لا يمكن إدراك حجم المعاناة التي يتعرض لها القط التعيس "توم" من جراء المقالب التي يحيكها له الفأر "جيري"، إلا بعد أن تتعرض لموقف مماثل يُضطرك إلى الاستعانة بخبراء وبأنواع من الاسلحة الكيماوية والجرثومية ستفاجئك بكونها مجرد دعاية ترويجية لمنتوجات غير فاعلة، أسوة بأدوية مكافحة التدخين والصلع ، ما يدفعك إلى مواجهتها ب"السلاح الابيض" وسط صيحات احتجاج اطفالك تعاطفاً مع تلك الكائنات؟ وبما انك تقطن شرق السعودية، لا بد من ان تتعرض لمثل هذا الموقف. اذ تعاني مدن هذه المنطقة هجمة شرسة للفئران التي احتلت الأماكن المخصصة للمواطنين. فالكورنيش الذي يتبوأ موقعاً بارزاً في نفوس أهالي المنطقة وزوارها اصبح مرتعاً للفئران التي تسابقهم على احتلال ابرز المواقع واجملها. ويقول سليمان د. إن "علاقة ود نشأت بيننا وبين الفئران. فها هي تحتل مرافق الكورنيش من دون خوف". ويضيف: "اقمت وليمة لمجموعة كبيرة من الشبان، وتوقعت ان يكون الكورنيش المكان الأمثل لاستيعاب هؤلاء، الا اننا اضطررنا إلى تغيير موقعنا ثلاث مرات بسبب الفئران التي اصرت على مشاركتنا تلك الوليمة". هذا بالنسبة إلى الكورنيش، فماذا عن المزارع التي تفخر بها المنطقة، بحكم كونها زراعية؟ يقول عبدالله م. الذي يمتلك مزرعة على طريق الجبيل: "تغزونا الفئران من وقت إلى آخر، وتكثف غزواتها في فصل الصيف، وكثيراً ما نلجأ إلى الوسائل التقليدية، مثل خلط النخالة مع الجبس واستخدام المواد الكيماوية وسموم الفئران التي نتلقاها من وزارة الزراعة. لكننا نضطر أحياناً إلى منازلتها، ونستعين بجميع المقربين للتصدي لها. وعلى رغم انها عملية محدودة الأثر، تشعرنا ببعض ارتياح". ونظراً إلى تزايد عدد القوارض، شرق السعودية، شكلت لجنة متخصصة من جهات حكومية عدة، ابرزها وزارة الزراعة والمياه وأمانة مدينة الدمام ووزارة الصحة والمؤسسة العامة للسكك الحديد وميناء الملك عبدالعزيز ومصلحة المياه والصرف الصحي. ولكن من الواضح ان جهودها تذهب ادراج الرياح نظراً إلى الأعداد الهائلة للفئران التي تنافس اكثر مدن العالم كثافة، فضلاً عن افتقاد تنسيق الجهود بين اعضائها، على ما أبلغ احد المهندسين في فرع الوزارة في الشرقية "الحياة". وقال: "تفاءلنا خيراً لدى تشكيل اللجنة، وتوقعنا ان تعمل على التخطيط لحملة شاملة لمكافحة القوارض، الا اننا فوجئنا بأن العمل فردي ومشتت، ما أدى إلى تراجع تأثير اللجنة في المكافحة". وسأل المهندس الذي طلب عدم نشر اسمه: "لماذا لا يقام اسبوع لمكافحة القوارض، اسوة باسبوع الشجرة مثلاً؟ ولماذا لا يستعان بالجامعات، لمعرفة انواع القوارض الموجودة في المنطقة؟ ثمة اسئلة كثيرة تدور في فلك الموضوع، وللاجابة عنها المطلوب المزيد من التنسيق". وعن أبرز أنواع القوارض الموجودة في المنطقة، أوضح "ان المنطقة الشرقية تعد من أكثر المناطق كثافة بالقوارض، وابرزها الفئران والنمل الابيض. ولكن من أين تأتي القوارض، على رغم الجهود المبذولة لمكافحتها؟". وتابع: "بخلاف تكاثرها، تشكل الموانئ بوابة مفتوحة لدخول الفئران السعودية. فمن البواخر الى المستودعات مروراً بالبضائع، تنشأ اوكار الفئران. وبما ان هذه تستطيع السباحة، لا توجد امامها عوائق للوصول الى ارصفة الميناء. ثم أن تخزين الحبوب السائلة، بطريقتها البدائية المعمول بها الآن، يعد بيئة مثالية لتكاثر الفئران". أما عن سبل مكافحتها، فأشار إلى "أن المزارع تتلقى نوعيات من المواد الكيماوية للقضاء عليها. والمنازل تتعامل بالطرق المتعارف عليها من سموم ومصائد وأنواع صمغ متوافرة في الاسواق الآن. أما بالنسبة إلى صوامع الغلال فتختلف طريقة التعامل للقضاء على قوارض الحبوب فيها، اذ تكافَح بواسطة التبخير بالغازات". وتحدث المهندس الزراعي عن آلية عمل اللجنة بقوله إنها "تتلقى، من مدة إلى أخرى، شكاوى من بعض الجهات فتدعو، بدورها، هذه الجهات إلى الانضمام اليها، للوقوف على سبل المكافحة وطريقتها. فعلى سبيل المثال، تتكاثر القوارض في المدارس في شكل مزعج. تلقينا، في الماضي، شكاوى من هذا القبيل، ودعونا مندوبين من رئاسة تعليم البنات وآخرين من ادارة التعليم للبنين، وقدمنا إليهم الارشادات اللازمة، مثل ضرورة ازالة الفضلات في شكل مستمر وعدم السماح للنباتات بأن تطول اكثر من اللازم"، مشيراً إلى أن ذلك "ينطبق ايضاً على المنازل وبالذات تلك التي تحتوي مستودعات للمواد الغذائية او غيرها". وعن أبرز المشكلات التي تواجهها اللجنة، ذكر "أن نقص الامكانات يعد أبرز العقبات، وبالتحديد عند نهاية كل سنة مالية. اذ تفتقد المبيدات وتصبح اللجنة تعتمد جهود الجهات المشاركة وتمويلها. وتعد امانة مدينة الدمام من أبرز الجهات لتخصيص مبلغ للمكافحة، الا ان عدم التنسيق ينسف كل الجهود التي تبذل للحد من تفاقم المشكلة التي تعانيها المنطقة عموماً".