أرادت مصر أن تقول إنها لم تتخل عن أهم ثوابتها في السياسة الخارجية فذهب رئيسها الى بيروت. الثابت والتقليدي في السياسة الخارجية المصرية هو أولوية المشرق العربي، وبالتحديد كل المنطقة العربية شمال الجزيرة العربية وحتى حدود تركيا. والثابت والتقليدي في السياسات الخارجية المناوئة لمصر هو العمل على عزل التأثير المصري عن هذه المنطقة. وتردد خلال الشهور الاخيرة كلام كثير، وتحركت ضغوط متعددة، تشير جميعها الى أن مصر، مخيّرة كانت أم مسيرة، قد تقرر إعادة النظر في أولوياتها الديبلوماسية، إن لم تكن اولوياتها الاستراتيجية، فتتوجه نحو الغرب، أي نحو بلاد المغرب العربي، بدءاً بالانضمام كمراقب في الاتحاد المغاربي سعياً وراء العضوية الكاملة، واندماجاً في المحاولات الجارية لوضع قواعد شراكة متميزة بين دول في شمال افريقيا والاتحاد الاوروبي. وفي الوقت نفسه تتوجه نحو الجنوب، اي السودان، ومنه عبراً او قفزاً فوقه، نحو افريقيا. وذهب من يقول بهذا الكلام الى حد تصور اقتراب يوم تصبح فيه الساحة الخلفية، اأي افريقيا، ساحتها الامامية، بمعنى أن تنظر مصر الى العالم بعيون افريقية، وليست بعيون عربية أو حتى متعددة الأبصار. جاء هذا الكلام الكثير في إطار حملة كتابات ومؤتمرات اتخذت عنواناً لها عبارة "مرحلة ما بعد السلام" وتزامنت مع استئناف المحادثات المباشرة بين سورية واسرائيل في "شيباردز تاون" في الولاياتالمتحدة الاميركية. ولكنه تزامن ايضاً مع تطورات أثارت اهتماماً مشوباً بالقلق بين خبراء السياسة الخارجية المصرية. فقد خرج في المشرق العربي من يتحدث عن هلال خصيب جديد، وخرجت من مجلس التعاون الخليجي إشارات الى ايران أوحت في بداياتها بأن الخليج قرر تجاوز حساسيات مسألة الجزر الاماراتية والانتقال الى مرحلة من العلاقات الوثيقة مع ايران. ولم يكن خافياً، وليس خافياً الى الآن، أن مصر تجر اقدامها ببطء شديد في اتجاه التصالح مع ايران أو على الاقل التفاهم معها لأسباب، واحد منها، مسألة الجزر الاماراتية. وكتب من يقول إن خطوات مجلس التعاون المتسارعة في اتجاه ايران لا بد أن تحرر السياسة الخارجية المصرية من عائق الجزر، على الاقل كسبب مهم يمنع التدفق المتبادل والايجابي في العلاقات المصرية والايرانية. لقد تدفقت في مصر دائماً تيارات، وليست ضعيفة، تنادي بأولوية الجنوب على المشرق، أي أولوية الافارقة على العرب، وأخرى تنادي بأولوية اوروبا والمتوسط الشمالي على العرب والاسلام، وتيارات غير قليلة، تنقصها المعرفة تدعو لأولوية الانعزال، وكأن الانعزال خياراً ممكناً في هذا العصر، ولمصر خصوصاً ثم يوجد ولا شك تيار ناشىء، ولكنه مزود بآلة دفع أو طاقة تجعله يبدو أكثر قوة من واقع حاله، انه تيار المقتنعين بأن الدور المستقبلي الأمثل لمصر هو التعاون مع اسرائيل في تشييد هيكل اقليمي يعيش في ظله سكان المنطقة ويتعايشون، وتعتمد كل هذه التيارات مجموعة من الاقتناعات والشواهد. فالكل يرى - وعن حق احياناً - أن الدول العربية غير جادة، ولا مستعدة للتعاون في ما بينها وإنعاش النظام العربي. والأدلة لدى هذه التيارات عن سلوك العرب بالعشرات. فلا قمة يعقدون، ولا اتفاق يحترمون والانشغال بهم وبقضاياهم تبديد لموارد مصر الضئيلة، ولا نفعاً كبيراً عائداً بالضرورة. والكل يرى، وعن حق احياناً، أن الهيمنة الاميركية تزداد وثوقاً ونفاذاً، وانه لا إرادة لنظام سياسي عربي خارج حدوده إلا وكانت مباركة أو مدفوعة بالإرادة الاميركية، وأن مسيرة العولمة الاقتصادية والثقافية كاسحة، وقدرة العرب مجتمعين غير كافية للصمود في وجه قوى التغيير المصاحبة للعولمة، او على الاقل لتخفيف وقع صدماتها. ويبدو على كل حال أن هذا الكلام الكثير عن مستقبل المنطقة بعد السلام، والكلام الكثير الداعي مصر، والعرب، للانشغال بأمور اخرى غير فلسطين واسرائيل، يبدو أن هذا الكلام وغيره على المستوى والنوع نفسهما لم يجد قبولا واسعاً لدى الدولة في مصر، أو ان الدولة اكتشفت ان المغرب العربي الكبير غير جاهز وحده لاشباع حاجة مصر لدور خارجي مؤثر، أو اكتشفت ان السودان، وقد بدأ يحل مشكلته الداخلية ومشاكلة مع مصر، لم يعد دافعاً قوياً لايثاره وافريقيا على المشرق العربي وقضايا فلسطين واسرائيل. بل إن افريقيا تؤكد كل يوم أن امورها أسوأ من أمور العرب وأشد تعقيداً، وعائد الاهتمام بها لن يكون أكبر كثيراً من عائد الاهتمام بالعرب، وفي كل الاحوال، فهناك دول افريقية معينة يدفعونها من خارج القارة دفعاً لتتولى مسؤوليات قيادة اقليمية أو قارية، ولا أظن أن مصر مستعدة للدخول مع هذه الدول في منافسات تجر عليها مشكلات، ولن تحل لها مشكلات. ومع ذلك، تظل هذه الخيارات، خيار المغرب العربي الكبير، والسودان، وافريقيا، والمتوسط، خيارات نظرية، بمعنى آخر هي ليست خيارات، هي خيارات فقط في حدود ما يطمح اليه اصحاب مصالح بعينها، ولكنها ليست خيارات بالنسبة لصانعي السياسة، أي بالنسبة للدولة المصرية، ستبقى اهتمامات من درجة او اخرى، او انشغالات على مستوى أو آخر، ولكن بأي حال، لم تصل الى مستوى الخيارات، أي البدائل للخطوط الاساسية في السياسة الخارجية المصرية. لذلك فإن زيارة بيروت ليست عودة الى الخطوط الاساسية وانما هي تأكيد لهذه الخطوط، ولكن في الوقت نفسه، هي ايضاً ليست قراراً نهائياً في شأن التوجهات السياسية المصرية في المنطقة. بمعنى آخر، فإن الزيارة لم تلغ تماماً الاهتمامات الاخرى ولكن قد تأتي يوماً على حسابها، اي على حساب هذه الاهتمامات الاخرى، اقول هذا وأذني على وقع اقدام هذا الجيل الذي انتمي اليه، وبالتحديد خلال نصف القرن الاخير. واقول هذا بعد أن تابعت وبحرص شديد ردود الفعل العربية على زيارة الرئيس المصري الى لبنان. فقد لفت نظري - ولا شك انه لفت نظر الكثيرين - كثافة هذه الردود، وقوتها، ولا اريد أن اصف ردود الفعل هذه بأنها لم تتناسب مع الحدث، بمعنى أنها تجاوزته وتفوقت عليه، ولكني اريد فقط أن اضعها في سياق تاريخي يجعلها دليلاً على ظاهرة عربية، وان هذه الظاهرة لم تختف. جيلنا يتذكر رد الفعل العربي لموقف حكومة حزب الوفد من مشروع اقامة حلف مركزي في الشرق الاوسط بهدف ضبط عواقب الهزيمة العسكرية ومنها غضب الجيوش العربية وحاجتها الى السلاح. ويتذكر بشكل خاص رد فعل الشارع العربي لموقف مصر من مشروع اقامة حلف بغداد. كان رد الفعل آنذاك اوسع بكثير، واعنف، مما توقعه صانع السياسة في مصر، فوجئ برد الفعل، وكانت اول تجربة يخوضها حكام مصر الجدد مع الرأي العام العربي. بل إنها التجربة المسؤولة بشكل مباشر عن علاقة فريدة تطورت بين حكومة مصر والشارع العربي، فمنذ ذلك الحين اصبح الرأي العام العربي عنصراً فاعلاً في صنع السياسة الخارجية المصرية. بل حدث ان الرأي العام العربي في مرات متعددة كان الباعث الحقيقي للقرار السياسي المصري، قامت العلاقة منذ وقت غير قصير، ولعبت دوراً مهماً في وضع السياسة المصرية داخل اطار لم تخرج عنه إلا بحساب دقيق وفي ظروف استثنائية واكثرها كانت ظروف ضعف داخلي. تعود العلاقة الى ايام الملكية في مصر، ولعل الموقف المصري من مشروعي الهلال الخصيب وسورية الكبرى وردود الفعل العربي له، كان بداية مرحلة تجاوزات من الطرفين، كان منها على سبيل المثال، بعض تصرفات الامين العام لجامعة الدول العربية عبدالرحمن عزام حين كان يتوجه مباشرة بالخطاب الى الشعوب في عقر دارها متجاوزاً او متجاهلاً الحكومات العربية، ليضغط بهذه الشعوب على الحكومات لمصلحة العمل العربي المشترك. وفي عقد الخمسينات صارت العلاقة اقوى ونتائجها أخطر. كان رد الفعل العربي على قرار مصر تأميم قناة السويس حافزاً قوياً وسنداً أساسياً لصمود الدولة والشعب في مصر حتى نهاية الازمة، وكان بمثابة القوة المحركة التي فجرت عملية الوحدة المصرية - السورية، وهي التجربة التي يتحمل فيها الرأي العام العربي عموماً والسوري واللبناني خصوصاً النصيب الاعظم في مسؤولية إشعالها وتنفيذها، ثم كان المثال الأبرز عندما تدخلت حكومة مصر بدءاً من ربيع 1967 فنفذت عدداً من الإجراءات والسياسات كان الهدف منها تخفيف الضغوط الاسرائيلية على سورية. وكغيرها من السوابق تبادل الطرفان - حكومة القاهرة والرأي العام العربي - التصعيد حتى اشتعلت الأزمة حرباً. كان كل قرار يتخذه رئيس مصر يقابل برد فعل يبدو مثل المكافأة والتشجيع، بينما كان في الحقيقة طلباً بقرار آخر على مستوى اعلى من الجسارة او المجازفة. وفي نهاية هذه السلسلة الطويلة من التصعيد المتبادل بين حكومة مصر من ناحية والرأي العام العربي وصانعيه من ناحية اخرى نشبت الحرب، ووقعت الكارثة. وبعدها بثلاثة شهور، وبالتحديد في ايلول سبتمبر 1967، تحدث عبدالناصر إلى صحافيين من لبنان في ما بدا وقتها عتاباً موجهاً الى الرأي العام العربي وصانعي هذا الرأي. وكان العتاب - الى حد ما - في محله، ولكن جاء متأخراً. فعلاقة التصعيد المتبادل بينهما بدأت قبل هذا التاريخ بسنوات حتى صارت ركناً من أركان سياسة مصر الخارجية، وركناً من أركان نسق تكوين وسلوكيات الرأي العام العربي. ما لم يقدره الطرفان ويحسبان حسابه، رغم اهميته البالغة هو أن صانع القرار هو في النهاية انسان مثل بقية البشر يتأثر بالمديح فتتسلل العاطفة لتحتل مكاناً اكثر من حقها في عملية صنع القرار، وان للرأي العام العربي قوتين متناقضتين - قوة رافعة وقوة خافضة، وكلتاهما استخدمها مع مصر إلى حدود قصوى خلال الخمسين عاماً الماضية. لقد راقبتُ عن كثب الصحف والاذاعات العربية والمصرية خلال الفترة التي انقضت على الزيارة التي قام بها الرئيس حسني مبارك للبنان. وتابعت التصريحات المصرية وغير المصرية على الحدث أو احداث اخرى لاحقة. راقبت ايضاً سلوك الشارع العربي. التاريخ لا يعيد نفسه، ولكني لاحظتُ ان المنطقة العربية استعادت ما يشبه التماسك ولا اقول التلاحم. ولاحظت زيادة في توقعات صانعي الرأي العام وكذلك في الشارع. وببدو واضحاً الهدوء ثم الانحسار في تدفق التنازلات على صعيد الصراع العربي الاسرائيلي، واشتد ساعد المقاومة الشبابية في الاراضي المحتلة، وعادت اقوى تعبيراً عن الغضب، وقرر العرب الذهاب الى بيروت وعقد مجلس جامعتهم فيها، واتخذوا - في اتصالاتهم بالولاياتالمتحدة حول مواضيع النفط والغاز - مواقف أقل مرونة عن المعتاد. ملقى الآن على القاهرة عبء، بل أعباء ستتصاعد، وأظن أنها قادرة على تحملها.. وفي اسرائيل والولاياتالمتحدة غضب سيتزايد... أتمنى ان تنجح في التصدي له. * كاتب مصري