أشهر الألعاب الإلكترونية تستقبل القيمرز بمهرجان RUSH في أول أيامه ضمن فعاليات موسم الرياض 2022    وزير التجارة يعين 4 أعضاء في مجلس إدارة غرفة حفر الباطن    وزير الرياضة يوجه رسالة لجماهير الأخضر    كاسيميرو: نشعر بالأسى على المنافسين لوفرة المواهب بالبرازيل    طريف تسجل أدنى درجة حرارة    الإسباني أزكونا بطلاً لكأس العالم للسيارات السياحية على حلبة كورنيش جدة    ويلتون.. تحامل على الأخضر «الأخطر»    تدشين مسار خيبر السياحي    انطلاق غضا عنيزة 44    الاحتلال الغاشم يقتحم عدة قرى في جنين شمال الضفة الغربية    دوريات الأمن تضبط 22 مخالفًا لنظام البيئة    تعليمات من المرور تتعلق بالسفر برا والطقس    مليشيا إيرانية تستهدف قوات أمريكية شرق سورية    الأهلي يواصل صدارته لممتاز السلة بعد ختام الجولة التاسعة    تطبيق الهوية الجديدة لمركبات نقل السيارات وسحب المركبات    مشروع إدارة الهوية الرقمية على طاولة الشورى    الرئيس النيجري يلتقي النائب بالمجلس الرئاسي الليبي    الجامعات تنتفض.. والطلاب: الموت لولاية الفقيه    "تعليم صبيا" يحصد 11 ميدالية في مسابقة "بيبراس موهبة"    مركز الملك سلمان للإغاثة يوزع 678 سلة غذائية في محلية أمبده بولاية الخرطوم السودانية    الولايات المتحدة تحظر رسمياً معدات اتصالات صينية    إطلاق منصة "فعاليات السعودية" لتسهيل وسرعة وصول الزوار إلى مواقع الفعاليات    سمو أمير المنطقة الشرقية يرعى حفل تخريج طلاب جامعة الأمير محمد بن فهد غداً    الحملات الميدانية المشتركة: ضبط (15713) مخالفاً لأنظمة الإقامة والعمل وأمن الحدود خلال أسبوع    خدمات النقل الترددي في منفذ سلوى.. إقبال كبير واستعدادات وجهود عالية    اهتمامات الصحف التونسية    القصبي: نظام المعالجات التجارية في التجارة الدولية يساعد في تعزيز تنافسية المنتجات الوطنية وجذب الاستثمارات    أشهر إسلامه قبل أيام.. رحالة ياباني يزور مجمع كسوة الكعبة المشرفة    مناقشة سبل التعاون بين "الشؤون الإسلامية" والمركز الإسلامي الأرجنتيني    مستجدات "كورونا".. ارتفاع الحالات الحرجة وانخفاض الإصابات الجديدة والوفيات    700 مراجع لمستشفى سلوى العام منذ انطلاق كأس العالم        أسبوع الموسيقى في السعودية ينطلق الأسبوع المقبل في الرياض    زلزال بقوة 5 درجات يضرب شبه جزيرة كامشاتكا الروسية    زيلينسكي مهاجماً رئيس بلدية كييف: أداؤه سيئ    موعد مباراة فرنسا والدانمارك..القنوات الناقلة والتشكيل المتوقع    28 نوفمبر إنطلاق النسخة الخامسة من مهرجان الملك عبدالعزيز للصقور    "رسم ونغم" أمسية فنية بمنطقة تبوك    ألف زائر وزائرة لمهرجان أحد المسارحة للتسوق والترفيه خلال 20 يومًا    الأرصاد: أمطار من متوسطة إلى غزيرة الأسبوع المقبل على مكة والمدينة وتبوك    "المرور": يجوز للزائر القيادة بالرخصة الدولية أو الأجنبية سارية المفعول    "بوليسيتش" يفوز بجائزة رجل مباراة إنجلترا وأمريكا في كأس العالم    تسجيل القطيف في شبكة المدن المبدعة نابع من تمتعها بقوة النشاط الثقافي    الصين تسجل 35183 إصابة جديدة بكورونا    كوريا الجنوبية تسجل أكثر من 50 ألف إصابة جديدة بفيروس كورونا    مصر.. إخلاء سبيل الفنانة منة شلبي بكفالة مالية    مفاجأة.. الكشف عن سبب جائحة كوفيد    "أطفالنا يقرؤون".. رحلة ثقافية تُثري تجارب الأطفال في جازان    ترقية وكيل محافظة بيش إلى المرتبة الحادية عشر    احذروا التعجل في الطلاق    أمير الجوف: الإعلام السعودي ينقل الحقائق بالصورة الواقعية الموضوعية    محمد بن سلمان رأسُ الحربة.. اللاعبُ الأوّل    المركز الوطني للعمليات الأمنية يتلقى (2,123,570) اتصالاً عبر رقم الطوارئ الموحَّد (911) خلال شهر ربيع الآخر من عام 1444ه    رئيس هيئة الأركان العامة يفتتح ملتقى القيادات التعليمية الأول بوزارة الدفاع بالرياض.. وهذه أهدافه    مطر ربي ومطر الحكومة    «بئر غرس».. معلم تاريخي نبوي    قائد القوات المشتركة يستقبل رئيس الأركان العامة اليمني    فهد بن محمد يلتقي أهالي الخرج.. ويستقبل رئيس جامعة سطام    







شكرا على الإبلاغ!
سيتم حجب هذه الصورة تلقائيا عندما يتم الإبلاغ عنها من طرف عدة أشخاص.



سيرة الأشعري ... وتأليفه كتاب "الإبانة"
نشر في الحياة يوم 01 - 05 - 2001

بدأ أبو الحسن الأشعري 260 - 320 ه حياته معتزلياً، وتتلمذ على يد كبار أعلام المعتزلة في عصره، كالجبائي. لكنه عندما بلغ الأربعين تحوّل عن مذهب الاعتزال الى مذهب أهل السنّة. وذكر المؤرخون ثلاثة أسباب لهذا التحول. الأول، مناظرة الأشعري لأستاذه الجبائي وعجز الأخير عن الإجابة المقنعة: "ناظر الأشعري استاذه الجبائي في ثلاثة: مؤمن وكافر وصبي. وقد أجابه أستاذه ان المؤمن من أهل الدرجات، والكافر من أهل الهلكات، والصبي من أهل النجاة. فقال الأشعري: إن أراد الصبي أن يرقى الى أهل الدرجات، هل يمكن؟ قال الجبائي: يقال له: إن المؤمن نال هذه الدرجة بالطاعة وليس لك مثلها. قال الأشعري: فإن قال: التقصير ليس مني فلو أحييتني كنت عملت من الطاعات كعمل المؤمن. قال الجبائي: يقول له: كنت أعلم لو بقيت لعصيت، ولعوقبت، فراعيت مصلحتك أمتك قبل أن تنتهي الى سن التكليف. قال الأشعري: لو قال الكافر: يا رب علمت حاله كما علمت حالي، فهلاّ راعيت مصلحتي مثله، فانقطع الجبائي". "طبقات الشافعية"، للسبكي
وينقل السبكي مناظرة أخرى في أسماء الله هل هي توقيفية؟ وسواء كانت هذه المناظرة أم تلك هي التي فصمت علاقة الأشعري بأستاذه الجبائي، نستطيع أن نقول إن أحد أسباب انتهاء علاقة الأشعري بمذهب الاعتزال عجز استاذه عن الإجابة إجابة مقنعة في قضية مطروحة بينهما.
السبب الثاني، رؤى الأشعري: ذكرت الكتب التي أرّخت لحياة الأشعري انه رأى الرسول صلعم ثلاث مرات في رمضان ودعاه في آخرها الى نصرة مذهب أهل السنّة وترك مذهب الاعتزال. "الفهرست"، لابن النديم.
السبب الثالث، تأثّر الأشعري بالشافعي: درس الأشعري الفقه الشافعي في وقت درس مذهب الاعتزال. ومال الدكتور مصطفى عبدالرازق الى أن هذا التواصل بين الأشعري والشافعي كان سبباً رئيسياً في تحول الأشعري الى مذهب أهل السنّة، لأن الشافعي جمع - في رأي الدكتور مصطفى عبد الرازق - بين الأصول والفروع، وتوسط بين أهل الرأي وأهل الحديث، فكان مذهبه أقصد المذاهب وأوسطها، وأثّرت بالتالي عبقرية الشافعي في الأشعري.
لا شك في أن المقصود بمذهب أهل السنّة الذي تحوّل الأشعري اليه هي آراء الإمام أحمد بن حنبل التي تمخضت عن معركته مع المعتزلة في قضية خلق القرآن الكريم والتي تجسّدت في رسالته المسمّاة "رسالة الرد على الزنادقة والجهمية" والتي أقرت بأن القرآن الكريم كلام الله غير مخلوق، والتي رجحت ان الله ذرى بالأبصار يوم القيامة، والتي أقرت بعدم تأويل صفات الله الخيرية من مثل: الاستواء على العرش واليد والوجه الخ... والتي اعتمدت الأخذ بأحاديث الآحاد في مجال العقائد، والتي اعتبرت وجود الله فطرياً ولم تأخذ بأدلة علم الكلام في اثبات وجود الله، ولم تأخذ بمصطلحات مذهب الذرة في إثبات العقائد الاسلامية من مثل: العرض والجوهر والجسم والخلاء والملاء الخ...
حمل آراء الامام أحمد بن حنبل من بعده تلامذة كثيرون ألّفوا كتباً على غرار "رسالة الرد على الزنادقة والجهمية" في القرون التالية: فقد صنف أبو بكر أحمد بن علي بن سعيد المروزي 292 ه "كتاب السنة"، وألّف أيضاً أبو عبدالله محمد بن يحيى بن منده العبدي 301 ه "كتاب التوحيد"، وكتب أبو أحمد محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني العسال 349 ه "كتاب السنّة"، وألّف أيضاً أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب اللخمي الطبراني 360 ه "كتاب السنّة"، وألّف عبيد الله بن محمد بن بطة العكبري 387 ه "كتاب الإبانة"، وصنف أيضاً في ذلك أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد بن عبدالله الأنصاري الهروي 434 ه "كتاب السنّة"، وألّف أحمد بن الحسين أبو بكر البيهقي 485 ه كتاب "الأسماء والصفات"، وغيرهم.
نتساءل الآن: الى أي حد اتفقت آراء أبي الحسن الأشعري مع آراء مدرسة الإمام أحمد ابن حنبل؟ اذا تفحصنا كتب الأشعري وجدنا أنه وصلتنا أربعة كتب هي: "مقالات الاسلاميين" و"اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع" و"رسالة الى أهل الثغر بباب الأبواب" و"الإبانة عن أصول الديانة"، واذا استثنينا كتاب "مقالات الاسلاميين" لأنه يختلف في موضوعه عن الكتب الأخرى فهو تأريخ للفرق الاسلامية، وأجرينا مقارنة بين الكتب الثلاثة الباقية وجدنا أن كتاب "الإبانة" متفرد عن الكتابين الآخرين: "اللمع" و"الرسالة"، فبماذا انفرد كتاب "الإبانة" عن الكتابين الآخرين؟ ولماذا انفرد؟ بالنسبة الى السؤال الأول انفرد في الآتي:
1 - ليس في "الإبانة" حديث عن وجود الله في حين أن كتاب "اللمع" احتوى على باب "في وجود الصانع" واحتوت "رسالة الى أهل الثغر بباب الأبواب" كلاماً في هذا المعنى.
2 - أورد "الإبانة" الصفات الخيرية لله وأثبتها مثل: الاستواء على العرش، واليدين، والوجه. وأتى بالأحاديث التي تدل عليها، ورفض تأويلها، ودحض حجج المؤوّلين، في حين خلا كتاب اللمع من هذا الحديث.
3 - أورد كتاب "الإبانة" صفات الذات من مثل: سمع الله تعالى، وبصره، وعلمه الخ... من دون تحديدها بسبع، وهو التحديد الذي أصبح متبعاً في ما بعد في الكتب الأشعرية وقد تقيّد كتابا الأشعري "اللمع" و"الرسالة الى أهل الثغر" بهذا التحديد.
4 - يتفرد كتاب "الإبانة" في طريقة التدليل عن الكتابين الآخرين، ف"الإبانة" يعتمد على الآية القرآنية والحديث الشريف في تدليله، في حين أن "اللمع" و"الرسالة الى أهل الثغر" يعتمدان على دليل الحدوث من جهة وقد انفردت "الرسالة" باستخدام مصطلحات الجوهر والعرض والجسم، وهذا يشير الى أن كتاب "الإبانة" أقرب الى طريقة التدليل التي تعتمدها مدرسة أحمد بن حنبل.
5 - يتفرد كتاب "الإبانة" بإيراد الدليل السمعي عند حديثه عن صفات الله تعالى في حين أن "اللمع" و"الرسالة الى أهل الثغر" يزاوجان بين الدليل السمعي والعقلي عند الحديث عنها.
6 - تناولت جميع كتب الأشعري موضوع القدر، فقد جاء كلام الأشعري في "الإبانة" عن موضوع القدر مطابقاً في مضمونه وطريقة عرضه لما أوردته كتب السنّة من الاعتماد على الحديث الشريف، في حين أن "اللمع" و"الرسالة" أوردا فكرة الكسب، وتحدثا عن الاستطاعة، وهي الأفكار التي أصبحت من أصول العقيدة الأشعرية، وخلو الإبانة من فكرة الكسب التي أصّلتها العقيدة الأشعرية يشير الى انتماء "الإبانة" الى مدرسة الإمام أحمد بن حنبل.
7 - انفرد كتاب "الإبانة" بنقل الروايات التي تقول إن القرآن كلام الله غير مخلوق، ونقل تكفير من يقول ان القرآن الكريم مخلوق، وأورد في ذلك روايات عن أحمد بن حنبل ووكيع وعبدالله بن المبارك ومحمد بن الصياح البزار الخ...، وهذا يعطي "الإبانة" صفة مدرسة أحمد بن حنبل التي أكثرت من الاستشهاد بأقوال الصحابة ومؤيدي رأيها.
8 - أشار كتاب "الإبانة" الى الإيمان بعذاب القبر، وبالحوض، وأن الميزان حق، وان الصراط حق، وأن الله عز وجلّ يوقف العباد في الموقف الخ...، في حين خلت "اللمع" و"الرسالة الى أهل الثغر" من مثل هذا الكلام التفصيلي مما يجعل كتاب "الإبانة" أقرب في محتواه الى كتب السنّة التي انبثقت من مدرسة أحمد بن حنبل.
9 - عرّف "الإبانة" الإيمان بأنه قول وعمل، في حين عرّفه "اللمع" و"الرسالة الى أهل الثغر" بأنه تصديق، وبتطابق تعريف "الإنابة" مع تعريف ابن حنبل.
10 - انفرد "الإبانة" بالثناء على الامام أحمد بن حنبل وبتصريح الأشعري بمتابعته فقال في تعريفه لقوله وعقيدته: "وبما كان يقول به أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل، نضر الله وجهه، ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولما خالف قوله مخالفون"، في حين خلا الكتابان الآخران من هذا الثناء والإشارة، وهذا القول تصريح بانتماء "الإبانة" الى مدرسة أبن حنبل.
والسؤال الثاني: لماذا انفرد "الإبانة" عن بقية كتب الأشعري في مضمونه وطرق تدليله؟ ولماذا جاء مطابقاً لآراء أبن حنبل وآراء مدرسته من بعده؟ للجواب عن هذه الأسئلة لا بد لنا من العودة الى الكتب التي أرخت لحياة الأشعري لنجد الجواب فيها.
ذكرت كتب الطبقات أن لقاء حصل بين أبي الحسن الأشعري وبين البربهاري شيخ الحنابلة آنذاك في بغداد بعد أن تحول الأشعري من الاعتزال الى مذهب أهل السنّة، وقال له: "قد كتبت في الرد على المعتزلة كذا، وألفت في تفنيد أقوالهم كذا وكذا". فقال له البربهاري: "أنا لا أفهم إلا ما قاله أحمد بن حنبل". فخرج من عنده وألف كتاب "الإنابة". "سير أعلام النبلاء"، الذهبي. إذاً تربط الرواية السابقة بين لقاء الأشعري بالبربهاري وبين تأليف كتاب "الإبانة" وتعلل ذلك بأنه ألّفه من أجل إرضاء الحنابلة، وفعلاً فقد كان لإرضاء الحنابلة دور كبير في جعل كلام الأشعري مقبولاً عند أهل السنّة. ويمكن أن نضع عنصر إرضاء شيخ الحنابلة في إطاره، ونقدره التقدير الصحيح إذا قارنا هذا الإرضاء بواقعة مشابهة هي موقف أحمد بن حنبل من معاصرَيْن له هما: سعيد بن كلاب والحارث المحاسبي، وهما طرحا آراء جديدة في مجال العقيدة والتصوف، لكن أبن حنبل عارضهما ولم يرض عن أقوالهما، لذلك لم يقبلهما أهل السنّة ولم ترج أقوالهما. ومما يؤكد أن ارضاء الحنابلة هو العنصر الرئيسي في تأليف "الإبانة" أن تلامذة الأشعري الذين ألفوا من بعده خالفوا كثيراً من الحقائق التي طرحها في "الإبانة" ودونوا كتبهم على غرار "اللمع".
* كاتب فلسطيني.


انقر هنا لقراءة الخبر من مصدره.