على رغم مرور عقد ونيف على سقوط "حائط برلين" ما زال المشهد طرياً في الذاكرة. وتدافعت أجساد شباب اوروبي بملامح متعددة، محمولة بقوة الموسيقى وشوق لقاء "الآخر" وتَطَلُّق الصبا، حطمت الجدار وأطلقت زلزالاً هز الأرض هزاً. سقط الاتحاد السوفياتي بضغط صعود العولمة، ووصفت تلك اللحظة بأنها "ثورة الشباب و... التلفزيون". وقُصد حينها، ان نمط الحياة الذي التمع يومياً فوق الشاشات الصغيرة، احدث هزاً ناعماً متواصلاً انهارت تحت وطأته انظمة عاتية في اوروبا. وفي فورة تلك اللحظة المشهدية، بدا العالم مغموراً بحلم وردي قوامه انهيار الحواجز بين الهويات الثقافية والحضارية المختلفة. وعلت نبرة تحوّل العالم "قرية كونية" صغيرة تُقرّب ثورة الاتصالات والمعلوماتية بعضها الى بعض في استمرار. أين صار هذا الحلم في مهده الاوروبي بعد نحو اثنتي عشرة سنة؟ كيف ينظر شباب اوروبا الى المتغيرات في الاعلام والتكنولوجيا والجنس والبيئة... إلخ. هوية ملتبسة وصحافة الورق صيغ مصطلح "قرية كونية" للمرة الأولى عشية الحرب العالمية الاولى في فيينا عاصمة الامبراطورية النمساوية، واستعيد كأنه جديد في نهاية الحربة الباردة. لكن ثلثي شباب اوروبا يُعرّف نفسه عبر الهوية الوطنية الخاصة ويقدمها على الاوروبية. ويصل الميل الشبابي ذروته في فرنسا 77 في المئة وتليها انكلترا 75 في المئة ثم المانيا 61 في المئة، بحسب استطلاع حديث للصحافة الغربية. وأورد الشباب الخوف من شبح "نخبة عالمية حاكمة"، وكذلك تهديد السيادة، أسباباً للتمسك بالهوية الوطنية. وما زال التلفزيون مصدراً اساسياً للمعلومات لدى جُلّ شباب القارة، وخصوصاً في فرنسا 46 في المئة وايطاليا 63 في المئة وبريطانيا 44 في المئة. وتلي جرائد الورق التلفزة مباشرة في الأهمية لدى 48 في المئة من شباب المانيا و33 في المئة من نظرائهم في بريطانيا. وحلت الشبكة الدولية للكومبيوتر في مقام متدن كمصدر للمعلومات، اذ لا يعتمدها سوى 6 في المئة من الشباب في انكلترا و3 في المئة في كل من المانياوايطاليا، و2 في المئة فقط في فرنسا! وتبدو الأرقام متناقضة مع صورة الانترنت كأداة تقنية ارتكز صيتها الى قدرتها على ايصال المعلومات ونشرها، وكذلك الى هويتها الغربية. ويبدو ان ظلاً اميركياً مديداً ما برح مخالطاً الألياف الضوئىة للشبكة الالكترونية. وفي سياق مشابه جاءت آراء الجيل الاوروبي الشاب لتعكس "حساسية ما" حيال العولمة وراوح ثلثا الاصوات بين المعارضة القاطعة والتردد. ولم يؤيد العولمة سوى 27 في المئة من الشباب في فرنسا، و26 في المئة في المانيا، وارتفعت النسبة الى 35 في المئة في ايطاليا. ... ولا يعني ذلك الانغلاق الثقافي، بل على العكس تماماً، اذ يجيد نحو 80 في المئة من الشباب أكثر من لغة ثانية واحدة، والربع متمكن من ثلاث لغات معاً. وترغب الغالبية الشابة في استكمال بناء السوق الاوروبية المشتركة. وبدت الانكليزية لسان التلاقح الثقافي، ربما بالتساوق مع تمدد اميركا ومصالحها وثقافتها ونماذجها، على مدى العالم. ماذا عن جيل سبق؟ يبدو الجيل الاوروبي الشاب اكثر ميلاً الى سلوك المحافظة وقيمها، خصوصاً بالمقارنة مع جيل الستينات والسبعينات. فباستثناء شريحة صغيرة تقل عن العُشْر، عبّر شباب اوروبا عن ميل الى الاخلاص لشريك جنسي واحد ولعلاقات مستقرة. وتتناقض هذه الصورة مع "ثورة الجنس" في الستينات، وسلوكها في التحرر الجنسي وتعدد العلاقات والشركاء. والمفارقة ان شباب اوروبا لم يروا ان الفارق مع جيل سبقه هو في الجنس، وعبّر عُشرهم فقط عن مثل هذا الرأي. والتقط خُمس الشباب هذا الفارق في الموقف من العائلة، ورأوا انهم اكثر ميلاً الى التشديد على تماسك العائلة وقيمها. وتراجع الاهتمام بالتهديد الذري فقط 16 في المئة، ربما انسجاماً مع غياب توتر الحرب الباردة؟ ويتقاطع شباب اوروبا مع جيل سبق في التنبّه الى البيئة 56 في المئة والبطالة 42 في المئة، باعتبارهما من هموم المستقبل. وفي ملمح لافت، اعتبر الشباب فارق الاجيال يتمثل في الموقف من تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، وفي نسبة بلغت 33 في المئة. ومن المعروف ان نسبة الجمهور المتصل مع الانترنت On-Line Population، تراوح بين 9،35 في المئة من مجموع السكان بريطانيا وعشرين في المئة فرنسا، فيما هي 6،51 في المئة داخل الولاياتالمتحدة الاميركية. وتسمح الارقام بالحديث عن نوع من مفارقة في تصور شباب اوروبا عنها. في مقابل النسبة العالية من التماهي مع صورتها، مثل اعتبارها فارقاً بين الاجيال والتمكّن من "لغتها" الانكلوفونية، لا تعتبر الانترنت مصدراً موثوقاً للمعلومات الا ضمن حدود ضيقة. هل هي "مفارقة" ام ان الشباب يميلون الى استخدام نواحي الاتصال البريد الالكتروني وغرف الثرثرة، والترفيه في الانترنت؟ ويصعب تجاوز بروز ذائقة ما بعد الحداثة في هذا الاستطلاع، الذي اجرته مجلة "تايم" الاميركية، بالتعاون مع شبكة CNN التلفزيونية. في تلك الذائقة، يبدو اجتماع "المتناقضات" أمراً مألوفاً. وهكذا تقف النزعة الوطنية الى جانب الأوربة والعولمية، ولا يربك التماهي مع الانترنت عدم الركون اليها كأداة للحصول على معلومات. وذاك شأن ثقافة تسقط عنها الروايات الكبرى والنصوص الكلية والرؤى المتماسكة، لمصلحة ما هو اقل وأقل. رأي هنا وقول هناك وميل في محل ثالث، وينتج من ذلك "كولاج" وان لم يعجب البعض تنافر الألوان.