انفض "مولد" فلسطين، فليعد كل حي الى بيته وحياته العادية. ويبدأ كل عربي التعود على العيش أو التعيش من دون هذا المولد". اتصور ان عبارة قريبة من هذه العبارة تتكرر هذه الايام على مسامع مسؤولين في اجهزة صنع القرار السياسي في الدول العربية. وأظن أن الناصح او الآمر الذي ينطق هذه العبارة لا يتوقع أن يأتي الرد بالرفض. او حتى بالمجادلة، فقد تقرر "فض" المولد. وتقررت عودة كل ذي شأن ممن شاركوا في هذا المولد الى مارسة حياة عادية، واذا تعذرت العودة لأسباب وأزمات داخلية، فلتشغل كل دولة وتشغل شعوبها بقضايا خارجية اخرى، بشرط ان تكون هذه القضية في مواقع بعيدة عن فلسطين، بل عن كل منطقة شرق البحر المتوسط، وليس من حق ذي شأن بين العرب أن يقول إن المولد سيستمر، أو يجب أن يستمر لأسباب تتعلق بالحقوق أو الاخلاق او العدالة. ثم أنه - وكما يذهب منطق انفضاض المولد - كيف يطالب الآخرون باستمرار المولد بعد أن اطفأ اصحاب المولد الزينات وانزلوا الرايات وتوقفوا عن ممارسة الشعائر. هذه الصورة لا تبالغ في تقديم حقيقة ما يحدث الآن في كثير من العواصم العربية. إذ تركز الديبلوماسيات الغربية، والاميركية بخاصة، وبحماسة لا سابقة لها، في اتصالاتها على ضرورة "تجاوز" الموضوع الفلسطيني. أو موضوع الصراع العربي - الاسرائيلي، والانتقال الى مواضيع اخرى، وتبدو الحماسة واضحة، وبلا سابقة، من حقيقة ان الاتصالات، ولا اقوال الضغوط او التهديدات بالضرورة، تتم على مستويات متعددة وفي وقت واحد. فالطبيعي، والمتعود عليه في هذه المنطقة ان تتركز الاتصالات على قطاع صنع القرار، وعبر وسائل وادوات معروفة، واحياناً - وليس دائماً - تصاحب هذه الاتصالات تلميحات اعلامية. ولكن الاتصالات هذه المرة تركز على قيادات العمل الاعلامي، والاكاديمي، والثقافي، بدرجة كثافة الاتصالات نفسها على مستوى صناعة القرار. لا تهدف الاتصالات المكثفة الجارية الى التعرف على ردود فعل الحكومات العربية وقيادات العمل المدني والزعامات الدينية والمحلية في "نية" انتزاع الصراع العربي - الاسرائيلي وقضية فلسطين من جدول أعمال واهتمامات المنطقة. وانما تهدف الى "ابلاغ" كل هذه الجهات والشخصيات والجماعات بأن الأمر ليس مجرد نية بل قرار اميركي، أو دولي باستخدام مصطلحات العصر، وما على الآخرين إلا الانصياع والبحث عن اهتمامات جديدة. ولا يأتي هذا التطور، أو هذا القرار، من فراغ من دون تمهيد، فالقمة العربية لم تعقد لأن انعقادها كان يمكن أن يعرقل الانتقال الى هذه الخطوة. لم اقتنع، لا أنا ولا مئات من المحللين السياسيين في دول العرب كافة، بما اعلنته حكومات عربية كثيرة عن أسباب دعم الانعقاد. بل إنني لم أصدق دائماً كل دعوة لعقد قمة عاجلة تصدر بين الحين والآخر عن قيادة عربية هنا او هناك، خصوصاً عندما تذيل الدعوة بعبارة صرنا نحفظها عن ظهر قلب، ونكررها نحن انفسنا، وإن بسخرية مريرة، وهي عبارة "بشرط أن يتم الاعداد لها إعداداً جيداً". وأظن أن واشنطن ليست راغبة في عقد مؤتمر قمة. ولن تكون هذه المرة الاولى، بل إن أحدهم اسر - منذ أيام قليلة - بأنهم لا يمانعون في ان تصدر بيانات عربية تدعو للقمة، ولكن بشرط واحد وهو ان ترفق بالبيان العبارة التي صارت شهيرة: "بشرط ان يتم الاعداد لها جيداً". ويتحدثون في أروقة صنع القرار السياسي الخارجي في عدد من العواصم العربية عن زيادة ملموسة خلال الشهور الأخيرة في استخدام الديبلوماسية الحديثة لما يسمى ب "اللاورقة"، "اللاورقة" اختراع ذكي يتناسب مع العصر الامبراطوري الجديد. هي مذكرة تحوي ما يشبه التعليمات تصاغ في شكل تمنيات او رغبات أو نصائح او إشارات وتقدم من عاصمة دولة عظمى أو كبرى الى المسؤولين في العواصم الاخرى. وهي مذكرة غير موقعة، وعلى ورق غير رسمي لا يحمل شعار السفارة او القنصلية او المندوبية السامية، وتسلم بطريقة ودية للغاية. ولكنها في كل الأحوال مذكرة توجيهات. يتردد ان استخدامها صار القاعدة بعد أن كان استثناءً تدفع إليه الضرورات القصوى والعاجلة. ويتردد أنها تجاوزت حدودها فصارت تنقل اخباراً بالغة الخصوصية عن دول اخرى في الاقليم نفسه وعن قيادتها. أنا شخصياً لا استبعد أن يكون بعض هذه الأوراق يمنع عقد القمة، ويستبعد التنسيق بين دول بعينها، وحول قضية بذاتها، وفي مرحلة لها اهميتها، ولا أريد ان أخمن أي دول وجهات عربية امتنعت عن التنسيق في أمور كانت حيوية ومشتركة وكانت تستدعي حتماً التنسيق، وأي قضايا جماعية تحولت بفضل هذه "اللااوراق" الى قضايا ثنائية أو "لا قضايا". لا أعرف كيف أصف بعض ما يكتب او يذاع في أجهزة الإعلام العربية في الآونة الاخيرة. المؤكد ان عدداً متزايداً من الإعلاميين الرسميين يتحدث عن ضرورة التركيز على "قضايا ما بعد الاسلام". والملفت للنظر أن كثيراً مما كتب كان ضعيفاً اذا لم يقدم قضايا حقيقية بمقدار ما كرر ما سبق قوله في أوقات متردية مثل اوقاتنا الراهنة، حين كان يطلق على هذه القضايا "بضاعة ما بعد السلام". وهي بضاعة لها منتجون ومستهلكون ومرجون. مثال على ذلك العودة الى الحديث عن أهمية افريقيا بالنسبة الى الدول العربية في شمال افريقيا. ثم لم يعد الأمر مجرد أحاديث ومقالات، ففي سنة واحدة، بل في شهور قليلة، أعلن عن "تأفرق" دولة كانت عربية وقررت فجأة التخلي عن "عرب المشرق" واستبدالهم بالافارقة. وفي السنة نفسها بل في الشهور نفسها، عاد السودان يحتل الاهتمام الأعظم في السياسة الخارجية المصرية. والسودان قضية حق يراد به دائماً الباطل. فالسودان، كالمشرق مجالان لا يتنافسان في السياسة الخارجية المصرية. كلاهما من ثوابتها. وكلاهما يقفان عند المستوى نفسه. ولم يحدث أن حكومة مصرية اهملت احدهما للاهتمام بالآخر. ولكن كانت تجري دائماً محاولات من الخارج لاتهام القائمون على السياسة الخارجية المصرية بأنهم يهملون السودان او يهملون ما وراء حدود مصر الشرقية لدفع مصر فعلاً الى إهمال أحدهما. واعتقد ان شيئاً قريباً من هذا الذي كان يحدث في عصر الانكليز يحدث الآن في العصر الاميركي. واعتقد أيضاً أن جهداً خارقاً يبذل الآن لدفع مصر نحو مغامرات وراء حدودها الجنوبية والغربية، وقد يكون الهدف المعلن طمأنة اسرائيل وازالة قلق مؤسساتها الأمنية واليمينية أو قد يكون الهدف هو غير معلن، اخلاء منطقة "الحلم الاسرائيلي" من كل دور او نفوذ عربي من خارجها، وبخاصة دور مصر ونفوذها. فلمصر سوابق لا ينساها الغرب. إذ كان اعتراض حكومات الملك فاروق على قيام الهلال الخصيب وسورية الكبرى اهم عوامل انهيار المشروعين. وبالتالي قد يفكر الاستراتيجيون في الغرب وفي اسرائيل ان مصر اذا تركت لتقرر بحرية، فإنها لن تقبل طواعية قيام "اسرائيل كبرى" فتنفذ ما عجز عن تنفيذه أصحاب مشروعي سورية الكبرى والهلال الخصيب. من ناحية أخرى، وعلى عكس ما كان متصوراً في عدد من العواصم العربية، عادت واشنطن في الشهورالأخيرة تُصعد عداءها وعداء المنظمة الدولية ضد العراق. المهم هنا ايضاً أن تبقي العراق منشغلاً بقضايا اخرى غير الصراع العربي - الاسرائيلي، وغير فلسطين. انشغلت طويلاً بالأكراد ثم انشغلت بايران، ومنذ عشر سنوات وهي منشغلة بأوضاع اتصور ان التاريخ سيسجلها يوماً تحت عنوان "محرقة العرب" في العراق. ساعتها لن يحدث خلاف علي وقوع المحرقة من عدمه وحجمها وأبعادها مثلما هو حادث الآن بالنسبة الى محرقة اليهود في المانيا، وساعتها لن يضطر العرب إن هم صاروا في قوة اليهود، ان يفعلوا ما يفعله اليهود فيفرضون قصة وتفاصيل محرقتهم فرضاً لتدرس في المدارس وتقام لها المتاحف وتخصص لها معاهد ومراكز وتشرع لها قوانين تعاقب من يشك في أمرها. لن يحدث هذا أو ذلك، لأن محرقة العراق تسجل تفاصيلها أولاً بأول في تقارير الأممالمتحدة ومنظماتها وبخاصة منظمة الطفولة "اليونيسيف". وهو ما لم يحدث في عهد محرقة اليهود. ومع ذلك، ستستمر المحرقة لأن أمن "ارض اسرائيل" يتطلب استمرار انشغال العراق بأمور أخرى. اخترت تعبير "أرض اسرائيل" لا لشيء إلا لأنني أعرف أنه بعث من جديد، وعن هذا يقول أحد المعلقين الاسرائيليين إن السبيل الوحيد لإقناع اهل اسرائيل بالعودة الى حدود ما قبل حرب 1967 مع سورية ومع لبنان هو استبدال كلمة "دولة" بكلمة "ارض" اذ قد تضطر اسرائيل موقتاً ان تسمح بأن يعيش اسرائيليون في ظل سيادة دولة أو سلطة أخرى. عندها يمكن القول أنهم لا يزالون يعيشون على "ارض اسرائيل"، فالمهم للاسرائيليين سياسة وديناً وايديولوجية، هو الأرض، وليست الدولة، فالدولة ليست أكثر من وسيلة نحو هدف. وقد حققت الدولة - حتى الآن - معظم ما كان عليها ان تحققه. قد نشهد قريباً، أو اننا نشهد فعلاً، وان كنا لم نشاهد بعد، اعادة ترتيب مراتب الدول العربية في الاستراتيجية الاميركية، ولكل مرحلة - كما نعرف - معاييرها المستخدمة في وضع مراتب الدول. ففي مرحلة سابقة كان النفوذ السياسي والايديولوجي معياراً لترتيب الدول في نظام اقليمي، كالنظام العربي، وفي مرحلة اخرى كان حجم احتياط النفط المعيار الاساسي. في المرحلة الراهنة اتصور ان "الاقتراب" من اسرائيل اصبح المعيار الأهم في تصنيف الدول حسب مراتب جديدة. أفضل المراتب هي المرتبة الي تجعل دولة ما احق من غيرها برعاية اميركا وحمايتها. هذه المرتبة يحتلها الآن دولة أو دول. بعضها قد يكون بعيداً جداً عن اسرائيل وبعضها قد يكون قريباً جداً من اسرائيل. ولكنها تشترك في النهاية استطاعت ان تؤكد لاميركا واسرائيل أنها انسحبت من "مولد فلسطين" وتستحق ان تحتل مكاناً في مرتبة "الاسرائيليات العربية". وهي مرتبة لا تبتعد كثيراً عن المرتبة الممتازة التي تمثلها منفردة اسرائيل. أما تلك الدول التي لم تنسحب من المواد لأي سبب، او المتراوحة بين الاستمرار والانسحاب.، والدول التي لم تستطع ان تقنع اميركا لتجعلها تثق في أن انسحابها حقيقي ونهائي، فهذه تحتل أدنى المراتب، وتدفع الثمن، وستدفع أكثر. تقول مادلين اولبرايت متفاخرة بالقوة الاميركية: "الاميركيون يرون ابعد الآن لأن قامتهم أطول" أما نحن فنصر على القبول بأوضاع نعلم علم اليقين أنها ستجرنا الى أوضاع اسوأ لا نريد أن نرى أبعد... * كاتب مصري.