على رغم اعتراض التجار واصحاب محلات "السوبر ماركت" في مصر على فتح فرع لشركة "سانزبوري البريطانية" الشهر الماضي وإعلانهم الحرب عليها رأى البعض أن ذلك سيفيد الصناعة المصرية في اعتبار أن ما حدث دق ناقوس الخطر، وربما حث الصناعة المحلية لتطوير نفسها. ويذكر ان الاعتراض قام عقب افتتاح الفرع الاول والاكبر 3500 متر في ضاحية الهرم، ولا احد يعرف معنى هذا الاعتراض عندما يعلم التجار واصحاب المحلات ان الشركة البريطانية ستضيف الى الفرع الاول 29 فرعاً في معظم احياء القاهرة الكبرى؟ فهناك حالياً ثلاثة فروع في شبرا واثنان في مصر الجديدة، وواحد في مدينة نصر. وسيفتتح احدث فرع في الضاحية نفسها في 27 الشهر الجاري، وفي غضون الشهور الثلاثة المقبلة وبعد اتمام الافرع المذكورة سينتقل "سانزبوري" الى الاسكندرية والدقهلية وبورسعيد كمرحلة ثانية في فتح فروعه. نتيجة ذلك نشبت في الأيام الماضية حرب تجارية بين التجار المصريين و"سانزبوري" واتهموها بالسعي لضرب السوق وبيع السلع بثمن بخس ومن ثم ظهور ما يسمى ب"حرق الاسعار" وحذر التجار من عودة الاجانب في ظل ما يسمى ب"آليات السوق حسب اعتقادهم". والقريب من الاحداث يرى أن خوف التجار من "سانزبوري" بات اقل من خوفهم من حيتان ستدخل السوق في غضون أيام في مجالات عدة. ففي السلع الغذائية تستعد مصر لاستقبال "مترو" الالمانية و"كارفور" الفرنسية و"شوابريب" الجنوب افريقية و"سبار" الهولندية وكلها شركات عالمية، اضافة الى شركتين لشراء مؤسسة السلع الاستهلاكية عمر افندي وبنزايون هما "مارك اند سبنسر" الانكليزية و"لافييت" الفرنسية. ما يعني أن سيناريو ما حدث مع "سانزبوري" سيتكرر مع المؤسسات السابق ذكرها التي تشكل اكبر كيان للصناعة في العالم، وتهتم بسوق الشرق الاوسط التي تكون بدايتها في العادة مصر او تركيا، ومن ثم ستكون الصناعة المصرية في خطر من تكرار ما يحدث حاليا، وخصوصاً وان سوق التجارة الداخلية مقبلة على احتكارات فعلية؟ الحكومة انقسمت على نفسها في معالجة الازمة، إذ اعتبر وزير الاقتصاد والتجارة الخارجية يوسف بطرس غالي أن الموضوع يخضع لآليات السوق، معرباً في الوقت نفسه عن قناعته أن السوق المصرية تستوعب شركات عدة وفي مجالات مختلفة ما يعني انه لن يتدخل والأمر متروك للسوق. في مقابل ذلك خضع وزير التجارة الداخلية والتموين حسن خضر لضغوط التجار، وعقد اجتماعات عدة كانت نتيجتها ان تنسق "سانزبوري" مع "اتحاد الصناعات والغرف التجارية" في مصر خصوصاً في شأن اسعار السلع التي يتم بيعها. واتفق الجميع على ضرورة عمل ميثاق شرف غير إلزامي يبدأ تطبيقه لم يطبق في 21 آذار مارس الماضي، لكنه بعيد عن التنفيذ حتى الآن، ويضم الاتفاق نقاطاً عدة في مقدمها تشجيع الاستثمار بشرط ان لا يؤثر على النشاط الداخلي في المجال نفسه، وأن يتم اتباع آليات السوق لتكون في النهاية لمصلحة المستهلك - التاجر ثم الصانع وان يتم بيع السلع بسعر كلفة المصنع وليس أقل كما تفعل "سانزبوري". لكن فجأة اخذ الموضوع بعداً جديداًَ وغريباً إذ أحال رئيس الحكومة عاطف عبيد ملف شركة "ايدج" للمجمعات الاستهلاكية الى الرئيس حسني مبارك الذي امر باحالته الى النيابة العامة بحجة انها تلاعبت في السوق وباعت حصة 81 في المئة من "ايدج" الى "سانزبوري"، ما يعد مخالفة صريحة للعقد الذي تم بين الحكومة و"ايدج" ومن ثم يدخل ذلك في اطار الاحتكار الذي تمارسه الشركة التي استقطبت نحو 720 الفاً من الزبائن وباعت اكثر من 10 الاف سلعة في شهر واحد. لكن الغريب ان رئيس الحكومة عبيد اكد ان ما حدث لا علاقة له ب"سانزبوري" وأن مصر حريصة على زيادة استثمارات الشركة في البلاد التي تقدر ب750 مليون دولار في نهاية السنة. على اية حال الزبون سعيد جداً بما يحدث فهو يجري وراء اي تخفيض لأي سلعة، فمثلاً هناك تخفيض نحو خمسة جنيهات على سعر احد المنظفات في "سانزبوري" مقارنة مع المحلات الاخرى. وترى السيدة سمية أحمد طبيبة ان "سانزبوري" هو الافضل لأنه "اجبرني على الشراء عكس المحلات الاخرى التي لم تنتبه الى قواعد السوق ولم تخفض النسبة التي من الممكن ان تجذب زبائن". وتؤكد "ان ما تقوم به الشركة البريطانية درس لجميع المتعاملين في السوق المحلية حول كيفية التعامل بآليات السوق الصحيحة وكذلك اسلوب الادارة الذي يختلف تماماً عن مثله في مصر". بينما ترى امينة فوزي ربة منزل ان "سانزبوري" نجح في جذب زبائن، معتبرة ان هذا النجاح كان رهن حُسن الادارة، فمثلاً توفير وسائل ترفيه متنوعة ومختلفة عربات يركبها اطفال تستهوي العائلة خصوصاً الاطفال الذين تعتبرهم "فوزي" أهم قوة شرائية. فسانزبوري نجح في مخاطبة عقولهم بأفلام وألعاب ومنتجات غذاء مفيدة. وتستبعد فوزي ان يتم اغلاق محلات الشركة كونها نجحت في تغيير صورة السوق المصرية وفق الآليات الجديدة. وتساءلت "هل يمكن أن أنفق 300 جنيه مرتب موظف حكومي في سوبر ماركت مصري وأجد متعة في التسوق مثل "سانزبوري"؟". السيدة ولاء عزالدين تتسوق بشغف بصحبة طفلتيها، السعيدتين بركوبهما سيارة الاطفال، وتقول: بعد زيارات عدة للمكان أرى التخفيض الملحوظ كان في السابق على سلع عدة ومنذ اسبوعين تقريباً بقي التخفيض على بعض السلع الشعبية مثل المنظفات والفوط الصحية للأطفال وبعض أنواع الجبن ثم منذ يومين وجدت السعر عادياً بالنسبة للمنظفات والجبن والتخفيض بقي فقط على فوط الاطفال. ولو نظرنا، والكلام لعزالدين، بدقة سنجد ان المسألة تسويقية لا أكثر، والزبون قد يأتي مرة واحدة للاستطلاع ثم يعرف حقيقة الأمر وهو ان "سانزبوري" مثل أي متجر مصري فيه سلع مخفوضة وأخرى ثابتة. وبعيداً عن رأي المستهلك هناك رأي المتخصص ممثلاً في رئيس شعبة المستوردين في الغرف التجارية مصطفى زكي الذي يشدد على ضرورة تأسيس بنية تشريعية تحمي السوق من الممارسات الاحتكارية وكذلك تطوير عمل تجار التجزئة، وايضاً محلات البقالة الصغيرة لاغراء المستهلك وجذبه على اعتبار ان التسويق اهم عوامل البيع لأي سلعة. هناك، والكلام لزكي، اكثر من 300 الف تاجر نصفهم يعملون بالتجزئة، وهناك 5000 تاجر جملة يتأثرون بأي هزة في السوق، ومن ثم فحمايتهم باتت ضرورة ملحة، كي لا تتفاقم الازمة مع الكيانات المقبلة لوجود قصور جاد في عمليات التسويق لأن التطوير يعتبره البعض خاصاً فقط بالسيراميك ودورات المياه. لكن القضية هي اننا غير مستعدين حالياً لأي شيء لاننا "محلك سر". ورأي زكي هو رأي آلاف التجار الذين اكدوا أنهم مع الاستثمار الاجنبي في اي مجال لكن مع حماية كاملة للصناعة القومية التي باتت مهددة في الفترة الاخيرة بسبب بعض تجاوزات من افراد، ويطالب التجار بوقفة جادة في حال التجاوز الجائر على قطاع ضخم مثل بيع احد المحال الكبرى سلعاً اقل من سعر المصنع لضرب المحلات الاخرى، ومن ثم لا بد من سن تشريع يحمينا، ووقفه للدفاع عن التاجر والمستهلك في آن، لأن الصانع هو المتضرر الاول في القضية عكس التاجر الذي يكون لديه مخزون يكفي لمدة اسبوع او اكثر. وما يقوم به "سانزبوري" درس للآخرين في التسويق، هكذا ترى استاذة التسويق في اكاديمية السادات للعلوم الإدارية كاميليا كامل، وتقول إن حال الكساد التي يشهدها السوق تحتم على الجميع اعادة الحسابات. وتستغرب الحملة المعلنة على "سانزبوري" مطالبة في الوقت نفسه بالتفكير في الإدارة التي اتبعتها الشركة لجذب الزبون، وتطوير أساليب التسويق لدى الشركات والتجار في مصر لكسر حال الجمود التجاري الذي يسيطر على الاسواق حالياً. وتعتبر كامل ان الوقوف ضد الشركات الأجنبية هو بمثابة ردّة اقتصادية وعودة للوراء لأننا نواجه أزمة تسويق في كل شيء وينبغي الا ننفعل امام مناقشة قضايانا. والغريب ان هناك من لا يهتم كثيراً بما يحدث على رغم أنه يعمل في المجال نفسه واقصد المتاجر المصرية الكبيرة التي لم تتأثر كثيراً ب"سانزبوري" أو غيره مثل "العزيزية" ابو ذكري سعودي الهواري ومصر والسودان التي لها أفرع في مناطق عدة في القاهرة وخارجها. أنور سامي، مسؤول في العزيزية، ابتسم عندما سألته عن تأثير "سانزبوري" على متجره واشار الى كثرة الناس والزبائن وازدحام المكان. وسألته عمّا اذا كان الامر سيستمر في حال قدوم متاجر أجنبية اخرى الى مصر. فأجاب: يا استاذ زبوني عرفني وهيوصل لي لو أنا في آخر الدنيا أيحنا لامؤاخذة مش خايفين من حد. ويبدو أن كلام سامي صحيح فحسب بعض الزبائن ان العزيزية من أفضل المتاجر في منطقتي فيصل والهرم، ومنذ افتتاحه عام 1998 وعدد الزبائن الى ارتفاع. وفي المقابل يؤكد مسؤول في متجر ابو ذكري في ضاحية المهندسين الراقية انه يعمل بصورة طبيعية ولا يهمه "سانزبوري" أو غيره. لكن هدف الحملة كما يقول المسؤول على "سانزبوري" حماية السوق المصرية عموماً وليس مصلحتنا ان نقف ضد الاستثمار الاجنبي شرط ان يتم مع الضوابط "لأني لا أدري هل هذا الوضع سيظل قائماً أم أجد نفسي بين يوم وليلة في كابوس "سانزبوري" و"كارفور" و"مترو". الجديد في الامر ان حركة اعتراض التجار انعكست على نواب الشعب وتقدم احدهم بطلب احاطة عاجل الى رئيس الوزراء عاطف عبيد في شأن موضوع احتكار "سانزبوري"، لكنه لم يلق استجابة لطلبه. واعتبر ان الحكومة في انتظار احتكار البلد ثم تنظر في طلبات الاحاطة المقدمة من النواب، واللافت ان بعض النواب ارجعوا عدم رد الحكومة على طلبهم الى لوبي يتحكم فيه رجال الاعمال ويديرون الامور لمصلحتهم الشخصية. ونظراً لهذا الموقف رأى التجار ان الاعتماد على انفسهم بات أمراً ضرورياً ومن ثم قرروا تأسيس شركة جديدة لتجارة الجملة باسم مصريتنا برأسمال 29 مليون دولار لمواجهة ممارسات بعض الشركات الاجنبية العاملة في مجال توزيع السلع الاستهلاكية في السوق المصرية، ومن المقرر طرح اسهم الشركة قريباً بسعر الف جنيه للسهم الواحد للاكتتاب العام للتجار والافراد. وتضم الشركة الجديدة عدداً من كبار تجار الجملة، وتهدف الى انشاء كيان تجاري له امكانات مالية ضخمة قادرة على تلبية حاجات المستهلك من السلع الاستهلاكية بأسعار تنافسية والحفاظ على استقرار الاسواق الداخلية خصوصاً بعد التطورات الجديدة التي كشف عنها دخول سلسلة محلات "سانزبوري". وفي اطار ذلك كيف يتم حماية التاجر الصغير؟ وعلى خلفية ما حدث يمكن تحديد بعض النقاط الاساسية التي قد تكون مصر في حاجة ماسة اليها خلال الفترة المقبلة، وهي: 1- تأسيس بنية تشريعية تحمي السوق من الممارسات الضارة بالاقتصاد التي تنعكس اساساً على مناخ الاستثمار. 2- ضرورة النظر في قانون دعم المنافسة ومنع الاحتكار والذي تم الانتهاء منه منذ ثلاث سنوات، ولم ير النور، حتى الآن، لأسباب مجهولة. 3- حث المستثمرين المصريين، خصوصاً في القطاع الغذائي، على الاندماج لمواجهة السلاسل التجارية التي ستدخل البلاد قريباً، علماً ان هناك دراسات اكدت ان حجم السلع المتداولة في مصر تقدر ب 120 بليون جنيه سنويا، ما يعني ان هناك منافسة شرسة داخل السوق المصرية خلال الفترة المقبلة لاقتسام كعكة "المستهلك". 4- الاهتمام بتدريب الكوادر التي ستدير المجمعات الاستهلاكية التابعة لقطاع الاعمال والاهتمام ايضا بالادارة كأساس في تلك العملية. 5- اعادة النظر في تخصيص بعض القطاعات والحد من هيمنة فرد او شركة واحدة على قطاع انتاجي واحد، ومحاربة الاحتكار في كل اشكاله. 6- عمل سلسلة متاجر في مصر على اعتبار ان متاجر التجزئة فقيرة ودائماً ما تركز وجودها في الاحياء الشعبية والاقاليم. عموماً الأيام المقبلة ستزيد السوق المصرية اشتعالاً بعد دخول الشركات السابق ذكرها ليبقى التاجر المصري منشغلاً بتوابع الحدث أكثر من انشغاله بسبب الحدث. ومنذ شهر تقريباً قامت الدنيا لمجرد دخول شركات دولية وبقوة في سوق الاسمنت، إذ فجأة دخلت "لافارج" الفرنسية تشتري بني سويف، ودخول شركة تابعة لرجل الاعمال نجيب ساويرس مع شركة برتغالية لشراء شركة العامرية، وتوقع أن يسيطر الاجانب على 25 في المئة من حجم السوق في الفترة المقبلة. وسبب القلق ان الاسمنت سلعة استراتيجية لا ينبغي تحكم الاجانب فيها. على أية حال مصر تعمل بآليات السوق وباتت منفتحة بصعوبة كبيرة على العالم ويفترض ان تكون البلاد مهيأة كون القادم إلى مصر له آلياته المختلفة والمبتكرة في التسويق والدعاية والاعلان عنها. لكن للأسف هناك فوضى في السوق، وبات دور بعض منظمات الاعمال بلا رؤية، بل أصبح هامشياً للغاية وهذا ما أفرزته أزمة "سانزبوري".