلك التمزق الحاد بين نشوة الانتصار وغربة المكان وحنينها الى نجمة الشمال ومدينة امستردام. ومنذ الألعاب المتوسطية انقطع ذلك الحبل السري بين ليوني ومدينة الذهب التونسية، لا أحد يعرف لماذا؟ هل هي انعكاسات 11 من ايلول سبتمبر الماضي وموجة الكراهية التي لاحقت اجيال المهاجرين ما دفعهم الى التقوقع في دائرة حفظ البقاء في بلدان الإقامة؟ هل انتصرت عاطفة الأمومة الهولندية على رغبة الأب التونسي في رؤية ابنته بطلة قومية... ام ان الصبية كبرت وأدركت ان مصلحتها وجسرها نحو العالمية تتجاوز عواطف الوطنية الجياشة... وأن ابواب الاحتراف في الغرب حتى لو كانت من الصف الثاني افضل من بطلة متوجة في الشرق والضفة الجنوبية؟ "إنه حلم الصبا ولحظة تاريخية!... هل تعلمون ماذا يمثل ذلك لي ولعائلتي" هذا ما صرح به مهدي النفطي لاعب نادي سانتاندار الإسباني يوم دعاه المدرب السابق لمنتخب تونس هنري ميشال الى معسكر مدينة "مالقا" الأخير قبل نهائيات كأس امم افريقيا بداية العام الحالي. وهو اضاف في اندهاش طفولي "فرحتي كبيرة وأنا أجالس اللاعبين زبير بيه وحسان القابسي، وكنت سابقاً اشاهدهم فقط على شاشات التلفزيون". كان هنري الثاني يعتقد ان مهدي النفطي ورقته الرابحة خصوصاً بعد اصابة المهاجم زياد الجزيري، وراهن عليه للعب في مواقع مختلفة وللتفاعل مع صانع الألعاب زبيربيه قصد الإمداد الهجومي. لكن تونس خرجت من العرس الافريقي بخفي حنين وبصفر من الأهداف، فثارت ثائرة التوانسة عن "الولد" المهاجر الذي لا يعرف كلمات السلام الوطني... وحمّلوه اكثر مما يطاق فذهب ضحية التسرع وعملية اندماج قصرية في اقل من اسبوعين بحثاً عن النتائج. "ان تونس اكبر منك ومن أمثالك" هكذا ردّ الأستاذ ابن الحسن الفقيه رئيس الاتحاد التونسي على الشاب دافيد الجالي لاعب بوردو الفرنسي الذي لم يتجاوز بعد ال18 عاماً بعدما هذا الأخير دعوته الى تعزيز منتخب تونس. وانضمت الصحافة المحلية الى جوقة الشتم العلني معتبرة "دافيد" في خانة الخونة، لكن الصحافة الفرنسية اكدت أن نادي بوردو فاز بلاعب آخر ممتاز بعد زيدان وميكو وأصبح "دافيد" الآن من افضل المدافعين في البطولة الفرنسية. وخارج مناطق التشنج والمشاعر الجياشة فإن دافيد الجالي يعد مدافعاً ذا مستقبل واعد، ولا أحد يعتقد ان بينه وبين هنري ميشال مصالح حقيقية وإلا لما جازف بدعوته لتعزيز منتخب تونس قبل المونديال المقبل. لكن اللاعب رفض للمرة الثانية دعوة الوطن وفضل الانكباب على مسيرته الاحترافية في فرنسا خوفاً من ان يطبق عليه قانون الأجانب ويقضي ربيع شبابه على مقعد البدلاء. وفي الضفة الأخرى لا شيء مضموناً، خصوصاً بعد المغامرة الفاشلة لمواطنه صبري اللموشي الذي اعتبره مدرب تونس الأسبق يوسف الزواوي عديم الموهبة، وأصبح اليوم من العناصر الأساسية لنادي بارما الإيطالي. بدأ مصدق السنوسي لاعب النادي الصفاقسي المنتدب هذا العام من نادي ليون الفرنسي في حزم حقائبه بعد تجربة مريرة للتونسي "الفرنسي" في مدينته الأصلية صفاقس. قال عنه الصفاقسية انه لم ينسجم مع الأجواء ولم يتمكن من خلافة ابنهم المدلل وصانع ألعابهم اسكندر السويح، طلبوا من الفتى المهاجر "المعجزات" ورأوا فيه اسكندر الجديد ولكنه اضطرب من المنزل بين المنزلتين، ثم جاء دور ستيفان الغيغاني الذي غادر من الأبواب الخلفية للنادي الافريقي بعدما ذاق الأمرين من اللاعبين المحليين، وهو الذي لا يعرف نطق جملة عربية كاملة فذهب ضحية مؤامرتهم التي لا يعرف عنها شيئاً! ولعل السؤال الذي يطرح كيف تمكن سليم بن عاشور الفتى المهاجر من قيادة منتخب الشباب الى الذهب المتوسطي وضمان مكان في تشكيلة المونديال، ربما لأنه الوحيد من بين شباب المهجر التونسي مئة في المئة في محياه واسمه ولقبه العائلي في حين ان الآخرين ممزقون بين الشمال والجنوب: ليوني مرزوق ودافيد الجمالي وستيفان الغيغاني.